إنها أول حكومة تسقط في الشرق الأوسط، فقد تلقت حركة فتح "ضربة ثقيلة" بوزن 76 مقابل 43 مقعدا، وهو مالم تكن قياداتها تتخيل إمكانية حدوثه، فرغم أن الجميع كانوا يدركون أن شيئا من ذلك قد يقع، بمن في ذلك سائقو التاكسيات في مدينة غزة، لكن بالتأكيد ليس بتلك الصورة القاسية، فقد حملت فتح عبء الكفاح الفلسطيني لعدة عقود علي كاهلها، وقدمت الكثير لتلك القضية منذ انطلاقتها عام 1965، لكن كان عليها أن تتعلم الدرس، وهو أنه لاحصانة لأحد أمام الشعوب، وأن الشرعية لاتستمر للأبد حتي لو كانت تاريخية، وأن أسسها قد تتآكل أو تنهار إذا لم يتم احترامها والتمكن من الحفاظ عليها.هناك قول شهير يؤكد أنه لاتوجد "معارضات ناجحة، ولكن توجد حكومات فاشلة"، وعلي الرغم من أن هذا القول يمثل ظلما لحركة حماس التي قامت بالكثير علي الصعيد الوطني والاجتماعي، فإنه يظل أفضل تلك البدايات التي يمكن من خلالها فهم ماحدث في الانتخابات الفلسطينية، فإنجازات حماس قد تبرر الفوز المؤكد لكنها لاتبرر النتيجة الكاسحة، مالم يكن هناك خصم منقسم علي نفسه ومنهار من الداخل، بصورة جعلت أعتي قياداته يتساقطون أمام "شبان صغار" في بعض الدوائر، فالفكرة هي أن فتح تعرضت بالفعل لهزيمة علي يد حماس، لكنها قبل ذلك بكثير هي التي هزمت نفسها. لقد بدأت أزمة حركة فتح منذ فترة طويلة، وعبرت عن نفسها بأشكال مختلفة حتي في فترة رئاسة ياسر عرفات، ففي وقت ما أصر محمود عباس علي تقديم استقالته من عضوية اللجنة المركزية للحركة بفعل خلافاته مع الرئيس وقتها، وقام تنظيم كتائب شهداء الأقصي باختطاف القائم بأعمال محافظ جنين لإجباره علي الاستقالة في سابقة أخري، كما أن الخلافات بين محمد دحلان وجبريل الرجوب كانت قد شقت التنظيم مرارا، واكتملت الصورة بالتنافس علي أمانة سر الحركة بين مروان البرغوثي وحسين الشيخ، وتصويت أعضاء فتح المنتخبين في المجلس التشريعي ضد توجيهات عرفات، ثم أتي أبو مازن لتنفجر الحركة من الداخل، ومن يومها تتوالي القصص حول مايحدث داخل فتح، وصولا إلي ممارسات الشوارع. كانت المشاكل تحيط بحزب السلطة القوي من كل جانب، وكان من الممكن مشاهدتها بالعين المجردة، فهناك فساد لانهاية له يمس كل ركن من أركان أجهزة الحكومة، ويتحدث عنه كل أبناء الشعب الفلسطيني بالأرقام أحيانا، ويعرقل كل محاولة لإصلاح الحال من جانب بعض رجالها مثل سلام فياض الذي لم يسلم من الأقاويل، في ظل أداء حكومي جامد لم يكن أحد يشعر بوجوده، في الوقت الذي كانت حماس تتولي فيه مهام اجتماعية ضرورية بالنسبة للمواطنين، وتهتم حسب قول أحدهم "بالطفل قبل أبيه"، ولم يكن أحد يسمع علي الإطلاق مايقال في الشارع، أو مايطلق من حقائق أو شائعات، حتي من جانب المؤيدين لهم من الفلسطينيين، والذين كانوا يدركون أن ثمة كارثة قادمة. ولقد وصلت الخلافات بين أركان فتح إلي حد توجيه تكتلاتهم بالتصويت ضد بعضهم البعض، بهدف إسقاطهم في ظل لعبة الموازين الداخلية دون الانتباه إلي أنه يتم إسقاط الحركة من الأساس، ثم وصلت الأمور إلي القيام بكل مايمكن القيام به من جانب قادة فتح الجدد لإضعاف سلطة الرئيس محمود عباس، ولم تكن حالة الفلتان المسلح التي شهدتها غزة في الفترة الأخيرة ترتبط بسلوك عناصر حماس في الأساس، بل بسلوك عناصر فتح، الذين لم يوفروا فرصة لإحراج حكومتهم، بما في ذلك الهجوم علي الحدود المصرية، لدرجة أن التقديرات الإسرائيلية ذاتها لمدي انضباط الوضع قد تغيرت تماما في اتجاه الحديث عن إمكانية التعامل مع حماس التي لم تطلق رصاصة واحدة مؤخرا، فقد تحول " تنظيم فتح" إلي فوضي فتح. عندما اقتربت الانتخابات الفلسطينية كانت بوادر الهزيمة قد أصبحت واضحة، وساد التندر علي الشعارات التي أطلقتها فتح، وبدلا من أن يتم اتخاذ خطوة واحدة ذات معني لوقف حالة التآكل الشديدة في شعبية الحركة، وانقسامها علي نفسها، حاولت بعض قياداتها أن تمارس كل الألاعيب الممكنة لتعطيل الانتخابات التشريعية، بالحديث عن تغيير قانون الانتخابات تارة، أو مشكلة إجراء الانتخابات في القدس تارة أخري، وما إلي ذلك من سلوكيات غير مسئولة وقف أمامها الرئيس محمود عباس مصرا علي إجراء الانتخابات في موعدها، علي الرغم من إدراكه بأنها ستكون قفزة كبيرة نحو المجهول الذي أصبح معلوما حاليا. إن نسبة الإقبال التي تشير إليها أرقام الانتخابات، والتي تعد من أعلي نسب المشاركة في العالم، هي بالمناسبة تلك النسبة المعتادة فيما يتعلق بالفلسطينيين، وربما لاينافسهم فيها بالمنطقة سوي العراقيين، وسوف يتضح مع الوقت ما إذا كانت حركة فتح قد سقطت بتلك الصورة، بفعل ماأصبح يسمي " التصويت الاحتجاجي" ضدها حتي من جانب أنصارها، أم أن قواعد الحركة قد تآكلت بالفعل في مقابل حركة حماس التي تمارس نشاطاتها وسط البشر، ويعيش قاداتها مثل البشر، ويتحدثون كذلك مثل البشر، ولديهم إدراك رفيع بمجريات الأمور علي الأرض، رغم السجن الأيديولوجي الذي يعيشون فيه، والذي سيبدأ في إفراز المشكلات، فمشاكل حماس الحقيقية ترتبط بوجودها في السلطة. المثير أن بعض عناصر فتح قد بدوا وكأنهم قد صدموا بالنتيجة، فبدأوا في إطلاق النار في الشوارع، وتحميل المسئولية لطرف أو لآخر، في ظل حالة توتر تجاه مؤيدي حماس أيضا، دون أن يحاولوا البحث عن السبب الحقيقي الذي أسفر عن تلك النتيجة المزرية بالنسبة لهم ولتاريخهم، وهي أنهم قد هزموا أنفسهم قبل أن تهزمهم حركة حماس، وأنهم في غمرة صراعات السلطة وأعمال الفساد لم ينتبهوا إلي مايحدث حولهم طوال الوقت، والنتيجة أن الشعب الفلسطيني قد لقنهم درسا بنسبة يفترض أنهم لن ينسوها، ليصبحوا النموذج الأول لسقوط حكومة "علي الهواء مباشرة" في منطقة الشرق الأوسط.