يندرج كتاب" رهانات السلام اسئلة العنف وآفاق الكون" في سلسلة المنهج التي تعكف الدكتورة مروة كريدية على صياغته منذ مطلع العقد الأخير، ويعكس ثقافة موسوعية في عصر اجتاح العنف معظم مناحي العيش الانساني وتفاقم الارهاب وكثرت الحروب ودخلت المنطقة في شرانق الطائفية والمذهبية، وهي اذ تضع يدها على العلّة الجوهرية المنتجة للعنف فإنها تقحم ميدان علم الاجتماع السياسي في البعد الروحي كما تقحم الفلسفة بالفيزياء ، فتلامس طروحات الحكماء من جهة وتدخلها في مجال السياسية والاقتصاد والبيئة من جهة أخرى، ولعل ما أوردته في مقدمة إصدارها يوحي انها تسعى الى خلخلة البناء المعرفي التقليدي الذي اسر الفكر البشري والرقي الى أفق مغاير ينعتق فيه من أسر السلطة وعنف المادة . الكتاب الصادر عن جامعة أبردين باللغة الانكليزية يعالج اشكالية فلسفية تعد جوهر المشكلات اذ ان الباحثة تعتبر ان السبب المنتج للعنف هو المنطق الكلاسيكي القائم على الفعل ورد الفعل ، والثنائيات الضدية، وان التخلص من العنف لا يكون بعنف مضاد؛ مستنتجة ان الحروب مهما "سمت أهدافها " لا يمكن ان تقضي على "الارهاب " ، وان البشرية ان أرادت الخلاص فلا مفر من تغيير جذري في البناء المعرفي نفسه. وتقول :" انه مع بزوغ الثورة الكوانتية والثورة المعلوماتية تكون البشرية قد نحت منحى جذريّا في تطوير البناء المعرفي ممكن ان يؤدي الى انقلاب في المفاهيم و البنى الفكرية ويقدم استراتيجية قيمية جديدة لادارة الهوية والقضايا والعلاقات بين الدول، لأن المقولات التي أفرزها العقل اليوناني وفيما بعد استثمرها العقل الغربي ومن ثم العقل العربي أفرزت: الحتمية ، المنطق الصوري، الجدلية،الثنائيات،اللوغوس، المادة والصورة... معتبرة ان :"هذا النتاج الكلاسيكي يقوم على محاور قيميّة من اهمها: اختزال الكون الى منظومة ميكانيكية مؤلفة من مكونات اولية، واعتبار "العلم الوضعي" الطريق الأوحد الى المعرفة، والنظر الى الكائنات الحية والتعاطي معها كآلات، واعتبار الحياة المجتمعية صراعا تنافسيا البقاء فيه للأقوى ، الأمر الذي سوّغ العنف وحول الكوكب الى مملكة ارهاب." وتطرح الكاتبة اداة فكرية لردم الهوة بين العلم والفلسفة بين المادة والروح بين الكون والكائنات. تطلق عليها "الفكر العلمي الكوني " الذي يمكن ان ينبثق عنه امور اهمها ان المكون او الواحدي هو المبدأ الأول و هو الذات وهو الموضوع ؛ وان المكون يتجلى في الكائنات، اي ان الهوية تتماهى مع الواقع، والكون يتماهى مع المكون و الواقع يتطابق مع الهوية وان الفكر والواقع متماهيان. اما عن مفهوم السببية الجديد فترى انه سبب متصل مطلق مستمر لا يفصل بين الوجود الواقعي "المُحَايث" أي وجود ما هو موجود ، والوجود "المُتعَالي" " وجود واجب الوجود" ، كما ان الهوية منفتحة على هويات لامتناهية و قابلة للتغيير الدائم المستديم . الامر الذي يؤدي الى اضمحلال "الثنائيات المتقابلة الضدية" عبر وجود مستوى آخر مشمول تطلق عليه الوحدة المفتوحة وهو ما يسمى "الموقف العابر" حيث ما يبدو متناقضا يُدرك كغير متناقض وما يبدو مفرقا كجسم او موجة هو في الواقع موحد كوانتم في مستوى مغاير. يدور عمل مروة كريدية إذن حول محورين فكريين رئيسيين: المحور الأول: يعرض لعجز المنطق المنتج للعنف وتجلياته وعلاقاته مع الحقيقة والواقع وان انشطار الفكر البشري عبر المنطق الثنائي العاجز هو الذي سبب العنف وشرعه . وان هذا المنطق يرتكز على اسس الفيزياء الكلاسيكية المحكومة بقانون الجاذبية . المحور الثاني تخلص فيه الدراسة الى رؤية مفادها ان النظرية الكوانتية " "الكمومية" الحديثة في الفيزياء أظهرت الوحدانية الأساسية للكون. كونها تقدم شرحًا دقيقًا ومتماسكًا للظاهرة الذرِّية ككل. وان عالم الكوانتا ما تحت الذري لا يحمل اكثر من اجزاء عالمنا المدرك، ونحتاج الى فترة كي يتم فهم العالم خارج اطار قانون الجاذبية التي حكمت الفيزياء النيوتنية . وتخلص الدكتورة مروة كريدية الى :" ان معظم النتائج التي انبنى عليها تاريخية المكانيكا الكمومية تدور في اطار تتصل فيه الاداة بالموضوع خلال التجربة وبالتالي فلا نحصل لصورة عن الطبيعة بل عن صورة لعلاقة الكائن معها ." ويتفرع عن هذين المحورين أقسام عدة تشتمل على عناوين متشعبة حيث تناقش فيه إشكاليات العنف الرمزي وأشكال الهيمنة مستعرضة تاريخ البشر المشحون بالنار والفصام حضاري، معتبرة انّ ذاكرة العنف عند الشعوب سببتها السيرورة التاريخية وانفصام الذات الحضارية ،كما تطرح مفهوم الحقيقة في منظور اللاعنف من خلال التعددية الدلالية والحوار التواصلي لتستخلص المفاعيل اللاعنفية لتعددية الحقيقة ونسبية المعايير عبر تَفكيك مفهوم السلطة وتأريخ الحقيقة . وترى الباحثة ان العالم تحول الى امبراطوريات جديدة تصنع الحروب باسم السلام عبر العلاقات الدوليّة التي تسلك استراتيجية خراب باعتمادها على مايعرف بالنظام العالمي الذي يتخذ من خرافة الأمن القومي ذريعة لامتلاك اسلحة الدمار النووي، معتبرة ان حق النقض الفيتو هو آلة عنف مستمرّ لإجهاض السلام ، في اشارة الى ان العمل السياسي ينبغي ان يكون انسانيا و خدماتيًّا فقط ويدور حول خدمة الانسان وحقوقه بالدرجة الأولى ، وان على الدولة ان تحقق العدالة لا ان تطبّق قوانيين جائرة وتحت عنوان "كونية الانسان " تدرج الباحثة مقاربة مميزة في اطار ميتافيزيائي لنظرية الكوانتا فتعتبر ان الكائن الانساني قد تمت "برمجته" من خلال الكم الهائل من المعارف المكتسبة المحملة بالارث البشري على مر العصور بكل فلسفاته المتباينة واديانه المتنوعة ومعتقداته المتبلورة ، التي تؤكد عبر المنطق المتوارث ان البشر كائنات فردية منفصلة تجاهد في صراع دائم منذ ولادتها كي تعيش بشكل أفضل ولا ينتهي ذلك الا بالموت ، وهذا ما تقبلته الانسانية كلها! وتخلص الكاتبة الى نتيجة مفادها ان وجود الكائن الانساني يشير الى كينونة مستترة في أعماق الكون وهو ما يعرف بوحدة الوجود ، فالكائنات البشرية بجذورها ضاربة في الكون (الكوسموس) بما تحمله من جزيئات وذرات، وتتساءل كيف لنا نحن أبناء "الحضارات" ان نشارك في عمليات الخلق والتدمير التي تمخضت عنها حياتنا أرضية حيث كوكب الأرض مجالنا الحيوي؛ ونحن، بهذه المثابة، ننتمي إلى الكائنات الحية التي برهنت عن قدراتها على التضافر وقابليتها لتشكيل مجتمعات. بشكل عام الكتاب يتميز بخاصيتين رئيسيتين هما: الأولى انه يناقش موضوعًا جديدًا كلّ الجدّة في الساحة الفكرية ويعالج مسألة شديدة الخطورة في واقع اصبح العالم فيه مهددا بتنامي العنصريات المنتجة للعنف ؛ والميزة الثانية في كون اللغة المستخدمة في الكتاب سلسة تبتعد فيه المؤلفة عن المصطلحات المعقدة مستفيدة من خبرتها في مجال الصحافة والاعلام حيث تعمد الى إيصال أعقد الأفكار بأبسط التعابير الى القرّاء.كما تخرج الكاتبة عند مناقشة المحاور الفكرية عن المسار العلمي لتلقي بخواطر ولوامع روحية تستصرخ فيها الانسان لاستيعاء عميق للتضامن الإنساني ووحدة المصير الكوكبي المشترك، ولفحص صادق عن معنى التاريخ الإنساني، ولإيجاد مجتمع وعالَم وأخلاق معرفية وروحية من شأنها أن تسمح لنا بالتعامل مع انتماءاتنا وتناقضاتنا عبر تجديد الخصال الإنسانية استنادا الى ظهور الفيزياء ما تحت الذرّية الذي سيؤدي الى انقلاب نحو اللافلسفة اي البنى المتشظية لكل الفلسفات . درست المؤلفة العلوم الإنسانية وتخرّجت من الجامعة اللبنانية واكملت دراساتها العليا في المجال نفسه لتنال الدكتوراه في الفلسفة وعلم اجتماع وقد قدمت للمكتبة العربية العديد من المؤلفات الفكرية والكتب الادبية والابحاث الميدانية، من اهمها "استراتيجيات الامل في عصر العنف " و " فكر على ورق " ، و" لوامع من بقايا الذاكرة " و "حوارات وآفاق" .