قبل حرب العراق بثلاث سنوات تقريبا ظهرت في الأسواق قصة مثيرة كتبها رجل مخابرات أمريكي كان يعمل سابقا في منطقة الشرق الأوسط بعنوان "العملية هيبرون" أو "عملية الخليل"؛ وتدور القصة التي عرضها الأستاذ هيكل مصحوبة بتحليل رائع ومثير في مجلة وجهات نظر وترجمت بعد ذلك إلي العربية بواسطة دار الهلال حول خطة خيالية أو ربما حقيقية لا أحد يعرف تبنتها المخابرات الإسرائيلية لوضع أحد "عملائها" الأمريكيين في منصب الرئيس الأمريكي لاعتقادها بأن أمن إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لن يتحقق بشكل كامل ومضمون إلا من خلال وجود عميل في البيت الأبيض حيث لم يعد كافيا مجرد الاعتماد علي وجود رئيس متعاطف أو مؤيد لإسرائيل مهما كانت درجة تعاطفه وتأييده. تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ تقرير "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية" لمؤلفيه جون ميرشينمر John J. Mearsheimer من إدارة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وستيفن والت Stephen M. Walt من مدرسة الحكومة في جامعة هارفارد وما أثاره من ردود فعل وجدل داخل الولاياتالمتحدة بسبب تركيزه المباشر علي وجود لوبي إسرائيلي داخل أمريكا يعمل علي خدمة مصالح إسرائيل من خلال تشكيله لجوهر السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتسويقه المستمر لفكرة أن المصالح الإسرائيلية والأمريكية علي المستوي الاستراتيجي متطابقة تماما، وأن البلدين يواجهان نفس الأعداء وعليهما معا تغيير الشرق الأوسط بما يتناسب مع هذه الحقيقة. ينطلق التقرير الذي بدأ الحديث حوله في مصر مؤخرا من تحليل وفحص تلك الفرضية الخاصة بتطابق مصالح إسرائيل والولاياتالمتحدة، وينتهي إلي أن ذلك كان صحيحا بدرجة ما خلال سنوات الحرب الباردة حيث كانت الدول العربية الكبري مثل مصر والعراق وسوريا والجزائر وليبيا واليمن محسوبة ضمن معسكر الاتحاد السوفييتي، وأن التحدي العسكري الذي مثلته إسرائيل لتلك الدول كان يصب في صالح الولاياتالمتحدة وصراعها مع القوة العظمي الأخري، كما أن هزيمة تلك الدول في عدد من المواجهات العسكرية مع إسرائيل كان يعني هزيمة للسلاح السوفييتي وضغطا عليه لإعادة إمداد تلك الدول مرة أخري بالسلاح. لكن الأمر قد تغير تماما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه، فلم يعد لإسرائيل دور تلعبه بعد تحول تلك الدول إلي التعاون مع الولاياتالمتحدة والوقوف معها في مواجهة التحولات الجديدة مثلما حدث مع الثورة الإيرانية ومساعدتها للعراق ضد إيران بتشجيع من أمريكا ثم في حرب الخليج الثانية وحرب تحرير الكويت ومشاركة مصر وسوريا والمغرب في تلك الحرب بجانب دول الخليج في حين وقفت إسرائيل بعيدا لا تسطيع المشاركة حفاظا علي التحالف الدولي من التفكك والانفراط. حتي في حالة غزو أمريكا للعراق في 2003 لم يكن لإسرائيل دور ملموس برغم أن أمريكا كانت تبحث عن أي حليف بعد أن تبرأ منها حلفاؤها الكبار في أوروبا. من هذه الزاوية يتحدث التقرير عن وجود "لوبي إسرائيلي" يعمل داخل الولاياتالمتحدة لإثارة مواجهة بين الولاياتالمتحدة والدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط من خلال التأثير علي مراكز صنع القرار في الولاياتالمتحدة ونجاحه في إقناعها خلال الفترة الماضية بضرورة التعامل عسكريا مع العراق الذي ظل تحت الحصار طوال سنوات التسعينات واستغلال هذا اللوبي لأحداث 11 سبتمبر من أجل الترويج لنظريات التدخل العسكري وتغيير نظم الحكم في المنطقة، واختراقه لوسائل الإعلام ومراكز الدراسات الاستراتيجية وأجهزة المخابرات واستغلال ذلك في تحريض إدارة بوش علي شن الحرب ضد العراق بدون غطاء شرعي. ولعل ما يركز عليه التقرير بالدرجة الأولي من وجهة نظر مؤلفيه أن هدف الحرب علي العراق كان لتحسين وضع إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة وليس الولاياتالمتحدة التي لم تحصد من تلك الحرب إلا كراهية الشعوب العربية والإسلامية، وأن هدف اللوبي الإسرائيلي كان حفر شق عميق بين أمريكا والمنطقة استعدادا لوقت قادم سوف تتآكل فيه أهمية إسرائيل بالنسبة للغرب، وتتحول إلي مجرد دولة صغيرة وسط محيط عربي وإسلامي واسع علي علاقة وطيدة مع الغرب. يحتوي التقرير علي تفاصيل كثيرة حتي أن نصفه تقريبا مخصص للهوامش والتعليقات المهمة والمراجع لكن أهم ما يفوح منه هو فكرة "الهندسة الاستراتيجية" التي يقوم بها اللوبي الإسرائيلي في الولاياتالمتحدة والتي تقوم علي حسن التنبؤ برياح المستقبل، والتغيرات في موازين القوي الإقليمية والدولية، ومحاولة رسم نقاط تقاطع مبكرة مع الأحداث القادمة، وأحيانا صنع هذه الأحداث نفسها من العدم قبل أن تحدث. ومن ينظر حوله سوف يكتشف أن إسرائيل لا تفعل ذلك فقط مع الولاياتالمتحدة ولكنها تفعله أيضا مع أوروبا والصين والهند وتركيا بأكثر مما نتخيله، لأن هندسة العلاقات الخارجية وبناء التحالفات والصداقات لا تتم في يوم وليلة ولكن تتحقق من خلال فكر استراتيجي خلاق ينفذ إلي الهدف مبكرا، ويشكله علي هواه، قبل أن يصبح الهدف عدوا أو صديقا للأعداء. المشكلة في اللوبي الذي يعمل لصالح إسرائيل في الولاياتالمتحدة أنه كما يقول التقرير يدافع عن موقف خاسر أخلاقيا وهو المتعلق بالقضية الفلسطينية التي نجحت في مراحل زمنية معينة من كسب تعاطف قطاعات كبيرة من دول الغرب. كما أنه يشير إلي الوسائل التي يستخدمها اللوبي الإسرائيلي والتي تجمع بين العصا والجزرة تجاه الجماعة السياسية والإعلامية والأكاديمية في الولاياتالمتحدة إلي حد أقلق تماما الجماعة الأكاديمية بالذات ومنها خرج هذا التقرير بسبب تعرضها الدائم للابتزاز المستمر من قبل اللوبي الإسرائيلي إذا جازف أحد أعضائها بتوجيه النقد مهما كان بسيطا إلي إسرائيل أو إلي سياساتها تجاه الفلسطينيين والعالم العربي. والتقرير يعترف بأن هذه الأوضاع لن تتغير في وقت قريب، لكنه يعول علي فشل السياسات الأمريكية في المنطقة في إظهار مخاطر اللوبي الإسرائيلي علي الولاياتالمتحدة ومصالحها في المدي الطويل وأيضا علي مصالح وأمن إسرائيل نفسها. إن هذا التقرير يستحق القراءة وإدارة النقاش من حوله ليس لإثبات المقولة الشائعة بأن الولاياتالمتحدة وإسرائيل يمثلان جسدا واحدا، ولكن لمعرفة كيف نجح اللوبي الإسرائيلي في تحقيق ذلك التجانس والتطابق الصعب. يقدم التقرير درسا مهما. لقد فعل اللوبي الإسرائيلي ما يجب أن يقوم به أي كائن سياسي مسئول عن أمنه ومستقبله من محاولة فهم مسيرة تطور العالم من حوله والقوي الكبري، ومارس بعمق عملية تعريف المصلحة وكيفية جعلها مشتركة مع الآخرين حتي في أصعب الظروف. أنه مثل عمل الربان الماهر في مركب شراعي يحاول جاهدا صيد الرياح الضعيفة والقوية ويحولها إلي قوة دافعة إلي الأمام، فما بالك إذا وصل الربان في مهارته إلي القدرة علي صنع الرياح نفسها بكل درجاتها المطلوبة من النسمات العليلة إلي العواصف العاتية.