أربع مفاجآت هامة.. مصطفى بكري يكشف ملامح التعديل الوزاري الجديد    أسامة ربيع يبحث مع وزير النقل الأردني تبادل الخبرات في الصناعات البحرية    سعر الذهب مساء اليوم الأحد 8 فبراير 2026    تنمية التجارة الداخلية يشارك في RiseUp Summit 2026    الأردن: ندعم كل الجهود لحل الأزمة السودانية    إثيوبيا تتهم إريتريا بشن عدوان عسكري ودعم جماعات مسلحة    تشكيل الترجي التونسي أمام الملعب المالي في دوري أبطال إفريقيا    سيراميكا كليوباترا يعلن تعاقده مع محمد رضا «بوبو»    تفاصيل تعاقد الاتحاد السكندري مع مابولولو ومدة العقد    الأمن يضبط "ديلر" في السلام بحوزته 250 كيس إستروكس    تأجيل محاكمة 111 متهما بطلائع حسم    أزمة تكدس المواطنين على ماكينات الصرف الآلي تصل إلى البرلمان    بمشاركة 3100 طالب، انطلاق الموسم الجديد لمسابقات فيرست ليجو بمكتبة الإسكندرية    إليسا تغني تتر المسلسل الرمضاني «على قدّ الحب» ل نيللي كريم وشريف سلامة    محافظ الغربية يتفقد مركز الرعاية الصحية بطنطا لمتابعة تطعيمات الحجاج    زعيم حزب تركي يتحدى أردوغان ويعلن ترشحه للرئاسة مع تحالف محافظ    "تاكايتشي حواء" يابانية تحقق فوزا انتخابيا كبيرا وتؤكد قوة موقعها السياسي    دنيا الألفي تخضع للتحقيق في نقابة الموسيقيين بسبب تجاوزها فى أحد المناسبات    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 8فبراير 2026 بتوقيت المنيا    مدير تعليم القاهرة تتابع انطلاق الفصل الدراسي الثاني بمدارس العاصمة    محافظ الغربية يتفقد مركز الرعاية الصحية ومركز الرعاية الأولية    بتشكيله الجديد| أشرف صبحي يلتقي بالمجلس العلمي للرياضة المصرية    غدًا.. انطلاق منافسات كأس العالم للقوة البدنية 2026    النيابة العامة تُوفِد أعضاء لإلقاء دورات تدريبية متخصصة في فن المرافعة بالمغرب    محافظ أسوان يشارك في ندوة توعوية مع الخبير الإستراتيجي سمير فرج    العثور على جثة غريق طافية بترعة التوفيقية في البحيرة    «طفل الدارك ويب».. جنايات شبرا الخيمة تسدل الستار بحكم الإعدام    مجلس السلام بقيادة أمريكا يعقد أول اجتماع له بواشنطن في 19 فبراير    آخر تحديث لسعر الذهب.. عيار 18 يسجل 5717 جنيها    ترقية 28 أستاذا وأستاذ مساعد بهيئة التدريس بجامعة طنطا    مصطفى بكري: التعديل الوزاري الجديد أمام مجلس النواب في جلسة الثلاثاء الطارئة    «نسخة مصغرة من دولة التلاوة».. إطلاق مسابقة قرية التلاوة "بالمهيدات في الأقصر    أحمد زكي يكتب: يأتى رمضان وتتغير موازين القلوب    وفد النيابة الإدارية يزور مقر جامعة الدول العربية    رابطة الأندية تكشف نظام قرعة الدوري في الدور الثاني    وزير الثقافة السوري يشيد بجهود هيئة الأدب والنشر والترجمة بمعرض دمشق 2026    إزالة 37 حالات بالبناء المخالف على الأراضي الزراعية بالشرقية    مراسل إكسترا نيوز يرصد استمرار استقبال المصابين الفلسطينيين من قطاع غزة    ارتفاع بالحرارة ونشاط رياح مثير للأتربة.. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس الأيام المقبلة    محافظة المنيا تفتح باب التقدم لمسابقة «الأم المثالية» لعام 2026    بدء تلقى تظلمات طلاب الشهادة الإعدادية بسوهاج اعتبارًا من 11 فبراير    الاستعلام عن نتيجة التظلمات وترتيب قوائم الانتظار ل 330 مهندسًا بوزارة الري    مصر تسيطر على جوائز الاتحاد الدولي للخماسي الحديث وتحصد 6 جوائز عالمية في 2025    وكيل أوقاف سوهاج يعقد اجتماعا لقيادات الدعوة استعدادا لشهر رمضان المبارك    وزير الزراعة: مصر الأولى عالميًا في إنتاج التمور بإنتاج سنوى يصل إلى 2 مليون طن    القبض على سائق طمس اللوحة المعدنية لسيارة أثناء سيرها بالجيزة    من التبرع إلى غرفة العمليات.. شروط استيراد جلد المتوفين ونسب نجاح زراعته    وزيرة الرعاية الصحية السويدية تزور مستشفيات قصر العيني لتعزيز التعاون    جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة: تكريم عالمي للإنجازات الاستثنائية في الصحة العامة    الأوقاف: المصريون ينفقون أكثر من 10 مليارات جنيه سنويا على الدجل والشعوذة    الثالث منذ الصباح.. شهيد برصاص الاحتلال شرق دير البلح    تفاصيل رحلة شتوية 48 ساعة قضتها تيفانى ترامب وزوجها بين معابد الأقصر.. صور    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    البابا كيرلس الكبير عمود الدين وتلميذ جبل نتريا    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    نيويورك تايمز: إيران تعيد بناء منشآتها الصاروخية بوتيرة متسارعة مقابل تعثر إصلاح المواقع النووية    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يواصل نزيف النقاط بهزيمة أمام ليون في الدوري الفرنسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا نحب الأدب الكلاسيكي؟!
نشر في الدستور الأصلي يوم 08 - 01 - 2010

الإمكانيات الشعرية في الكتابة الروائية ربما كانت أكثر منها في الكتابة الشعرية الأعمال الكلاسيكية هي التي يعيد الإنسان قراءتها كل فترة من عمره في فترة النضج لا بد وأن يخصص وقتاً لإعادة قراءة الأعمال التي سبق أن أعجبنا بها في الصبا لماذا تجاهل كالفينو «الإلياذة والأوديسة» و«ألف ليلة وليلة» ومسرحية شكسبير وديكاميرون بوكاتشيو؟!
هتلر
1- في الثناء على ما يبقى:
إيتالو كالفينو - مؤلف هذا الكتاب - روائي إيطالي. صاحب رواية: «مدن لا مرئية». وهي الرواية التي تحولت قراءتنا لها مترجمة إلي اللغة العربية. إلي حدث. حيث وجدنا أنفسنا - ولأول مرة - في مواجهة تلك الواقعية الشفافة التي تقدم الواقع في النص الأدبي أكثر عذوبة وجمالاً من الواقع المعاش نفسه. وحيث يثبت هذا النص. أن الإمكانيات الشعرية في الكتابة الروائية. ربما كانت أكثر من هذه الإمكانيات في القصيدة الشعرية. فالرواية مشهد واسع فيه براح وسعة. يُمكِّن الروائي من قول الشعر. برحابة وتحليق أكثر.
وكالفينو يعد من أكثر الروائيين المحدثين في إيطاليا شهرة. وقد ولد في هافانا بكوبا سنة 1923 وقاوم الفاشية في الأربعينيات. وكان شاباً في ذلك الوقت وتوفي في مدينة سيينا في إيطاليا سنة 1985، امتازت كتابته إلي جانب الكتابة الشعرية بالسخرية. ومن أعماله المهمة: السيد بالومار. البارون المعشش فوق الشجرة. قصر المصائر المتقاطعة. وقصص إيطالية شعبية. وقد ترجمت معظم أعماله إلي اللغة العربية. بعد أن ترجم يس طه حافظ في بغداد روايته البديعة: مدن لا مرئية. في الثمانينيات إلي العربية. وكانت هذه الترجمة لا تقل جمالاً عن النص الأصلي نفسه.
مترجمة هذا الكتاب لإيتالو كالفينو: لماذا نحب الأدب الكلاسيكي؟! مي التلمساني. هي ابنة عبدالقادر التلمساني. وقد بدأت الكتابة بالنقد السينمائي. ثم قدمت روايتها الأولي دينا زاد. وهي من جيل. يقول عن نفسه إنه لم يتأثر بالسياسة. وجاءت تجربته بعيدة عن الحرب ولذلك تخلو أعمالهم من الهم الاجتماعي. وكانت محاولة التجريب أهم ما أقدموا عليه في الكتابة الأدبية.
أما هذا الكتاب فقد أعجبتني فكرته. ذلك أنه في الغرب. لا يظل المبدع مبدعاً فقط. ولكنه وبعد أن يحقق قدراً من الشهرة والجماهيرية. يلقي - بعد ذلك - نظرة علي أصول الفن والأدب والنقد. ويكون لما يقوم به أكثر من قيمة. ذلك أن المبدع تكون له رؤية أكثر شمولاً من الناقد أو الباحث أو المفكر. علاوة علي أن كتابته تكون أفضل من النقاد.
وكالفينو يبدأ بطرح سؤال: لماذا نقرأ كلاسيكيات الأدب؟! وقبل الإجابة عن السؤال. يقترح تعريفاً يقول: إن الأعمال الكلاسيكية هي تلك الكتب التي نسمع كثيراً من يقول عنها: إنني بصدد إعادة قراءتها. ولا نسمع أبداً من يقول: إنني بصدد قراءتها.
وبعد أن يناقش كذب هذه العبارة أحياناً ويقول إنه لا يضير الكاتب ألا يكون قد قرأ كل الأعمال الكلاسيكية. وأن اللقاء مع هذه الأعمال في مرحلة النضج. متعة لا يمكن أن تضاهيها متعة أخري في هذا العالم.
ولهذا يصل إلي تعريف آخر للأدب الكلاسيكي يقول: إن الأعمال الكلاسيكية هي تلك الكتب التي تشكل ثروة لمن قرأها وأحبها. غير أن ثراءها لا يقل بالنسبة لمن يحتفظ ببهجة قراءتها للمرة الأولي. في ظل أنسب الظروف لتذوقها. ولهذا - يقترح كالفينو -أنه ينبغي علينا أن نخصص في فترة النضج وقتاً لإعادة اكتشاف أهم قراءاتنا التي قمنا بها في الصبا. فإذا كانت الكتب لا تتغير. «وهي في الواقع تتغير علي ضوء منظور تاريخي مختلف» فنحن أنفسنا تغيرنا ولقاؤنا الجديد يشكل أحداثاً جديدة.ولهذا فإن كل قراءة جديدة لعمل كلاسيكي هي اكتشاف. مثلها مثل القراءة الأولي. وكل قراءة أولي لعمل كلاسيكي هي في الحقيقة قراءة جديدة. ولذلك نصل مع كالفينو إلي التعريف الرابع للعمل الكلاسيكي:
- إن العمل الكلاسيكي. كتاب لا يكف أبداً عن البوح بما يريد. فالأعمال الكلاسيكية هي كتب تحمل في داخلها. عندما تصل إلينا أثر القراءات التي سبقت قراءتنا. وتستدعي الأثر الذي تركته في الثقافة أو الثقافات التي عبرتها. ولهذا فإن الأعمال الكلاسيكية في تعريف جديد. إنها الأعمال التي تولد قراءتها أكبر قدر من الدهشة. دهشة أكثر من دهشة الصور التي سمعناها عن هذا العمل من الآخرين.هنا يختلف كالفينو كثيراً عن نجيب محفوظ. الذي قال لي أكثر من مرة إنه لم يعد قراءة عمل أدبي واحد مرتين في حياته كلها. في حين أن كالفينو يفتخر بإعادة قراءة الأعمال التي أعجبته في الصبا. وهو يفعل هذا وهو في قمة نضجه. فأيهما كان علي حق؟! هذا مع اعتراف أن نجيب محفوظ سبق أن أخذ مني رواية: صحراء التتار للروائي الإيطالي دينو بوتزاتي. في هذا الكتاب يدرس كالفينو: الأميرات السبع للنظامي. ومختارات من ملحمة «ولأن ثائراً» لأديو ستو. وجاك القدري لديور. وتشارلز ديكنز الذي يسميه ذلك الصديق المشترك. وثلاث حكايات لجوستاف فلوبير. وليوتولستوي. وجي دو موبابسان. ويتوقف أمام الإنسان في أعمال تشيكوف. وهنري جيمس وديزي ميللر. ويدرس باسترناك والثورة. ثم أخيرا يكتب: هيمنجواي ونحن.
ومن حق أي كاتب أن يري الأعمال الكلاسيكية من وجهة نظره الشخصية. الاختيار هنا حق مطلق. ولا بد وأن هناك مبررات وأسباب لهذا الاختيار. ولكن اختيار كالفينو لبعض الأمور الآنية العابرة. التي لا تصلح لتحديد موقف من أدب كلاسيكي. يجعلنا نتوقف أمام اختياراته وأكبر مثال علي هذا. الفصل الخاص بباسترناك وموقف كالفينو من هيمنجواي.
وإن كان لا بد من القول إن الكلاسيكيات الأساسية لم يرد لها ذكر في هذا الكتاب الذي يعاني من نقص فادح في هذا المجال. كنت أقرأ وأنا أتساءل وأين الإلياذة والأوديسة. حيث نجد بذور الملحمة التي عرفتها البشرية فيما بعد. إن هذين العملين هما كلاسيكيات الكلاسيكيات نفسها. وهل يمكن أن يكون هناك كلام عن الأدب الكلاسيكي يخلو من هذين العملين؟! إن تجاهل الإلياذة والأوديسة. يخرج عن أي حق في الاختيار مهما كان هذا الحق.
أين ألف ليلة وليلة. التي وضعت أسس وبذور الحكي في التراث الإنساني. وما من كاتب كبير في تاريخ البشرية. إلا ويتمني أن ينسي هذه الليالي. حتي يسعد بقراءتها من جديد. صحيح أن كالفينو يخصص فصله الأول من هذا الكتاب عن الشاعر الفارسي نظامي. ولكن أين نظامي من ألف ليلة وليلة؟ خاصة أن كالفينو روائي. وألف ليلة وليلة هي أم الحكايات في الدنيا كلها.أين دون كيشوت لسرفانتس التي وضعت أسس الحكي الحديث - ليس في أوروبا وحدها - ولكن في العالم كله. فكيف يتم تجاهل هذا العمل المؤسس في الرواية والحكاية الحديثة؟ أين فاوست جوتة؟! أين موبي ديك هيرمان ملفيل؟! أين الجريمة والعقاب لدستويفسكي؟! ومن السهل أن تكون هناك أسئلة دون حدود عن كتاب لهم أعمال من السهل وصفها بالكلاسيكية تجاهلها كالفينو تماماً في كتابه هذا. مثل: الديكاميرون لبوكاتشيو. وغيرها من الأعمال. هل يمكن أن يكون هناك كلام عن الكلاسيكيات يتجاهل مسرحيات شكسبير مثلاً؟!
أنا مستعد للتعامل مع هذا الكتاب وقبوله في حالة وحيدة. وهي كونه مجموعة من المقالات التي كتبها الكاتب في ظروف مختلفة. وجمعها بعد ذلك في كتاب من أجل أن يعطيها شرعية جمعها في كتاب. جعل لها هذا العنوان البراق والجذاب.في هذه الحالة. يمكن قبول الأمر كله. ولكن دونه لا بد من النظر إلي الأمر كله في ضوء جديد. وإطار جديد.
2- أنا والحبيب رواية عن الحنين لزمن عبد الناصر:
هكذا يبدأ الدكتور عمرو عبدالسميع روايته الجديدة: أنا والحبيب. والرواية كلها عبارة عن تعبير روائي فني جميل عن زمن جمال عبدالناصر. وإهداء الرواية يكتبه عمرو عبدالسميع هكذا:
- إلي زمان مددت يديّ إليه حين داعبني طيفه يلاغيني، فأشاح عني مغادراً، ثم أشار - في غواية - بطرف سبابته كيما أتبعه، فهرولت في أعقابه عبر المسالك الوعرة والخطرة لطفولة وفتوة ورجولة وكهولة ومضت مشاهدها كالبرق تضوي، وتشابكت وقائعها كأغصان غابة عملاقة كثيفة تسد الطريق أمام حزم أشعة الشمس، فلا تنفذ إلا بمقدار.
وحين لاح آمري من بعيد، تسارعت خطاي، وتلاحقت أنفاسي، وخلت أنني - أخيراً -سأمسك به، فلم أدرك سوي طرف ثوبه الذي أفلت من قبضتي الصغيرة، وضحكته الساخرة الفاجرة التي أطاحت معني الإمكان.
والحبيب المقصود في هذا العنوان هو جمال عبدالناصر. وعمرو عبدالسميع لم يكتف بكتابة الرواية ونشرها في دار العين. ولكنه كتب مقالاً نشره في جريدة الأهرام عن جمال عبدالناصر. أعادت جريدة العربي الناصري نشره. والحبيب في هذه الرواية هو عبدالناصر وزمنه وإنجازه التاريخي. والسؤال هو: لماذا لم يحتف عبدالله السناوي برواية عمرو عبدالسميع عن جمال عبدالناصر؟ مثلما احتفي بقصيدة عبدالرحمن الأبنودي عن عبدالناصر؟ وأنا هنا لا أساوي بين شعرية الأبنودي وقدرة عمرو عبدالسميع علي الحكي. ولكني أقول إنني كنت أنتظر من جريدة العربي الناصري حفاوة أكثر بهذه الرواية. خصوصاً أن الجريدة تخصص صفحة جيدة للأدب. تشرف عليها وفاء حلمي. وأحياناً تكون أكثر من صفحة. وهذا من الأمور النادرة في صحافتنا الحزبية. ومع هذا لم يتم الالتفات لرواية مكتوبة عن زمن عبدالناصر الجميل في وجدان من عاصروا هذه الفترة. وحتي من جاءوا بعدها.
وعموماً فالأخطر غياب الحفاوة النقدية من نقادنا بالكتابات الروائية لعمرو عبدالسميع. ولا أعرف السبب في ذلك. هل هو كسل النقاد؟ أم أن كل ناقد يتصور أن المبدع لابد أن يقوم بتوصيل روايته إليه حيث هو؟ وربما لم يفعل عمرو هذا. أيضاً لا توجد حتي الحفاوة الصحفية بمثل هذه الروايات. بل إن دار النشر التي نشرت «أنا والحبيب» لم تشر في آخر الرواية إلي الروايات السابقة لعمرو. سواء المنشورة بمعرفتها أو غيرها. وثمة أكثر من رواية نشرتها له دور نشر أخري ومكتبة الأسرة. وتحول بعضها لمسلسلات إذاعية وتليفزيونية ناجحة.
لا تتصور أن الرواية عبارة عن خطبة عصماء عن عبدالناصر. بل هي عمل فني متكامل يكتسب شرعيته من كونه رواية فيها كل مفردات الكتابة الروائية. تحيي فن الرواية أولاً وأخيراً. تقدم الرواية كوناً خلقه صاحبه وأسكنه مخلوقاته الجميلة. ويظهر عبدالناصر في الرواية بآثاره التي تركها لدي شعب مصر خلال سنوات حكمه الثماني عشرة.
في روايته الجديدة. يكثر عمرو عبدالسميع من الجمل الاعتراضية. وأيضاً ينحت تعبيرات شخصية. كما يكثر من استشهادات القرآن الكريم والشعر. خيل إليَّ عند قراءة الرواية أن هذه الأشعار من تأليفه. الرواية عبارة عن فصلين. وكل فصل عنوانه شطرة من بيت شعري من قصيدة. قالها أحمد شوقي كمعارضة لقصيدة من الشعر الأندلسي. الفصل الأول عنوانه:
- يستهوي الورق تأوهه.
أما الفصل الثاني من الرواية فعنوانه:
- ويذيب الصخر تنهده.
وفي هذه الرواية كل مفردات عمرو في الكتابة الروائية. السخرية والكتابة الحية النابضة. والأبطال - أو الذين ليسوا أبطالاً - الذين يخرجون من الصفحات كأنهم بشر نعرفهم.
3- يحيى حقي ويوسف إدريس:
أصدرت دار نهضة مصر الأعمال الكاملة ليحيي حقي ويوسف إدريس. وهو حدث من وجهة نظري يستحق التوقف أمامه طويلاً. والكتابة عنه. وتأمله. لكن يبدو أن هذا المشروع الثقافي الكبير صدر قبل أن تهتدي دار نهضة مصر لفكرة حفلات التوقيع. التي تقام في أمكنة فاخرة. وتعلن عن أبهة جميلة. وأنا سعيد بهذه الأبهة لأنه احتفال علي شرف كتاب. فقد أقامت الدار حفلاً كبيراً لكتاب تاريخ ضائع. ثم أقامت حفلاً أكبر لكتاب مترجم عن الاقتصاد والعولمة. كتب مقدمة ترجمته الدكتور محمود محيي الدين. وحالت ظروفي دون حضور هذا الحفل.
لكني أتساءل: لماذا صدرت أعمال يوسف إدريس الكاملة؟ وأعمال يحيي حقي الكاملة في صمت عن نفس الدار؟ مع أن صدورهما أثلج صدري وأسعدني كثيراً. خاصة في الإخراج الجديد والتبويب غير المسبوق. والأغلفة الجميلة. والأهم من كل هذا أن يبقي تراث يوسف إدريس وتراث يحيي حقي أمام الأجيال الجديدة التي خرجت إلي الدنيا ولم تعاصر أياً منهما. وربما بحث أحد أبناء هذه الأجيال عن مؤلفات أي منهما فلم يجد لها أثراً في أي مكان من بر مصر. أيضاً ففي الوطن العربي قراء أتمني أن تكون مصر ما زالت هي مصر بالنسبة لهم. وأن يستمر بحثهم عن الجديد والقديم في الثقافة المصرية الراهنة. وعندما يبحثون يجدون ما يبحثون عنه.
4- الرهان على الرواية:
يبدو أن محمد رشاد صاحب الدار المصرية اللبنانية قد حسم تردده القديم وقرر الرهان علي الرواية. أعترف وأعرف أنه كان ينشر أعمالاً أدبية من قبل. دواوين شعر ونصوصاً روائية ودراسات نقدية، لكنه في الفترة الأخيرة يبدو قد أحس بأهمية النص الروائي، وأن غيابه في مشروعه النشري كان ملحوظاً، لذلك نزل بثقله كله وراء نصوص روائية. أعتقد أنه يراهن عليها أكثر مما ينشرها. وصلني منه مؤخراً رواية: الحياة لحظة. للروائي العراقي سلام إبراهيم. وهي رواية تحكي قصة لاجئ عراقي ترك العراق وتنقل بين إيران وموسكو والدنمارك وسوريا. ثم كما بدأ من العراق فإنه ينتهي إلي العراق في النهاية. والرواية مروية بضمير المتكلم والبطل العراقي إبراهيم يحكي بتدفق سردي غير عادي قصته. حيث يختلط فيها الخاص بالعام. ما جري للعراق وما جري بالعراق وما جري له للبطل في حله وترحاله. في تنقله بين عواصم العالم. في انفصاله عن زوجته. في بحثه عن تفاصيل حياته. في الذكريات التي تطارده وتهجم عليه وتكاد أن تسرقه من حاضره. رواية تجعلك تستمتع بكل حرف فيها.
5- شريعة الجستابو والمترجم المجهول:
أمتعتني قراءة هذه الرواية كثيراً. رغم أنني وجدتها لدي الباعة بالصدفة. وقد صدرت هذه الرواية الرائعة عن الدار القومية للطباعة والنشر، أغلب الظن عام 1963. التاريخ غير مذكور علي الرواية، لكن هناك إعلاناً علي الصفحة قبل الأخيرة عن مزاد يعقد في يونيو 1963.
رغم جودة طباعة النص ووضوحه، إلا أن ورقها رخيص. لا نعتقد أن ثمنها كان يتعدي بضعة قروش. من المؤكد أنه كان خمسة قروش. إن لم يكن أقل. وهي أيضاً حلقة من سلسلة روائع أدبية وثقافية عالمية أصدرتها الدار، يتم اختيارها عن ثقافة رفيعة واطلاع واسع علي التيارات العالمية، هذا في عصر ما قبل ثورة الاتصالات المعاصرة، لا بد وأن الهدف كان إتاحة الثقافة والفكر، لا للنخبة فقط، بل للملايين.. التنوير من أجل التنوير، وبناء الفرد من أجل الحاضر والمستقبل.
دار سطور الجديدة التي نشرت هذا النص ولا أعرف هل هي دار سطور القديمة أم أنها سطور أخري يلفت نظر القائمين عليها أنه غير مذكور اسم المترجم؟! ويعترفون أن من يقرأ الرواية لا بد أن يستوقفه حلاوة اللفظ. وسلاسة العبارة.. رنين إيقاعها وسلامة التركيبات اللغوية وجزالتها وإيجازها، بل أيضاً اختيار العبارات العربية الرهيفة والقوية، والاستعمالات اللغوية المدهشة، التي سقطت منا، وكادت ألا توجد حتي في أفضل ترجماتنا المعاصرة.. اختيارات حساسة شفافة أنتجت في النهاية نموذجاً للنص السهل الممتنع.
تحية إليك أيها المترجم المجهول، الذي نأمل أن يكون مازال بيننا. وإن كنت آخذ علي الدار أنها لم تحاول أن تبذل جهداً لمعرفة المترجم. وكان يمكن الوصول له إما عن طريق دار الكتب. أو بقايا الدار التي أصدرت الرواية.
وهذه الرواية ليست رواية مخابرات.. أو رواية دعاية تدين عصراً أو نظاماً بعينه.. بل هي نص يتقصي نظاماً أمنياً. ويرصد جريمة لم تقع وخيوط مؤامرة نسجها خيال مريض ونفس شائهة، فرد هو نتاج ذلك النظام، استغل وحشيته ليرضي بها رغبة مريضة ويشفي كبرياء زائفة جريحة.
هكذا تتشكل حبكة هي محاكاة ساخرة سوداء لما يحاول مبدعو روايات المخابرات والمغامرات، الخيالية منها والواقعية، جمع خيوطه في عمل يقلب القارئ صفحاته لاهثاً وراء ما يتكشف من أسرار. مجتمع الرواية قامع مقموع، شكله نظام قولب الأفراد عباداً يسبحون باسمه وعبيداً يتماهون معه ولا يملكون إغضابه. إن سؤال الرواية: هل يمكن أن ينمو بشر أسوياء في واقع كهذا؟ هل يستطيع فرد أو مجموعة استبصار اللحظة الحياتية التالية في وجود آلة قمع؟ جعلت من القمع هدفاً وغاية. إنها شريعة الجستابو، يفرضها الجلاد ويرتضيها الضحايا؟
6- القهوة مازالت سادة:
دعاني الدكتور خالد جلال لمشاهدة العرض الذي سيدخل تاريخ المسرح المصري بعدد ليالي عرضه. وأيضا تجواله في أكثر من مكان داخل مصر وخارجها. ونحن سمعنا - ولم نشاهد - بعض العروض المسرحية. التي أكملت سنوات من العرض المستمر والمتصل. مثل عرض مسرحية المصيدة لأجاثا كرستي الذي قدم علي مسارح لندن سنوات طويلة. وأتمني أن تلحق قهوة سادة بمثل هذه العروض وأن تدخل موسوعة جينس للأرقام القياسية. وعموماً قبل الوصول لمثل هذه الموسوعة. فإن هذا العرض يوشك أن يكون أطول العروض العربية والمصرية في المقدمة منها طبعاً. من حيث ليالي العرض. العرض مكتوب عليه صياغة وإخراج خالد جلال. وأتصور أنه نوع من التأليف الجماعي. تولي المخرج عمل الصياغة الأخيرة.
مكتوب علي بيانات العرض. أنه نتاج ورشة الارتجال والتمثيل المسرحي الدفعة الثانية وأنه من إنتاج يونيو 2008، أي أن العرض أكمل أكثر من سنة وهو يقدم الإقبال عليه غير عادي. ويكفي أن تشاهد طوابير من يريدون الحصول علي تذاكر دخول العرض، وبالمناسبة فإنه في مكتب وزير الثقافة فاروق حسني. مكتب خاص لتنظيم دعوات من يرغبون في مشاهدة العرض من كبار رجال الدولة المصرية. وفي المقدمة منهم كبار المثقفين المصريين.
في الصفحة الأولي من الدعوة. علي ورقة من أوراق البرقيات. رسالة برقية من كلمتين فقط: نشاطركم الأحزان. ومرسلها هو مخرج العرض خالد جلال. وجميع من تراهم في العرض من الممثلات والممثلين. الذين لا يستغرقون أكثر من ساعة ونصف الساعة. يلبسون الملابس السوداء ويحملون فناجين القهوة السادة. التي يشربونها في آخر كل مشهد أنهم يشربون قهوة سادة في كل ما مر بنا في تاريخ الحديث. وشرب القهوة السادة في المآتم. عادة مصرية أو عربية. لا تتصور أن العرض بكاء علي ما مضي من الزمان. أنين علي فعل الماضي التام. ولكن في العرض ثمة تناول لبعض مظاهر الحياة اليومية الراهنة. في بداية العرض كلام عن مسجد يقيمه رجل أعمال. وكلام عن مسلسل عن ثورة الثالث والعشرين من يوليو وثمة ذكر لرأفت الهجان وأم كلثوم.
تخرج من هذا العرض وقد حدثت حالة لا تشعر بها إلا بعد مشاهدة الأعمال الفنية الكبري. ألا وهو التطهير. وهو ما يقوم به المسرح منذ مسارح الإغريق وحتي الآن. إن هذا العرض يشكل دفاعاً عن شرف المسرح المصري. الذي وصلت حالته لدرجة ما كنا نحلم أن يصل إليها. فنحن أمام مسارح قطاع خاص كانت كباريهات سياسية. وحتي هذه الكباريهات لم تستمر. ينطبق علينا القول إننا رضينا بالهم، لكن الهم لم يرض بنا. ومسارح الدولة التي يتناوب الحضور والغياب علي خشباتها. عرفت بعد مشاهدتي للعرض بأيام أن أحد أبطال العرض قد توفاه الله. وأتمني له الرحمة. لكني أتمني أيضاً للعرض الاستمرار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.