«غسل القلوب» في حوار اللدودين زهير قصيباتي يبدو الرئيس جورج بوش في واد وشعبه في واد آخر. مع ذلك يصر الأول على تصحيح الخطأ بأخطاء، متوهماً بأن حماسة الأميركيين لتمرين القوة في العراق وأفغانستان ما زالت كما كانت، منذ الغزو الذي أطاح صدام حسين، وقبله حركة «طالبان»... متقدة بالغضب من هجمات 11 أيلول (سبتمبر). من عالمه المأخوذ بوهم «النصر»، يعزف الرئيس الأميركي على أوتار «القاعدة» وخطرها، فيما الرأي العام في الولاياتالمتحدة يرتب أسوأ التهديدات على النحو الآتي: إيران فالعراق فالصين. خمسة في المئة فقط من الأميركيين يعتبرون تنظيم «القاعدة» في طليعة التهديدات، وإذا رغب بوش في ان يسمع، سيكتشف بطلان كل طروحاته حول «الحرب على الإرهاب» التي صنّف العراق ساحة رئيسية لها. وإذا كان مثيراً للاهتمام منح إيران المرتبة الأولى الممتازة في قائمة مصادر الخطر، فالذين شملهم آخر استطلاعات الرأي لا ينسون بالتأكيد ان العراق هو ساحة المواجهة الرئيسية بين أميركا وطهران المتهمة بتسليح الميليشيات هناك، وعرقلة المشروع العسكري - السياسي لإدارة بوش. قد يكون القلق من تخيل ايران بأسنان نووية، ومعه تحذيرات الإدارة من احتمال نقل السلاح النووي الى ميليشيات أو تنظيمات متطرفة وراء تصنيف التهديدات التي تحتم أولويات في المواجهة... وقد يقال إن من العبث تقصي إمكانات استدارة بوش ليأخذ «متعقّلاً» بنصائح بيكر - هاملتون الداعية إلى فتح حوار مع طهران. لكن الواقع، ان محادثات السفيرين رايان كروكر وحسن كاظمي قمي في بغداد، تبدو ممهدة لما يتجاوز حاجة البيت الأبيض الى مجرد حوار، لتهدئة القتل الجماعي في العراق. يمكن طهران ان تدعي تسجيل إنجاز سياسي في لقاء السفيرين، ليس فقط لأنها «استدرجت» اميركا الى محادثات علنية، بل كذلك لقبول واشنطن اقتراحها تشكيل اللجنة الأمنية الثلاثية التي سيلعب فيها العراقي دور الشاهد على جهود «الشريكين» - الخصمين لتهدئة الأمن في بلاده. وتلك مساعٍ مسارها الفعلي لا ينتهي إلا في ملعب الاستراتيجية المنقحة للرئيس المتداعية صدقيته. أما ترداده لمقولة «اختبار السلوك» الإيراني، فلن يبدل الآن حقيقة مَن استدرج الآخر، وأن طهران تطمح الى المزيد، إذ تعد بوش بدرس أي طلب لرفع مستوى الحوار الى نائب وزير خارجية! هل يمكن بعد ادعاء إحكام طوق العزلة على حكومة محمود احمدي نجاد؟ قد يتندر الإيرانيون بأن صخب حوار الثلثاء تمهيد حتمي ل «غسل القلوب» بينهم وبين الأميركيين، بعدما فشل بوش ومعه المحافظون الجدد في «كسب عقول» العراقيين، وحققوا إنجازاً باهراً في قطف مزيد من العداء في المنطقة. وحين تكون «حماس» و «حزب الله» حاضرين في بغداد الثلثاء، هل يبقى مجال لدحض «إشاعات» الحوار الإقليمي الشامل بين طهرانوواشنطن، وإسقاط شبهات الصفقات؟ إنه بداية المسار الأميركي - الإيراني على السكة العراقية، مهما قيل عن تولي بغداد دور ساعي البريد في اللجنة الثلاثية السياسية - العسكرية. ولعل إشراك العسكر يوحي بذاته بطبيعة المدى الذي يمكن ان تبلغه لغة غسل القلوب وتحسين السلوك، كأن يكلف الجيش الإيراني التحقق من تهريب صواريخ صينية الى العراق، ورصد تسلح الميليشيات هناك، ومنافذ «التهريب»... وملاحقة من يدعمون عناصر «القاعدة». ومن دون فتح صفحات الحرب على «طالبان»، والدور الإيراني «الصامت» أو «المحايد» كما سمته طهران، تدرك بالتأكيد ان فترة الاختبار الأولى للجنة الثلاثية تتطلب أوراق اعتماد او شهادات بحسن النية، قبل ان يقدم كروكر وقائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بترايوس تقريرهما الى الكونغرس. وإذ يأتي التقرير حاسماً لإنقاذ بوش أو إعلان فشل استراتيجيته، تتبدى أهمية الاختراق الإيراني في استدراج البيت الأبيض الى اختبار التعاون مع طهران التي يصنّفها في «محور الشر». هو إذاً امتحان لحوار «صاخب» بين مَن لا يزال «الشيطان الأكبر» في أدبيات خامنئي المناهضة ل «غطرسة» الأميركي، وبين مَن يعتبره بوش الراعي الأكبر ل «محور الشر». ومَن يدري، ربما لن يكون بعيداً يوم يشكل الجيشان الأميركي والإيراني دوريات مشتركة على حدود العراق، لضبط نوافذ التهريب، وإغلاق بوابات «القاعدة». أما مَن يبدأ في تسديد الفواتير، ففي طهران ما زال الجواب هو العقدة. عن صحيفة الحياة 26/7/2007