اختيار "بغداد" البهية مقر الرشيد وعاصمة الخلافة وصاحبة التاريخ الضارب في القدم والأبهة والعظمة وأرض السواد حسب منيف وأم الحضارات المتعاقبة علي مر الزمن لتكون مقراً لزرع أكبر "وكر" علي أرضها تحت مسمي "سفارة" بأرقام قياسية غير مسبوقة في الماضي والحاضر، هذا الحدث "الخطير" يجعلنا نستعيد قصيدة الشاعر السومري (المنقوشة فوق لوح طيني) التي يرثي فيها مدينة "لكش" في عام 2365 قبل الميلاد علي ما أصابها من خراب ودمار علي أيدي الغزاة فالواقع هو الواقع، والدمار هو الدمار ولكن يتغير الأمر لو أبدلنا "بغداد" ب "لكش" لتكون علي النحو التالي: "واحسرتاه علي ما أصاب بغداد وكنوزها. ما أشد ما يعاني الأطفال من بؤس أي مدينتي متي تستبدلين بوحشتك أنسا" لماذا هذا الاسترجاع؟ لأن الأرقام القياسية التي تنتظر هذا "الوكر" الذي سيسمي مجازاً "سفارة" غير مسبوقة في التاريخ فالمساحة التي اقتطعوها من بغداد البهية تبلغ 416 ألف متر مربع، أي مائة وأربعة أفدنة من أرض السواد في قلب عاصمة الرشيد، وبما يعادل مساحة دولة الفاتيكان بجلالة قدرها. الوكر "السفارة" حسب ما طيرته وكالات الأنباء العالمية وما سطرته صحفنا البهية في صدر صفحاتها الأولي يا للهول يضم 21 مبني تمثل إجمالي مباني هذه المزروعة عمداً ومع سبق الإصرار والترصد بتكلفة نحو مليار دولار، وأن الموظفين الأمريكان الذين سيعملون بداخل المزروعة "السفارة" يبلغ تعدادهم 5500 فرد عند بدء تشغيلها رسمياً، والعدد طبعاً قابل للزيادة!! جاستن هيجنز المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، حرسنا الله من شروره، كشف بعض أوراق الوكر عندما أشار إلي طبيعة عملها "السفارة" ستستدعي "الاستعانة بعدد من العاملين غير الدبلوماسيين للاطلاع بمهام مختلفة، بما في ذلك مئات العسكريين وعملاء المباحث الفيدرالية والاختصاصيين في المجالات الزراعية والتجارية المختلفة و....... و........". ماشي ياعم "هيجنز" وغصب عن أعين العرب والعروبة وشنب إحدي وعشرين دولة عربية إضافة إلي العراق الجريح لها قيمتها ونسبها وحسبها وعلاقاتها وشروطها ومصالحها مع المدعو هيجنز، ما دامت بغداد التاريخ تعيش اليوم مأساة أرض وفجيعة شعب ومهزلة واقع، وسيناريو "النفط مقابل الغذاء" الذي حاول أن يذل أعناق الرجال هو نفسه ما تكرر علي الأرض نفسها منذ 612 عاماً قبل الميلاد عندما اندثرت "لينوي" وتبعتها مدن عراقية أخري: "سومر" و"أكاد" و"لكش" و"كيس" و"بابل" و"المختارة" عاصمة ثورة الزنج و"المدائن" العاصمة الشهيرة للدولة الفارسية الساسانية قبل الفتح الإسلامي ووصولاً إلي "واسط" زمن الخلافة الإسلامية عندما ابتعد عنها مجري نهر دجلة فزحفت عليها الرمال. أليست دعاوي التعصب العرقي والديني والمذهبي مدخلاً لأن تستمر بغداد الرشيد في دائرة التناحر والتنابذ والمواجهة؟ أليست محنة إخواننا العراقيين جديرة بالتأمل والتدبر والمساندة للخروج من مأزق الصراع الذي أدي إلي قتل الآلاف واغتيال ثمانية وثمانين صحفياً منذ احتلال العراق، حتي الآن لا لشيء إلا محاولة المحتلين حجب سوءاتهم ولا إنسانيتهم عن أعين الدنيا! وياعم "هيجنز" حنانيك.. فشواهد التاريخ تقول إن النصر في النهاية للشعوب.. وسنستعيد من التاريخ ما قاله شاعر إحدي الملاحم السومرية (يا سومر... أيها البلد العظيم بين جميع بلدان العالم، أنت معمور بالنور الثابت الراسخ الذي ينشر من مطلع الشمس إلي مغربها النواميس الإلهية بين جميع الناس، إن نواميسك المقدسة نواميس سامية لا يمكن إدراكها إن قلبك عميق لا يسبر غوره). وإنا لمنتظرون