يتباكي الجميع علي جريمة الجمعة الحزينة ويتباري الكل علي إدانتها واستنكارها. وأخشي أن أقول إن معظم هذه الدموع التي بللت صفحات الجرائد وبرامج التليفزيون دموع كاذبة. لأن هذا الهجوم الإجرامي علي ثلاث كنائس ليس مسئولية الأداة، او الأدوات، المباشرة التي نفذته، وإنما هو الابن الشرعي لمناخ مشحون بالكراهية والتعصب والتطرف شارك الكثيرون منا في صنعه. وبهذا المعني فان معظمنا شركاء في المسئولية عن هذه الجريمة، والجرائم التي سبقتها، والجرائم التي ستقع بعدها إذا لم نعترف بهذه الحقيقة المرة، وإذا لم نعمل علي تغيير هذه البيئة الصديقة للعنف والتزمت ووضع "الملة" فوق "الأمة". ويزيد من مسئولية المجتمع بأسره عن جريمة الجمعة الحزينة أنه في أعقاب وقوع كل جريمة سابقة تم الاكتفاء بلطم الخدود وشق الجيوب وترديد الأناشيد العاطفية عن وحدة الهلال والصليب، بينما جري تسطيح المشكلات الواضحة لكل ذي عينين والتهوين من شأنها وكنس الخلافات تحت السجادة وترك النار تحت الرماد والابقاء علي الأسباب التي أدت إلي تفاقم المشاكل دون الاقتراب منها والاكتفاء ببعض المسكنات لأعراض الأمراض الدفينة. بل أن حساب المسئولين مسئولية مباشرة عن هذه الأحداث المتكررة لم يكن علي المستوي المنطقي. ولهذا تكررت المشاكل والأزمات .. ولا يوجد ما يمنع من تكرارها فيما بعد إذا استمرت هذه الضوضاء ولم يصحبها عمل جدي مسئول. والأعمال المطلوبة .. والواجبة .. كثيرة. أولها محاسبة المسئولين عن أوجه الخلل والقصور والثغرات التي تسلل منها الجاني، أو الجناة، بهذه البساطة المستفزة من كنيسة إلي كنيسة ثانية ، ثم ثالثة. وكأن هذه الكنائس تقع في الأرض الخراب، علي حد تعبير الشاعر ت. إس. إليوت، وليس في مدينة الاسكندرية ثاني اكبر مدن مصر المحروسة. نحن إزاء خلل أمني واضح، خاصة وأن نفس المدينة شهدت أحداثاً طائفية منذ فترة ليست بعيدة. وكان من الواجب تأمين دور العبادة بشكل أكثر جدية، وبالذات ونحن في فترة أعياد متصلة لأقباط مصر بدأت بجمعة ختام الصوم التي وقعت خلالها هذه الجريمة ثم مرت بأحد السعف وأسبوع الآلام حتي تصل ذورتها بعيد القيامة المجيد. لذلك .. كان غريبا أن يصر اللواء محمد عبدالسلام المحجوب محافظ الاسكندرية علي الاشادة بالجانب الأمني في هذه الجمعة المشئومة. ورغم أن سيادة المحافظ له بصمات لا يمكن إنكارها، ورغم أن الاسكندرية شهدت في ظل قيادته لها سنوات من الانجازات التي يعود الفضل الأول له عنها .. فان هذا لا يبرر تصريحاته الأخيرة ولا يخفف من مسئوليته عن هذه الأحداث بحكم أنه أكبر مسئول بالأسكندرية والرئيس المسئول عن كل الأجهزة بما فيها الأجهزة الأمنية. كذلك الحال بالنسبة للأمن .. والبيان الذي صدر متأخراً في الخامسة مساء رغم أن الأحداث بدأت في الثامنة صباحاً، ورغم تأخره جاء خاليا من المعلومات المفيدة، بل أكتفي بترديد حكاية الشخص المضطرب نفسياً التي تسببت في إثارة المشاعر وزيادة الطين بلة نظراً لاحساس الجميع، مسلمين وأقباطا، بأن هذا البيان يستخف بعقولهم. والعجيب .. ألا يصدر بيان يتضمن توجيه اللوم لأي حلقة من حلقات الأمن الكثيرة التي اخترقها شخص واحد، ناهيك عن أنه مضطرب نفسياً، بل يصر الجميع علي أن "كله تمام"! فماذا كان بوسعه أن يكون الوضع لو أن هذا الشخص كان مسلحاً بمدفع رشاش أو حزام ناسف وليس مجرد سلاح أبيض؟! إذن أول شئ نتوقعه كي نقتنع بالجدية في مواجهة هذه الأحداث هي حساب المسئولين عن أوجه الخلل والقصور ذات الصلة. وفي مقدمة هؤلاء محافظ الاسكندرية وكبار المسئولين عن الأمن في الثغر والمسئولين عن بيان "المضطرب نفسياً" في وزارة الداخلية بالقاهرة. وإلي جانب ذلك يجب اجتثاث الأعشاب السامة التي نمت وترعرعت وتكاثرت واستشرت في مصر، مفرزة سموم التعصب والكراهية والتطرف والعنف. أول هذه الأعشاب السامة .. هو الخلط بين الدين والسياسة ، وهو خلط غير برئ ، يضر الدين كما يفسد السياسة. وإيقاف هذا الخلط المؤذي يتطلب إجراءات دستورية وتشريعية حازمة يجب أن يتوافق عليها المجتمع من خلال حوار حر وديموقراطي يشارك فيه الجميع دون استبعاد أو إقصاء. وثاني تلك الأعشاب السامة .. هو مناهج التعليم التي تكرس الضغائن بين المسلمين والمسيحيين ، مثل هذه المناهج يجب نسفها علي الفور، واستبدالها بمناهج تعزز التفاهم وتركز علي القواسم المشتركة، فضلاً عن وضع مناهج لا تستبعد الحقبة القبطية من تاريخ مصر. وثالث تلك الأعشاب السامة .. هي البرامج التي تثبها مختلف وسائل الاعلام والتي تتسبب في تمزيق النسيج الوطني ، والتي تلعب بالنار الطائفية خدمة لفئات متعصبة في الداخل أو تيارات اجنبية مشبوهة ومتآمرة في الخارج .أو علي الأقل التي لا تراعي تعريف المصريين ببعضهم البعض، مسلمين ومسيحيين، بصورة واعية وعميقة من خلال الاعمال الدرامية وغيرها. وبعد الاعشاب السابقة التي تصنع مناخاً من الغربة والانفصال بين أبناء الوطن الواحد بحيث يتم بناء سور عازل بين الطفل المصري المسلم والطفل المصري القبطي من سنوات الحضانة ويظل هذا السور يرتفع حتي سنوات الجامعة .. بل وفي أماكن العمل في أحيان كثيرة .. نصل إلي رابع تلك الأعشاب السامة المتمثلة في "المشكلة القبطية". والمشكلة القبطية .. عنوان كبير توجد تحته عناوين فرعية كثيرة. منها مشكلة بناء الكنائس . وهي مشكلة مزمنة تعود بداياتها إلي عصور لاحتلال العثماني حيث تم فرض قيود عنصرية علي بناء دور العبادة لغير المسلمين. ورغم تعاقب العصور ودخول مصر الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين ظلت هذه الاغلال العثمانلية تقيد حق الأقباط في بناء كنائسهم بحرية. ونتيجة ذلك لم يتجاوز عدد الكنائس في مصر ثلاثة آلاف كنيسة مقابل ما يزيد عن مائة ألف مسجد، أي أقل من 3% .. فهل يمثل المسيحيون ثلاثة في المائة فقط من إجمالي عدد السكان؟ بالطبع لا . وطالما بقي الحال علي ذلك فان من حق الاقباط ان يشعروا بالاضطهاد، وبأن حريتهم في ممارسة شعائرهم مقيدة. ولا أفهم لماذا يحمل الحكم الحالي نفسه وزر لوائح عثمانلية بالية ليس هو الذي اخترعها، ولماذا لا يسارع بالتخلص منها وإلقائها في سلة مهملات التاريخ؟ إن التلكؤ في عمل ذلك يعطي للأقباط مبرراً للشعور بالاضطهاد، والاحساس بالظلم. وهو شعور يمكن _ ويجب _ القضاء عليه. ولا يحتاج ذلك إلي وقت، وإنما يحتاج إلي قرار سياسي حازم لا يستغرق صدوره أكثر من خمس دقائق يقر حق المسيحيين في بناء دور عبادتهم دون قيد أو شرط .. فما الغضاضة في ذلك، وماذا يحول دون الاقدام علي هذه الخطوة التي تهدئ خواطر اخواننا الاقباط وتريح ضمائرنا نحن إخوانهم المسلمين؟ ثانيا- هناك مشكلة شكوي الاقباط من التمييز في شغل بعض المناصب العمومية في بعض الجهات، وبالذات في الأجهزة الأمنية والرقابية ورئاسات الجامعات، فضلا عن تراجع التمثيل القبطي في البرلمان. وهذا التمييز يمكن القضاء عليه بتعزيز مبدأ "المواطنة" وتجريم مخالفته والتشديد علي ان يكون معيار الكفاءة هو المعيار الأول والأوحد لشغل المناصب العمومية بصرف النظر عن الدين أو الجنس او اللون أو الانتماء القبلي أو الجهوي. وبالنسبة لعضوية المجالس النيابية والمحليات فان الحل هو اللجوء إلي نظام الانتخاب بالقائمة النسبية ومراعاة تمثيل الأقباط، والنساء ، في هذه القوائم بصورة ملائمة. ثالثاً _ وفي كل الأحوال .. لا أري مبرراً للابقاء علي خانة الديانة في البطاقات الشخصية وفي عقود البيع والشراء وشتي المعاملات الدنيوية. هذا الذي ذكرناه في السطور السابقة هو غيض من فيض، وجزء صغير من أجندة أكبر يمكن ويجب البدء في وضعها موضع التنفيذ اليوم قبل الغد .. إذا كنا نشعر حقاً بخطورة جريمة الجمعة الحزينة في الاسكندرية، وإذا كنا نريد حقا أن لا يتكرر مثلها مستقبلا لا قدر الله. أما اذا اكتفينا بترديد أهازيج الوحدة التي لا تقدم ولا تؤخر .. دون أن نحاسب كل مسئول عن أوجه القصور والخلل .. ودون أن نعمل علي القضاء علي الأعشاب السامة .. يكون من حق نافخي رياح التعصب والكراهية من الداخل والخارج أن يحتفلوا بانتصارهم، ويكون من واجب المصريين المحبين لهذا الوطن إلا يكتفوا بدق أجراس الخطر . [email protected]