سلطت زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك مؤخرا إلي الهند الأضواء علي مسألة "الاستثناء" النووي الهندي، الذي يقع في صلب تضارب المواقف والقوانين الدولية، التي تخص قضية امتلاك البرنامجين النووين العسكري والمدني في آن معا، ومن المعروف هنا أن المواقف التقليدية من طرف القوي النووية الكبري، الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن "الولاياتالمتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين"، تصر علي احتكار السلاح النووي، وتعارض امتلاكه من جانب أي دولة أخري. لكن جري خرق هذا الحظر، وقامت العديد من الدول بصناعة أسلحتها النووية، مثل "إسرائيل" والهند وجنوب أفريقيا وباكستان وكوريا الشمالية. بعض هذه الدول تمكن من خرق القاعدة خلال فترة الحرب الباردة ""إسرائيل"، جنوب أفريقيا" والبعض الآخر انتظر حتي نهاية العقد الماضي حتي ينجز مشروعه النووي العسكري، مثل الهند التي أعلنت امتلاكها القنبلة الذرية في بدايات مايو/آيار سنة، 1998، وباكستان التي تلتها بأيام معدودة، وحدها كوريا الشمالية انتظرت حتي السنة الماضية، لكي تعلن استكمال برنامجها النووي العسكري. إن تجاوز هذا المحظور من طرف المجموعة الأخيرة، يعني عمليا رفض توقيع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية التي تم التوصل إليها سنة 1995، وقد صار بدءا من هذا التاريخ، في حكم الممنوع علي أي دولة أن تكون مالكة للسلاح النووي، وتتمتع بعضوية الوكالة الدولية للطاقة الذرية في نفس الوقت، والسبب هو أن أحد شروط العضوية هو التوقيع علي اتفاقية حظر الانتشار، وهذا لا ينطبق من حيث المبدأ علي القوي النووية التقليدية، كون برامجها النووية أصبحت سابقة للاتفاقية. وهذا يعني أن علي الدول التي سعت منذ ذلك الحين لدخول النادي النووي، أن تختار بين برنامج نووي عسكري يعرضها لمتاعب مع المجتمع الدولي، كما هو الحال مع إيران، وبين برنامج نووي سلمي تتولي منظمة الطاقة الإشراف عليه ومراقبته بصورة دائمة، وتقديم المساعدات الفنية اللازمة له، وقد ندر حتي الآن التسامح مع حالة من الحالات، حاولت خرق هذه القاعدة، وهذا يمكن ملاحظته بوضوح من خلال النزاع حول الملفين الكوري الشمالي والإيراني، حيث تبدو إمكانية الجميع بين الخيارين النووين العسكري والمدني مستحيلة، وهي تلقي الرفض من جانب الأطراف الغربية المؤثرة. لقد فضلت غالبية القوي النووية الجديدة، أي الواقعة خارج نادي الكبار، الخيار الأول الذي وصلته عبر أساليب ملتوية، بدأت عادة بإقامة برنامج مدني، ثم انتهت إلي برنامج عسكري، وقد رأت هذه القوي التي تقع أغلبها في منطقة جغرافية واحدة "آسيا الوسطي، وشرق آسيا"، أن امتلاك سلاح الردع أفضل لها من الناحية الاستراتيجية، من التوظيف النووي في الميدان السلمي، فالمشاكل التي تعيشها بسبب مخلفات نزاعات الحرب الباردة، والخلافات الاثنية والحدودية، دفعتها للتأمين علي النفس بوجه التهديدات التي يمثلها الجار الآخر، كما هو الحال بين الهند والصين، وباكستان والهند، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، أو اليابان وجاراتها. وقد أبدت طوكيو عزمها منذ مطلع العقد الماضي علي السير في الطريق النووي العسكري، من أجل حفظ نوع من توازن الردع مع الصين وكوريا الشمالية، واللافت هنا هو أنه ليس فقط الشعور بالخوف من الجار الآخر، هو الذي شجع علي سلوك الخيار النووي العسكري، حتي لو كان ذلك علي حساب التنمية، بل إن الحسابات الدولية دفعت في هذا الاتجاه، إذ لا يمكن إنكار المساعدة التي قدمتها الولاياتالمتحدة للمشروع النووي الهندي، كونه موجها في الأساس ضد الصين، والمساعدة هنا ذات أوجه متعددة تبدأ بالدعم المباشر، ولا تقف عند حدود التغاضي، وتوفير التغطية السياسية إذا لزم الأمر، وفي الوقت ذاته استفاد البرنامج النووي الباكستاني من دعم صيني وكوري شمالي، كونه جاء لخلق توازن في الردع مع الهند، وهناك عامل آخر يدفع البعض لامتلاك السلاح النووي، وهو اعتبار المسألة حقا مشروعا يجب ألا يقع في باب التمييز بين شعب وآخر، وهذا ما تستند إليه الحجة الإيرانية حتي الآن. إن الجديد في الأمر، هو التوقيع بين فرنسا والهند علي إعلان مشترك ينص علي عزم البلدين، علي إبرام اتفاق تعاون في المجال النووي المدني، وجاء في نص الإعلان أن البلدين يؤكدان البدء في محادثات بهدف "التوصل" إلي اتفاق تعاون ثنائي من أجل تطوير الطاقة النووية لأغراض سلمية، مع مراعاة التزاماتهما وتعهداتهما الدولية.