في جلسة موسّعة ومفصّلة، استعرض السفير الصينيبالقاهرة لياو ليتشيانج خلال المؤتمر الصحفي للدورتين التشريعيتين الصينيتين لعام 2026 المنعقد في القاهرة بحضور السفير علي الحفناوي وجمع من الدبلوماسيين والإعلاميين المصريين والعرب والأجانب، أبرز ما أسفرت عنه الدورتان هذا العام من قرارات ومستهدفات ورؤى تنموية، مقدّماً صورة شاملة ودقيقة عن مسار الصين الحالي ومستقبلها المرتقب. الدورتان التشريعيتان ودلالتهما السياسية أوضح السفير أن ما يُعرف ب"الدورتين" يشير إلى انعقاد المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهما أبرز حدثين في الحياة السياسية الصينية ويُشكّلان مرجعية دستورية وتشريعية وتخطيطية للدولة الصينية. وأشار إلى أن نحو خمسة آلاف ممثل من مختلف أرجاء الصين حضروا هذه الدورات، مما يعكس التمثيل الواسع والمتنوع الذي يُميّز هذه المؤسسة التشريعية العريقة. ولفت إلى أن الرئيس شي جين بينغ حضر الدورات وشارك في جلسات مراجعة التقارير الحكومية وأدلى بتصريحات ووجّه توجيهات جوهرية، في مقدمتها دعوته إلى توسيع الانفتاح على العالم وتطوير الأسواق العالمية وتعزيز القدرة التنافسية الصينية على الصعيد الدولي. كما قدّم رئيس مجلس الدولة لي تشيانغ تقرير العمل الحكومي أمام ممثلي الشعب، مُحدّداً أهداف عام 2026 والمحاور الاستراتيجية التي ستُركز عليها الحكومة الصينية خلال العام الجاري. وأبرز السفير أن الدورتين هذا العام شهدتا إقرار الخطة الخمسية الخامسة عشرة التي ترسم ملامح مسار التنمية الصيني للسنوات الخمس المقبلة، مؤكداً أن الصين منذ عام 1953 نجحت في وضع وتنفيذ أربع عشرة خطة خمسية متتالية، وهو سجل فريد في الاستمرارية التخطيطية الاستراتيجية لا مثيل له في العالم. وأكد أن الصين تلتزم بمبدأ "خريطة واحدة من البداية حتى النهاية"، أي أن تُرسم الخطة ثم تُنفَّذ بصرامة دون تحوّل أو تراجع، وهو ما أتاح للصين تجاوز الدورات الاقتصادية المتقلبة ومواجهة التحديات المتنوعة وتحقيق نمو اقتصادي سريع إلى جانب استقرار اجتماعي طويل الأمد في آنٍ واحد. الإنجازات الاقتصادية والمستهدفات الجديدة على الصعيد الاقتصادي، أشار السفير إلى أن الاقتصاد الصيني تمكّن خلال السنوات الخمس الماضية من الصمود في مواجهة ضغوط جسيمة والمضي قدماً في مسار التحول النوعي، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني 140 تريليون يوان، بزيادة تعادل ما كان عليه الاقتصاد الصيني بأسره قبل عقودن موضحا أن الصين حافظت على مساهمتها في النمو الاقتصادي العالمي عند مستوى 30%، وهو رقم يعكس الدور المحوري الذي تضطلع به الصين في دفع عجلة الاقتصاد العالمي. وكشف أن متوسط دخل الفرد الصيني القابل للتصرف نما بمعدل سنوي بلغ 5.4% خلال السنوات الخمس الماضية، فيما فاق عدد الوظائف الجديدة في المدن 60 مليون وظيفة، وتجاوز متوسط العمر المتوقع للمواطن الصيني 79 عاماً. أما على صعيد الإنفاق الاجتماعي، فقد كشف أن إنفاق الحكومة الصينية في مجالي التعليم والضمان الاجتماعي والتوظيف تجاوز 4.5 تريليون يوان في عام 2025 وحده، مع رفع مستمر لحد الأجر الأدنى ومستويات التأمين الصحي الشعبي، تجسيداً لمبدأ "التنمية المتمحورة حول الإنسان" الذي أطّره الرئيس شي جين بينغ. وفيما يتعلق بمستهدفات عام 2026، أعلن السفير أن الحكومة الصينية حددت هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5%، مشيراً إلى أن تطبيق هذه النسبة على اقتصاد بحجم 140 تريليون يوان يعني إضافة ما يزيد على 5 تريليونات يوان إلى الاقتصاد الوطني خلال عام واحد، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول متوسطة النمو بأكملها، مما يؤكد الثقل الهائل للاقتصاد الصيني في المنظومة الاقتصادية الدولية. قيادة الابتكار التكنولوجي تناول السفير بالتفصيل الموقع المتقدم الذي باتت تحتله الصين في منظومة الابتكار التكنولوجي العالمي، مشيراً إلى أن الصناعات الاستراتيجية المتقدمة تجاوزت نسبتها 10% من إجمالي الاقتصاد الصيني. وأبرز تحديداً التقدم المتسارع في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح النموذج الصيني مفتوح المصدر للذكاء الاصطناعي الأكثر تنزيلاً على المستوى العالمي، مما أسهم في خفض تكاليف تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي على المشاريع الصغيرة والمتوسطة حول العالم بصورة لافتة. وأشار إلى الريادة الصينية في قطاعات المركبات الكهربائية وبطاريات الطاقة والأقمار الصناعية والمنظومات الرقمية، لافتاً إلى أن المركبات الكهربائية الصينية وبطاريات الطاقة تستحوذ على أكثر من 60% من الإنتاج العالمي، كما أن منظومة الملاحة الصينية باتت تخدم أكثر من 140 دولة وإقليماً حول العالم بما فيها مصر. وأكد أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة رسمت أهدافاً طموحة لتطوير صناعات المستقبل التي تشمل الاقتصاد الجوي المنخفض الارتفاع والطاقة الكمية وتقنية الجيل السادس للاتصالات وتقنيات الروبوتيك والذكاء الاصطناعي المتقدم، وهي قطاعات من شأنها فتح آفاق جديدة للتعاون الدولي في مجالات التكنولوجيا. وأشار إلى أن كلمتَي "الإصلاح والابتكار" كانتا الأكثر تكراراً في تقرير العمل الحكومي لعام 2026، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تعميق التحول الهيكلي للاقتصاد الصيني وانتقاله من نموذج قائم على الكم إلى نموذج يرتكز على الجودة والابتكار. الريادة في التحول الأخضر خصّص السفير جزءاً مهماً من كلمته للحديث عن منجزات الصين في مجال التنمية الخضراء والتحول نحو الطاقة المتجددة، كاشفاً أن الصين باتت تمتلك أكبر منظومة للطاقة المتجددة في العالم من حيث الحجم والنمو، وأن نسبة الكهرباء النظيفة في إجمالي الاستهلاك الكهربائي الصيني اقتربت من 40%. وأشار إلى أن التقدم التقني الصيني وميزة السلسلة الصناعية الكاملة أدّيا إلى خفض تكاليف توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عالمياً بنسب تتراوح بين 60 و80%، مما جعل الطاقة المتجددة بديلاً اقتصادياً حقيقياً وليس مجرد خيار بيئي مُكلف، مؤكدا أن الشركات الصينية تشارك بفاعلية في مشاريع الطاقة النظيفة في مصر ودول عديدة من بينها دول أفريقية وعربية. ولفت إلى اهتمام الصين الخاص بتقنيات مكافحة التصحر وإدارة الأراضي الجافة، مشيراً إلى أن هذه التقنيات التي طوّرتها الصين في بيئاتها الصحراوية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة لدول مثل مصر ودول أفريقية أخرى تعاني من تمدد الصحراء. وأعلن عن نية الصين تكثيف جهودها في الخفض التراكمي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو التزام يعكس جدية الصين في أداء دورها في التصدي لأزمة المناخ. وأكد أن الصين ستواصل توسيع دائرة شركائها في التحول الأخضر، عبر إنشاء أول صندوق وطني للتحول الأخضر وتعزيز التعاون الدولي في مجالات الوقود النظيف والطاقة المتجددة والحلول البيئية المبتكرة. الانفتاح المؤسسي على العالم في الشق الأخير من استعراضه، تناول السفير منظومة الانفتاح الصيني على العالم والتوسع في العلاقات التجارية الدولية، كاشفاً أن عدد الدول والمناطق التي تربطها علاقات تجارية مع الصين بلغ 249 وحدة جغرافية حول العالم، فيما انضمت أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم إلى مبادرة الحزام والطريق. وأشار إلى جملة من الإجراءات الجوهرية التي تتخذها الصين لتعزيز الانفتاح المؤسسي، أبرزها الرفع الكامل لجميع القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي في قطاع الصناعة التحويلية، وتوسيع اتفاقيات التجارة الحرة، وتطوير منطقة التجارة الحرة الصينية وتعزيز دورها في تيسير التدفقات التجارية والاستثمارية. كما أشار إلى تخفيف اشتراطات التأشيرة لتشمل دولاً أكثر بما في ذلك بعض الدول العربية، في خطوة تعكس حرص الصين على تسهيل التواصل الإنساني والتبادل الثقافي. وختم السفير لياو ليتشيانج كلمته بالتأكيد على أن الصين تقدم للعالم في هذه المرحلة البالغة التعقيد نموذجاً للثقة والثبات والقدرة على صنع المستقبل، وأن الانفتاح والتعاون وليس الانغلاق والمواجهة هو الطريق الأمثل لبناء عالم أكثر رخاءً وأماناً واستقراراً، مدعواً جميع الحاضرين إلى طرح أسئلتهم في جلسة النقاش التي تلت كلمته.