يكتب سيرج حليمي تحت عنوان "خطة اليمين الأمريكي: تعبئة الشعب ضد المثقفين" اللوموند ديبلوماتيك أيار 2006 أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر و"النخبة" في الولاياتالمتحدةالأمريكية توصف بأنها "متعجرفة ومسرفة ومتصنعة ومتخثنة ومتلاعبة ونظرية أكثر منها عملية وتعيش من عمل الآخرين" والجديد من وجهة نظر حليمي، هو موضعة النخبة في مواجهة مع الشعب، فقد اعتبرت النخبة العالمة فاقدة للحس الأخلاقي ومعادية للجماعات المفعمة بالحس السليم والفضائل" وهنا ليس مستغرباً تصريح الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بأنه يمتلك من الأحصنة أكثر مما يمتلك من الكتب التي تظل عنواناً نخبوياً لجماعة من حملة الشهادات الذين يعيشون في برجهم العاجي ويقتاتون علي عمل الآخرين. اليمين الأمريكي ليس وحده الذي يقيم تضاداً بين الشعب والمثقفين، فقد سبق للنازية في رؤيتها الجوبلزية أن رأت في المثقفين خونة، فهم يسهمون كما يكتب هتلر في كتابه "كفاحي" بتحطيم كبرياء الأمة الألمانية علي مذبح رؤيتهم الموضوعية وأوهامهم الديمقراطية. وما يلفت النظر أن اليمين العربي ممثلاً بالعسكرتاريا العربية من أصحاب بذلة الكاكي التي بنيت عليها آمال في بناء مجتمع جديد (انظر كتاب أنور عبد الملك "مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون") راح يرث علي مستوي اللاوعي السياسي الرؤية الجوبلزية وخطة اليمين الأمريكي تجاه المثقفين، فكثيراً ما اتهم المثقفون بأنهم نخبويون يعيشون في أبراج عاجية، ومعادون للمجتمع والأهم للسلطة السياسية الجديدة التي رفعت في وقت مبكر شعار "الجيش للحرب والإعمار" والتي رفضت كل أشكال الشراكة مع المثقفين في صنع القرار، لابل أنها راحت وفي وقت مبكر توزع الاتهامات علي المثقفين بالجملة، وتعتقلهم علي الشبهة، وكثيراً ما اعتبرت الشراكة والشرك الذي يبديه المثقفون إزاء السلطة السياسية شركاً في الله يعاقب عليه المثقف بسجنه عقوداً من الزمن؟وعلي مدي عقود من الزمن ومنذ أن رفع سعد الدين ابراهيم شعاره في "تجسير الفجوة بين المفكرين وصناع القرار" لنقل بين المثقف والأمير، لم يفلح المثقف في أن يصبح شريكاً، وكان عليه أن يهجر أحلامه في لقاء الأمير علي جسر ذهبي، فالأفضل له أن يسير إلي الأمير علي جسر خشبي وهو مطأطئ الرأس قانعا بما يقضي أوده أو يحفظ سلامته عملا بالقاعدة التاريخية "لا تعاند من إذا قال فعل". وعلي مدي عقود ازدادت ممانعة الأمير بكافة صنوفه لكل دعوات الاصلاح التي اعتبرت دخيلة وتآمرية ومن شأنها أن تحد من امتيازات الأميرالتي لاتحد حدودها، وهذا ما يفسر سكوت الأمير علي الخطاب الإصلاحي ثم مجاراته ريثما تهدأ الضغوط، ثم الانقلاب علي المثقفين بوصفهم خونة الأمة والمعرضين أمنها للخطر، ثم زجهم في السجون تحت وطأة قوانين عفا عليها الدهر، تعاقبهم وتحبسهم علي الظن في نواياهم؟ من وجهة نظر المثقفين الذين هم عن حق ضحايا السلطة الاستبدادية ورهائنها بآن، أن التعسف الذي تبديه السلطة العربية أو ماسماها محمد جابر الأنصاري ب "شبه الدولة العربية" إنما يندرج في المتن من عدم رغبة السلطة في أي اصلاح، فالسلطة في أفضل الأحوال تعتبر الديمقراطية بدعة ومستوردة إن لم تكن مؤامرة، وأن طربوش الاصلاح يجب أن يكون مرقعاً شرط أن يسبقه الاصلاح الاقتصادي الذي قد يطول أمده إلي أبد الآبدين. من هنا هذه الرؤية الحسيرة للسلطة لمعشر المثقفين، فهي لاتريدهم إلا مداحين لها وواعظين وهذا شاهد كما يري ريجيس دوبريه علي خيانة المثقف لوظيفته، أما أن يشمر المثقف عن ساعديه للدفاع عن المجتمع والدولة معاً باعتبارها التحدي الكبير والخطوة التي تسبق كل اصلاح، أي بناء الدولة، فهو في هذه الحالة يمس هيبة دولة شرق المتوسط كما سماها عبد الرحمن منيف، وعليه فلابأس من تحريض الشعب والسلطة معاً علي المثقفين، لاعتبارهم أناساً متعجرفين ومتلاعبين بالكلمات والأشياء، بل باعتبارهم خونة ينالون من هيبة الدولة ويشكون بشاراتها وممارساتها وبذلك يجب تطبيق أقصي العقوبات بحقهم وهنا تكمن المفارقة والمصيبة معاً؟