انفصامنا الأبدي زهير قصيباتي حين يعترف عدد من القادة بأن أخطر ما يواجهه «النظام العربي» هو تغلغل النفوذ الإيراني من المحيط الى الخليج، وترد طهران بإبداء كل النيات الطيبة، فتعرض طوعاً التدخل للتوسط بين دول عربية تواجه العلاقات بينها تشنجات وتوترات وأسى مضمراً ومعلناً... لا بد ان تكون المشكلة مَن يسخر ممّن؟ وحين تتحسن صورة اميركا في العالم، قد يستفز الفضول شيئاً مما بقي من أضغاث احلام الاستقرار في المنطقة، وفضولاً آخر للبحث عن دور عربي في تلك الصورة! ولعل الخيط بين سمعة اميركا ونفوذ إيران وصورة المنطقة لا ينتهي إلا عند ذاك الدور الذي ظاهره كيل الشتائم لجورج بوش وباطنه تقديم كل ما يخدم نفوذ واشنطن، ويضخّم رِكابها وفلكها. في آخر استطلاعات الرأي، تتحسن صورة أميركا في حدود طفيفة... وحدود النقمة على نفوذها وسياستها تجمع ثلاثة أرباع الشعب المصري مثلاً، ومعدلاً أقل قليلاً لدى اللبنانيين. الأتراك كالمصريين، رغم تحالف المصالح القديم بين أنقرةوواشنطن، و «الصداقة» المتينة بين القاهرة والولايات المتحدة التي لا ترتدع عن استفزاز الحكم في مصر، كلما تحيّنت فرصة للضغط على سياسته الإقليمية. ولمن لا يصدق ان هناك رابطاً ما يقرّب شعبية الأميركي الى سمعة النهج الإيراني، رغم عداوتهما الظاهرة، قد يكون البرهان احتلال طهران الصدارة بين أسوأ 14 دولة نفوذاً في العالم. أما السؤال حول تصنيف نفوذ العرب، فله الجواب الأكيد في انتصارات الفلسطينيين الآن، وأخوّتهم وتعاضدهم لحماية النعيم الذي جنوه وفاض عنهم الى أشقائهم العرب، بعدما أقاموا الدولة العادلة، ولم يتركوا فقيراً في غزة والضفة إلا وجرّوه الى فردوسهم، ولم ينسوا فماً إلا وأطلقوا لسانه في ربيع ديموقراطية السلطتين. والجواب ايضاً في عراق ما بعد «التحرير» حيث يعلّم العراقيون الأميركيين فضيلة التسامح، والترفّع عن الدسائس وروائح النفط المنهوب، وإيثار الوحدة الوطنية على الحزبية والطائفية والمذهبية وطاعون الميليشيات «الذكية». وأما ذاك الدور «الذكي» فلا يكشف (هل بقي أمر لم ينكشف؟) سوى حال الانفصام الأبدي لدى واحات الصمود في دنيا المنطقة... حيث «يسطع» من يحرّض على كيل خزانات الشتائم الى أميركا، ويطلب شهوداً على «واقعيته» في التناغم مع واشنطن، والتعاون ولو في البحر. لم ينسَ العرب بعد، درس «العقلانية» الليبي وخطابه في قمة دمشق، والنصيحة الذهبية بالتنبّه الى الغدر الأميركي الذي جرّ صدام حسين الى حبل المشنقة، والتيقظ للدور الآتي وفتح العيون على تقاطع المصالح في «الأخوّة العربية - الإيرانية»... فلنكن مع خامنئي ضد أميركا، ولم ينسَ العرب أن طهران الأكثر «عقلانية»، لم تستطع ان تبادل التحية الليبية إلا بالإصرار على هوية الجزر الثلاث «الإيرانية» في الخليج. حال الانفصام مديدة، وبلاغة الخطاب في انتقاد فشل القمة، رغم كل ما حصل فيه من شدّ لأزر روابط العرب، أو استفزاز تقصيرهم وعجزهم بتجربة الاتحاد الافريقي وغيره... تنتهي بالصمت مع ديبلوماسية البوارج، إذ تنضم ليبيا بلا ممانعة الكلام الى المناورات الحربية مع الأسطول السادس الأميركي ودول الحلف الأطلسي بعد خمسة أيام، لتمخر العباب المتوسطي، ولكل شقيق ان يتعلّم. صراخ وشتائم، ولكن «بواقعية»، هي ديبلوماسية ممانعة حيال مصير صدام. وحين يتعرّى الانفصام لا تزداد معضلات «الثورية» إلا تخبطاً في فضاء النفوذ الأميركي، وهو لم يعد في حاجة إلا ليبادل الصراحة بمثلها، فكيف عن التسلل حين كان يخشى غضب «الثوريين» وأنظمتهم. حال انفصام أبدي، الشتائم زهيدة الثمن، في القاعات والشارع... الأعلام مرفوعة، والبوارج تفتش عن مرافئ المتطوعين الجدد. عن صحيفة الحياة 3/4/2008