شكاوى من زيادة تعريفة الركوب بالمنيا.. والسكرتير العام يتفقد المواقف ميدانيا    محافظ الدقهلية يتابع حملات إزالة التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة    الأزمات تصنع اقتصادات جديدة.. هل تستفيد مصر من التحول؟    الرئيس السيسى يتلقى اتصالًا هاتفيًا من الملك عبدالله الثاني    الأردن يحمل إسرائيل مسئولية اعتداءات المستوطنين الإرهابية على الفلسطينيين    الداخلية الإيطالية: 14% نسبة المشاركة في الاستفتاء على إصلاح القضاء حتى منتصف الظهر    التشكيل الرسمي لمباراة زد وطلائع الجيش في المرحلة الثانية بالدوري    السيطرة على حريق بمخزن بمساكن الحرفيين بحى منشأة ناصر    أشرف عبد الباقي يخطف الأنظار في كليب «ذكريات» مع الجريني    «برشامة» في الصدارة.. ننشر إيرادات أفلام عيد الفطر    «الصحة» تحذر من الإفراط في تناول الفسيخ والرنجة خلال عيد الفطر    الصحة: توافر تطعيمات التيتانوس مجانا بالوحدات الصحية وفق أحدث المعايير الطبية    تعرف على قائمة منتخب الشباب استعدادًا لوديتي الجزائر    مهاجم شباب بلوزداد: المصري خلق لنا صعوبات كبيرة ولكن    استراحة الدوري الإسباني - برشلونة (1)-(0) رايو فايكانو..    المطران شيو يشيد بكلمات البطريرك المسكوني خلال جنازة البطريرك إيليا الثاني في تبليسي    الداخلية تضبط قضايا اتجار بالعملات الأجنبية بقيمة 8 ملايين جنيه    وزير الري يتابع حالة السيول بجنوب سيناء    الهلال الأحمر المصري يستأنف استقبال دفعة جديدة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين ويدفع قافلة «زاد العزة» 161    إياد نصار يكشف كواليس "صحاب الأرض" في واحد من الناس    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكشف عن بوستر دورته العاشرة    وزير الكهرباء يجتمع برئيس هيئة المحطات النووية لمتابعة مشروع الضبعة    تحليل قانوني.. كيف سيتعامل "الكاس" مع طعن السنغال ضد الكاف والمغرب؟    جولات ميدانية لرئيس «المعاهد التعليمية» والمحافظين لمتابعة المستشفيات في العيد    السيطرة على حريق داخل مخزن خردة فى منشأة ناصر.. صور    الخارجية تؤكد استقرار أوضاع الجاليات بالخليج واستمرار الدعم القنصلي    الجيش الإيرانى: استهدفنا مقاتلة من طراز F15 قرب جزيرة هرمز    خطة مكثفة لخط نجدة الطفل خلال الأعياد.. واستجابة فورية على مدار الساعة    جابرييل: أستمتع بمواجهة هالاند.. وهذا سيكون عملي بعد كرة القدم    ضبط 1.5 مليون قطعة ألعاب نارية خلال حملات أمنية موسعة    الصحة: مبادرة الرعاية الصحية لكبار السن تخدم أكثر من 2.1 مليون مسن    في ثالث أيام العيد.. «التموين» تواصل صرف المقررات والدعم الإضافي    يسرا اللوزي تكشف كواليس مؤثرة لمسلسل «كان ياما كان»    الانتهاء من ترميم إيوان أقطاي وساقية الناصر محمد بن قلاوون ومسجد محمد باشا بمنطقة القلعة الأثرية    يعادل سنة كاملة.. أفضل وقت لصيام الست من شوال    رمضان عبدالمعز: حب آل البيت فريضة.. ومحبة المصريين لهم هدي قرآني    كجوك: إضافة تيسيرات جديدة ل «الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية»    جريزمان: أجلت رحيلي عن أتلتيكو للصيف.. ولا أفكر في الديربي    زيادة أسعار سندوتش دومتي 25% بداية من اليوم    اقتصادي: تركيز استراتيجية تنمية الصادرات الجديدة على رفع نسبة المكون المحلي تسهم في تعميق التصنيع    ندوات توعوية لتعزيز الوعي المجتمعي بدور المرأة بالشرقية    تعليق مفاجئ من عمرو محمود ياسين عن تغيير نهاية "وننسى اللي كان"    4 أبريل.. محاكمة رئيس شركة لاتهامه بتقاضي رشوة شهرية مقابل إسناد أعمال    رئيس لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ: زيارات الرئيس السيسي لدول الخليج تؤكد دعم مصر الكامل للأشقاء وتعزيز الأمن القومي العربي    تجدد الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان    الجيش الإيراني: قصفنا مطار بن جوريون بمسيّرات «آرش 2»    الأقصر.. تكريم أئمة وقراء القرآن في احتفالية عقب انتهاء شهر رمضان في إسنا    مصدر يكشف.. مصير توروب وموقف البدري وعماد النحاس من العودة للأهلي    ضبط 420 كجم أسماك مملحة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي بالمنوفية    60 دقيقة من الرعب.. استجابة أمنية فورية تنقذ حياة شخص سقط من ارتفاع 3 أمتار    مصرع شاب سقط أسفل عجلات القطار بمحطة المعلا في إسنا    وزير الري يتابع حالة منظومة الصرف الزراعي خلال عيد الفطر المبارك    الصحة الإسرائيلية: 4564 مصابا من بداية الحرب مع إيران    الصحة العالمية: مقتل أكثر من 60 شخصا في هجوم على مستشفى بالسودان    المتحدث الرسمي للأوقاف للفجر: حبُّنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآلِ بيته الأطهار دينٌ صادق وتاريخٌ مشهود    الحرس الثوري الإيراني ينفي استهداف قاعدة "دييجو جارسيا"    تفاصيل جريمة هزت الإسكندرية.. العثور على جثامين أم وخمسة من أبنائها غارقين فى دمائهم.. إنقاذ الابن السادس قبل محاولته إلقاء نفسه من الطابق الثالث عشر.. صديقة الضحية تكشف السر وأدوات الجريمة فى قبضة الأمن    هل تزيين المساجد بدعة؟.. أوقاف الإسماعيلية تحسم الجدل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بقرار من عبدالناصر لقب «الأستاذ» لفريد الأطرش
نشر في محيط يوم 27 - 12 - 2014

قال لشقيقه فؤاد روح هات لى ورقة وقلم.. سند الشقيق لفريد ظهره بمسندين فى وضع الجلوس، ولأن تحريكه فيه من الخطورة الكثير وضع له حبة تحت اللسان توسع الشرايين،
وجاب له القلم والورق ووقف يستطلع الأمر خاصة بعد رفض فريد لجميع الحلول المطروحة بالنسبة لافتتاح الفيلم الجديد ومن ينوب فى الحفل عنه، وكان من عادته الإطلال من مقصورة خاصة فى صدر البلكون ليواجه الجماهير أثناء استراحة ما قبل العرض ليرد على تصفيقهم بالتحية ونثر القبلات فى الهواء وإمطارهم بصوره الممهورة باسمه..
‎سند فريد ظهره وكتب سطرين موجهين لمن؟!!.. لجمال عبدالناصر ذات نفسه: «سيدى الرئيس.. من عادتى أن أحضر ليلة العرض الأول لأفلامى لكنى فى هذه المرة مريض.. لذا أرجو أن تحضر (عهد الهوى) بدلا منى وأن تحيى الجماهير نيابة عني.. وكان التوقيع: فريد الأطرش.. وعاش الجميع متخوفا من رد فعل جرأة فريد على قائد الثورة.. وأتت ليلة العرض الأول فى السابع من فبراير 1955 واشتد الزحام المعتاد أمام سينما ديانا التى لم يكن فريد يرضى عنها بديلا لعرض أفلامه، وحضر جميع نجوم الفيلم وعلى رأسهم يوسف وهبى ومريم فخرالدين وعبدالسلام النابلسى وإيمان.. و.. فجأة حدث الهرج والمرج ودبت الحركة غير العادية فى شارع عماد الدين ومن بعده الألفى وبدأت الموتوسيكلات البخارية ترسل أزيزها المستمر ليتبعها رتل من السيارات الرسمية السوداء، وأمام السينما توقف الموكب، ومن باب السيارة الأولى هبط.. السيد رئيس الجمهورية جمال عبدالناصر.. وبرفقته المشير عبدالحكيم عامر.. جاء الاثنان بصفة شخصية بالملابس المدنية أوائل الثورة ليصافحا الجميع ويصعدا للجلوس فى مقصورة فريد حتى نهاية العرض.. تماما تماما كما تمنى فريد.. وتماما كما توقع فنان يثق فى نفسه وفنه ورئيسه..
‎ولأنه ابن أصول.. ابن أمراء.. أمراء بحق وحقيقى ونشأ فى قصر كبير فيه الخدم والحشم ولولا الظروف الطين كان من الممكن أن يظل اسمه يسبقه لقب الأمير.. الأمير راح والأمير جاء والأمير فريد ماكانشى هنا ومشي.. لكن ورغم الضنك وما كابده من شقاء لحد التقوُت بجنيه فى شهر كامل.. رغم ذلك ظلت دماء الأمراء تجرى فى عروقه لتجعله لا يتنازل عن الأفضل والأجمل ومنزلة القمة على جميع المستويات حتى فى اختياره لنساء قلبه اللاتى إذا لم يكن ملكات وأميرات من قبل فإنه يرفعهن برعايته وعنايته وكرمه وحلو كلامه لمصاف الجالسات فوق العروش ليغنى لهن وعليهن: نورا نورا، وماتقولشى لحد، وانت اللى كنت بادور عليك، وإياك من حبي..
‎وألقاه.. فريد.. فى مكتب الصحفى الكبير كمال الملاخ بالأهرام.. فريد بعظامه وبدون لحمه عندما قرر العودة مرة أخرى ليجعل القاهرة مقرا لإقامته بعدما أنهى ارتباطه بالملهى الليلى الذى أقامه فى بيروت ودعا إليه عبدالحليم حافظ وإذ شرع يعزف له على العود قال له حليم: «لا يا فريد مكانك وغناءك ليسا هنا».. فريد.. لقيته مبتسما شاردا مجاملا متحملا لقذائف أسئلة الملاخ السريعة المتلاحقة الهابطة كالمطر.. فريد: سامية ولا مها؟! فيرد فريد: ما اقدرشى أقول آه وما أقدرشى أقول لأ على أى منهما، وعموما أفضل خفيفة الروح والظل.. المرأة الأنثي.. الشخصية الآسرة.. وأهم من هذا وذاك أن تكون وفية، والحمد لله وعادة وكثيرا ما وجدت كل هذه الصفات فى واحدة، ولكن عندما يفتر المزاج يفتر كل شيء، وإذا ما زهد الرجل فى امرأة أو زهدت فيه هى انتهت العلاقة بالطبع.. وتأتى قذيفة الملاخ موجهة لسويداء القلب المجروح: هل كانت أغنية «أنا وانت لوحدنا» خصيصًا لناريمان؟.. هنا لا يصبح وحيد مبتسما ولا مرحبا ولا متحملا وإنما منفعلا غاضبا: هذا كذب فلم يحدث أن التقيت بالسيدة ناريمان فى مقابلات خاصة بعد الشائعات التى أثيرت حولنا..‎.
ويسأل الملاخ: قالوا إنك طلعت في إعلان معجون أسنان؟ فيبتسم فريد بشق شفتيه التي لا ترى من خلالهما له أسنان: أيوه ودعكت أسنانى قدام الكاميرا وقلت استعملوا هذا المعجون علي الدوام، ولم أكن وحدي الذى ظهر في الإعلانات فقد جاء من بعدى أم كلثوم وعبدالوهاب وماجدة وفاتن وغيرهم بعد انتهاء الحرب العالمية والركود الاقتصادى الذى امتد لصناعة السينما.. ووافق كل هؤلاء علي الظهور في الإعلانات الملكية أى المرتبطة بالبضاعة التي تحمل اسم الملك فاروق..
ولتخفيف وطأة قذائف أسئلة الملاخ تسللت بسؤالى الطيب للفنان الأمير الطيب عن السر وراء اسم الأطرش فأجابنى من يزهو بلقب أمراء عدم السماع: إنها قصة لها تاريخ فأنا أنحدر من قبيلة المعنيون من اليمن التى دخلت فى حرب مع قبيلة التونوخيين وانهزم المعنيين وفر ثلاثة من جدودى وهم: إسماعيل، ونجم، وحمودة، لقرية بقاع سما بجبل لبنان واشتروا القرية وسمع الحاكم فحقد عليهم واستدعى جدى إسماعيل فذهب إليه خائفا متوجسا فما أن رآه حتى صاح فى وجهه: اسمك إيه؟ ومن شدة خوف جدى تظاهر أنه لم يسمع فأصدر الحاكم أمره: خذوا الأطرش ده من هنا.. ومن هنا حملنا اللقب.. «الأطرش»..
‎وشعرت بعدها بأن فريد أمير التحمل أمام سؤال الملاخ التالي: وإيه حكايتك بقى مع المخدات؟ وذلك عندما أتى رده طبيعيا وكأنه يدلى برأيه فى حوار سياسي.. من عادتى ألا يغمض لى جفن إلا والمخدة فوق رأسي، ولا تزورنى الألحان إلا وأنا مستند بظهرى إلى مخدة، وأحسن ألحانى سمعتها ودنى فى نومى وعلشان كده أنام وعودى جنبى فوق المخدة فإذا حلمت بلحن أصحو بسرعة وأعيده على العود ولا أعود للنوم إلا إذا سجلت اللحن الطارئ، أما إذا كنت صاحى وداعبنى لحن هيأه لى المناخ والجو أجرى أتمدد على السرير وآخذ المخدة في حضني لأنتقل مع اللحن والكلمات إلى جو تاني..
‎فريد فهد فرحان سلطان الأطرش فارس اللحن والنغم الذى قررت والدته «علياء» القدوم بأولادها إلى أرض الأمان.. إلى مصر.. إلى الثقافة والأدب والطرب.. إلى سعد زغلول الذى تقرأ عنه فى الصحف أنه شديد التعاطف مع ثورة سلطان باشا الأطرش الشبيهة بالثورة المصرية.. فرت علياء من بيروت قبل ساعات من تحرك الفرنسيين للقبض عليها واستقلت من يافا قطارا إلى مصر فلما سألها رجال الجوازات عن تأشيرة الدخول أجابت: سعد باشا يعرفنا قولوا له..
وأتى الإذن من سعد لتسكن مع أولادها فى شقة متواضعة فى باب البحر عام1923 وتبدأ قصة الكفاح بعدما نفد ما فى الجيب واختفى ما فى الأذن والصدر وجدران البيت، وأخذت بنصيحة الجيران بشغل مناديل بأوية للرأس، ودار فريد يوزع المناديل، ونما إلى علم حبيب جاماتى الصحفى بدار الهلال حكايتها وهو الذى عاش أسابيع مع ثوار جبل الدروز فعرض عليها الغناء فى مناسبات بيوت العائلات السورية فقبلت حتى سنحت لها الفرصة فى ملاهى روض الفرج لتذهب فى حراسة فؤاد وفريد، ووجدت الأم عنتا فى إلحاق أولادها مجانيا للتعليم بالمدارس الفرنسية تخوفا من لقبهم الأطرش فدخلوا المدارس تحت اسم كوسة.. فر يد كوسة وآمال كوسة.. واصطحب حبيب جاماتى فريد ابن الرابعة عشر بالشورت ليعزف على العود ويغنى فى حفل جمع التبرعات للأبطال الدروز الذين حاربوا الفرنسيين فأبدع الصغير ليرتجل أحد الشعراء العرب قصيدة من فرط إعجابه به يقول فيها:
‎غنى الفريد فأحكم الأوزانا والعود فاض عواطفا وحنانا
‎فكأننا فى أرض مكة سجدا وكأنه وحى الإله أتانا
‎وأمام رقة الحال وعدم السؤال ذهب فؤاد ليعمل فى مصنع للأسنان فى شارع حبيب شلبى بالفجالة، ودار فريد على الباسكلتة صبى إعلانات فى محلات اليهودى بلانش فى قلب القاهرة يوزع الإعلانات فى الأحياء القريبة والمتطرفة يضعها فى صناديق البريد وتحت عقب الباب ليتعرض لا محالة لمطاردة البواب، ووقتها كانت محطات الإذاعات الأهلية تملأ القاهرة مثل محطة إلياس شقال فغنى أغنياته الأولى فى مقابل جنيه مصرى واحد وهى الأغنيات التى جلبت له الشهرة فيما بعد.. وبدأ الفتى العربى القادم من جبل الدروز أولى خطوات طريق المجد، عندما غنى فى إذاعة القاهرة أغنيته الخالدة «ياريتنى طير لأطير حواليك». وفى عام1940 كان أول فيلم سينمائى لفريد وأسمهان هو فيلم «انتصار الشباب» بعدها أصبح عدد أفلامه31 فيلما آخرها فيلم «نغم فى حياتى» مع ميرفت أمين عام1973.. كما قدم480 أغنية وأوبريت ودويتو وقصيدة وأنشودة، ولحن لشقيقته أسمهان20 لحنا أولها «ياللى هواك شاغل بالى» كما غنى 25 مطربا ومطربة من ألحانه على رأسهم صباح وشادية وأسمهان ونورالهدى ونازك وفايزة أحمد وشهرزاد، ومها صبري وليلى مراد وشريفة فاضل، ونجاة علي، وفتحية أحمد، ووردة، والفنانين فهد بلان الذى غنى له من شعر صلاح جاهين «ماقدرشى على كده ومقام السيدة»، ولمحرم فؤاد عدة أغان منها يا واحشنى رد علي، ومحمد رشدى «عشرية»، ولإسماعيل ياسين مونولوج «الكذب»، ولحسن فايق «جلا جلا» ولعبداللطيف التلبانى وكمال حسنى ووديع الصافى وكانت هناك 6 قصائد غناها فريد بالفصحي منها: «لست وحدك»، و«أضنيتنى بالهجر» و«عش أنت» و«عدت يا يوم مولدى» هذا إلى جانب 8 أوبريتات أشهرها «الربيع»، و«بساط الريح»، و«يا عم يا سهار».. وقد حدث يوما اللقاء المستحيل على أرض مدينة برن بألمانيا وذلك فى عام1988 فى حفل أقيم بشقة أنيقة صاحبها الدبلوماسى وفاء حجازى، حيث جلس محمد عبدالوهاب يغني أغنية فريد الذائعة الصيت «حكاية غرامى» فرد فريد الأطرش التحية بأحسن منها عندما أمسك العود وراحت أنامله الذهبية تجرى على الأوتار بمقدمة لحن عبدالوهاب لينطلق صوته: «قالولى هان الود عليه».
‎ثلاثة على قمة الطرب قام فريدنا بتلحين أغنية لكل منهم لكنها لم تخرج إلى النور لتغدو من روائع الفن الخالد.. أولها كان للمطربة نجاة قيثارة الغناء من كلمات مرسى جميل عزيز ويقول فيها: «تعالى قبل ما يخلص نور الشمعة تعالى قبل الحب ما يصبح دمعة»، وثانيها لعبدالحليم حافظ من كلمات محمد حمزة تقول: «مفيش فى عمرى زمان من قبلك انت.. ومافيش فى قلبى مكان لغيرك انت يا هدية الزمان والعمر انت».. وكان السبب فى عدم اكتمال الخلق الفنى رغم قيام فريد بتلحين الكلمات تدخل أولاد الحلال أو أولاد.... الذين لم يكن يسعدهم مثل هذا اللقاء الفذ، وكانوا قد تدخلوا من قبل بين فريد وحليم ليعتذر عبدالحليم عن أداء أغنية «أنا هنا وقلبى هناك» من ألحان الأطرش بحجة أنها تصلح لمطربة وليس لمطرب، وتم فض الاشتباك بين المطربين الكبيرين فى حفل الربيع عام1970 الذى كان مقصورا على فريد فزاحمه فيه عبدالحليم.. وكان جمال عبدالناصر بشخصه هو من قام بفض الاشتباك وذلك في حفل زفاف ابنة عبداللطيف البغدادى، حيث جاء الزفاف في ذروة المعركة بين فريد وحليم قبل ليلة شم النسيم بأيام، وكان عبدالحليم مدعوًا ليغنى للعروسين فإذا بناصر يستدعيه علي عجل إلي مكانه المتقدم من المعازيم، فهرول عبدالحليم سعيدا، ولكنه صُدمَ عندما سأله الرئيس: مزعل الأستاذ فريد ليه يا عبدالحليم؟! ولم يكن أمام عبدالحليم سوى إلا أن يرد فقال: يا ريس.. فريد.. وقبل أن يكمل كلامه قاطعه الرئيس عبدالناصر: «الأستاذ فريد».. ولم ينطق حليم ببنت شفه، لكن الرئيس أكمل بأنه خلاص قد أمر أن يذيع التليفزيون والبرنامج العام حفل الأستاذ فريد، وسوف يسجل التليفزيون حفلك لإذاعته في اليوم التالي، وعندك صوت العرب تذيعه لك علي الهواء.. ولم ينطق عبدالحليم إزاء الموقف الرسمى.. ويطل فريد في موعده من أول ابريل 1970 من فوق خشبة مسرح سينما قصر النيل وعبر شاشة التليفزيون المصرى وميكروفونات إذاعتى البرنامج العام ومع الشعب، حيث ألقى كلمة حيَّا فيها الحضور شاكرًا مصر شعباً وقيادة ممثلة في الزعيم عبدالناصر علي ما لقيَهُ من عطف وتكريم، وبعدها انطلق بحماس ابن العشرين ليقدم أغنية وطنية جديدة تغنى فيها لمصر وزعيمها بكلمات مأمون الشناوى يقول مطلعها:
سنة وسنتين سنة وسنتين
وانت يا قلبي تقول أنا فين
وأنا دبت وتهت في أشواقك
وشفت النيل وعرفت أنا فين
يا مصر.. يا عمرى.. يا نور العين
‎وظهر الاثنان فى لقاء على الهواء ليباغت حليم فريد بقوله: معقول ازعلك يا فيرى وانت ق د والدي.. فأجابه فريد: وهو أنا لو عندى ابن زى حليم مش كنت علمته إزاى يحترم والده.. ويأتى الإحباط الفنى الثالث عندما لا يكتب للحن المثالى ألا يولد بينما كان خلوده فى عقد قران موسيقى فريد بحنجرة أم كلثوم، حيث ظل التلاقى أمنية حياته حتى النهاية لتقديره البالغ لها هو وشقيقته أسمهان الشغوفة العاشقة لصوتها والتى ما كان يجمعها بها مكان إلا وتختار أسمهان الجلوس عند قدميها كى ينساب صوت الست أول ما ينساب إلى أذنيها.. وفي ذكريات الشاعر أحمد شفيق كامل الذى نظم أول أغنية قدمتها ثومة من ألحان عبدالوهاب أنه كان قد التقى بها فى السعودية وهما يؤديان معا فريضة العمرة، وفى إحدى المناسبات بعدها راحت تستمع لبعض من نظمه فاختارت أغنية بعنوان «كلمة عتاب» وسألته عن الفنان الذى يرتأيه لتلحينها فتم الاتفاق بينهما على أنه فريد، وعندما عادا للقاهرة اتصل شفيق بفريد وأبلغه الخبر وسلمه كلمات الأغنية فانكب على تلحينها، وبعد فترة اجتمع بأم كلثوم ليسمعها اللحن فأعجبت به للغاية وقالت له على بركة الله.. لكنها فى اليوم التالى اتصلت لتقول: فى الحقيقة لحنك رائع لكن إيه رأيك لو غيرته من مقام النهاوند لمقام الراست علشان أتسلطن فيه أكثر وأكثر.. وهنا شعر فريد ببوادر الانسحاب بدبلوماسية كما شعر بأن أولاد ال.... قد دخلوا على الخط بينه وبينها مما جعلها تعتذر عن لحن أعجبت به، ومن يومها أدرك أنه لا ارتباط بينه وبين سيدة الغناء. فريد الذي أيقظه مبكرًا في صباح السبت 14 مارس 1970 جرس التليفون في شقته بالدور العاشر في العمارة 76 شارع النيل بالجيزة الشهيرة بعمارة فريد الأطرش ليفاجأ بأن محدثه هو صلاح الشاهد كبير الأمناء برئاسة الجمهورية الذى يزف إليه بُشرى إنعام الرئيس جمال عبدالناصر عليه بوسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، وفي صباح اليوم التالي دخل فريد إلي مكتب الشاهد بالقصر الجمهورى، وقد أعاده التألق والفرح عشر سنوات إلي الوراء ليمسك مع كبير الأمناء بالوسام أمام العدسات التى تبرز كلمات عبدالناصر: «من جمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة إلي الموسيقار الكبير الأستاذ فريد الأطرش.. تقديرًا لحميد صفاتكم وجليل خدماتكم للموسيقى، قد منحناكم وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، وأمرنا بإصدار هذه البراءة إيذانًا بذلك»، وأقيمت الاحتفالات تكريما للوسام وكان إحداها في حفل معهد الموسيقي الذى انعقد في سرادق أقيم بحديقة المعهد التي تطل علي شارع الجلاء، وتقدمت أم كلثوم الحضور ومعها سفراء الكويت ولبنان وسوريا والسعودية والوسط الفنى بالقاهرة.. وإلي جانب الوسام المصرى نال فريد وسام الخلود من فرنسا فى مطلع1976 باعتباره موسيقيا عبقريا ليغدو بالوسام فى مصاف بيتهوفن.. واختار له الموسيقار العالمى فرانك بورسيل مقطوعات زمردة وحبيب العمر ونجوم الليل وليلى ليعيد توزيعها وتسجيلها على أسطوانات، لتقوم بعزفها أشهر الأوركسترات العالمية ووضع اسمه فى سجل الفنانين الخالدين فى الموسوعة الفرنسية، وطبعت له فى الاتحاد السوفيتى أغنية يا زهرة فى خيالى لتباع منها ألوف الاسطوانات، وفى تركيا فاز بلقب أحسن عازف عالمى على الآلات الشرقية فى عام1962، وفازت أغنية «نورا نورا» بالجائزة الأولى فى مهرجان القدس الغنائي، وغنى كبار المطربين العالميين أمثال داليدا وأنريكو ماسياس مقاطع من العديد من أغانيه المعروفة ليجملوا بها غناءهم بعبق الشرق وسحره.. ويحق لفريد الأطرش أن يحوز على لقب مطرب العروبة فهو الذى يحمل الجنسية السورية بحكم ميلاده فى جبل العرب بسوريا، واللبنانية بمواطنة والدته، والمصرية التى منحت له وكان دائم القول لحم كتافى من مصر، بالإضافة إلى الجنسية السودانية التى منحها له الرئيس جعفر النميرى عام74، وظلت الوحدة العربية عقيدته وأمنيته أطلقها غناء فى أوبريت غناء العرب ثم فى بساط الريح عندما حلق به عبر أجواء العالم العربى من مشرقه إلى مغربه وتنقل بالنغم والإيقاع وكلمات بيرم التونسى ليغنى لتونس الخضراء وسوريا ولبنان بألحانهما الشعبية الشجية، إلى بغداد حيث الموال «يا دجلة أنا عطشان»، ومن بغداد لمراكش بلاد الحور والغلّة والزيتون، ومن قبل ومن بعد مصر، حيث يعاوده الحنين إلى وادى النيل.
‎ويزورنى وأزوره.. فيصل فؤاد الأطرش من فوجئت به حريصا متواريا يسكن فيللا نائية بضاحية المعادى يرفع أسوارها كالمتاريس ويعلق سيوف الدروز المرصعة على حوائطه ويجلس إلى بيانو عمه فريد الأطرش فكأنك عشت من جديد مع الصوت والصورة والنغم.. مع فريد.. تنصت للحن الخلود وتستعيد وتقول لفيصل الله يا فريد.. حارس الكنز الذى يخاف عليه من الضياع فيخفيه دهرا لحين التوقيت المثالى للكشف عنه، وفى ظنى بعد اطلاعى على خبيئته أن طول انتظار فيصل قد أضاع الكثير من التوقيت والمثالية.. عشرات.. مئات.. آلاف الصور من قلب تاريخ لبنان وفلسطين وجبل الدروز والاستعمار الفرنسى وجد فريد وأبو فريد وأم فريد وأسمهان «الأميرة آمال» لقطات لها بالذات تملأ حقائب مترعة للسفر تشاهدها لترى أسمهان أخرى غير التى نعرفها توزع صينية القهوة فى غرام وانتقام ويكتب عنها التابعى مذكراته فى آخر ساعة، ويلحن لها شقيقها فريد أنا اللى أستاهل كل اللى يجرى لي.. أسمهان بين قادة ورتب عسكرية عالية المنزلة.. أسمهان مع ديجول فى لقاءات حميمة.. ديجول ينحنى ليقبل يد حسناء ليالى الأنس.. و.. أحاول عبثا مع فيصل كتابة تاريخ جديد نستخدم فيه الوثائق النادرة واللقطات الفريدة لفريدة والأميرة آمال فيدخلنى فى متاهات الذكريات بلا طائل ويعرض بعدها مسلسل أسمهان، وقد خلا من أهم لقطات حياتها التاريخية التى لعبت فيها دورا بالغ الأهمية في الحرب العالمية الثانية.
ونزور مقبرة فريد الأطرش فى البساتين لنلتقى بأم حسين حارسة القبر العجوز الذى ناله حريق مريب.. نسألها عن زوار المكان الموحش فقالت إن شقيقه فؤاد لم يأت منذ وفاة فريد إلا مرة واحدة وكانت قبل وفاته هو بستة أشهر.. أما من كانت تزوره على فترات متقاربة فهى سلوى القدسى السيدة الحسناء التى خطبها فريد ولم يمهله القدر لاتمام الزواج منها وكان وجهها آخر وجه رآه قبل وفاته فى مثل تاريخ الأمس 26 ديسمبر منذ أربعين عاما..
أستاذ فريد.. إذا ما كنت قد اشتريت الحب بالعذاب، فأبدًا لم تكن وهماً ولا سرابًا، ولا وحيدًا، بل تاريخاً فنياً مجيدًا نقشته بأريحية علي جدران النغم بالصوت والألحان.. لنظل علي الدوام.. ننادي عليك..
أحكام شريعة الغاب
الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها، وتموت بكامل إرادتها وعزمها وتصميمها ولا تعيش تحت وطأة ذل الرِق الداعشى الهمجى الرافع زيفاً لواء الإسلام على أرض العراق، لتتراكم الأحزان جبالا، وتغدو الدموع أنهاراً، ويثور دجلة وتجف ينابيع الفرات، وكل الكلام يقصر، وكل الكلام يضيع فى بلد لا انعكاس لشمس عليها بل ظلمة القهر المرير.. لتروى «وفاء» إحدى الأيزيديات ضمن المئات اللاتى قامت داعش بأسرهن منذ شهرين بشمال العراق لتقديمهن سبايا لإرهابى التنظيم الإسلامى الذى قام بإبادة جماعية للإيزيديون العراقيين الذين لجأوا بالآلاف إلى جبل سنجار، حيث كتبت مجلة «دابق» التى يصدرها التنظيم الإرهابى بالإنجليزية: «بعد القبض على النساء والأطفال الأيزيديين تم بعون الله توزيعهم وفقاً لأحكام الشريعة الداعشية على مقاتلى الدولة الإسلامية الذين شاركوا فى عمليات الانتصار فى سنجار وبهذا نُعيد جانباً من أعمدة الشريعة الإسلامية إلى معناه الأصلى باستعباد الناس بعكس ما ادعت بعض المعتقدات المنحرفة الخارجة عن أحكام الشريعة».. روت وفاء: «قدموا إلينا ملابس خليعة أشبه ببذلات الرقص طالبين منا ارتداءها بعد الاستحمام، حيث قامت العشرات منا بالانتحار داخل الحمام إما بقطع أوردتهن، أو بلف كل اثنتين منا عنقها بوشاحها وربطه بوشاح الأخرى ثم ابتعادنا كل منا فى جهة بأقوى ما يمكنها، إلى أن فقدت الوعى، وبقيت بعدها لا أستطيع النطق حتى وجدت لى مهرباً تاركة غيرى من الفتيات الصغيرات إما جثثا مختنقة زرقاء أو غارقة فى الدماء، أو أمواتاً على قيد الحياة تحت تهديد السلاح والاستعباد والاغتصاب باسم الإسلام فى ميادين النخاسة»!
نقلا عن " الاهرام " المصرية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.