احمدي نجاد في بغداد.. زيارة تاريخية ولكن.. بأي معنى؟ محمد خرّوب لا مبالغة في وصف زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لبغداد، بأنها ''تاريخية'' لكن بأي معنى هي كذلك؟. يصعب الوقوف على سبب واحد، لأن المسألة تنبع من أي زاوية يقرأ المتابع أو المحلل، البعد ''التاريخي'' لهذه الزيارة، وأي استراتيجية تنظم هذا الحدث، الذي سيكون له توابعه، كما زوابعه، أكلافه واستحقاقاته على حد سواء.. مكاسبه والخسائر التي ستلحق بهذا الطرف او ذاك في المعادلة العراقية المعقدة، والمفتوحة على اتساعها لعقد صفقات تبدو قد نضجت أو في طريقها للنضوج، على رغم سحب الفوضى الداكنة التي تتجمع في ''سماوات'' المنطقة، ان لجهة ''المحرقة'' المستمرة في غزة بتواطؤ دولي وصمت عربي مريب، أم في ''دبلوماسية البوارج'' التي دشنتها ادارة بوش بارسال المدمرة كول قبالة السواحل اللبنانية، أو قل في المياه الدولية المطلة على الساحلين السوري واللبناني.. ان يذهب احمدي نجاد الى بغداد بعد خمس سنوات من الاحتلال الاميركي البريطاني للعراق، يعني ان ثمة ما يبحثه الرئيس الايراني مع ''المسؤولين'' العراقيين، وخصوصاً مع رئيس الجمهورية جلال طالباني، الذي وجه الدعوة الرسمية له، كما إستذكر واياه كفاحه في فترة النضال ضد الديكتاتورية، كما قال الرئيس الايراني.. واذ لم يتردد احمدي نجاد في وصف مباحثاته مع طالباني (الذي لا دور تنفيذياً له في صنع القرار العراقي بما هو محصور في يد رئيس الوزراء دستوريا).. كانت جيدة وايجابية للغاية مستطرداً ''.. لدينا اتفاق في وجهات النظر في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية''.. فإن التسرع في الخروج باستنتاجات حاسمة ازاء نتائج الزيارة، سيكون نوعاً من المغامرة وبخاصة ان القرار في النهاية سيكون لادارة الاحتلال، بصرف النظر عن كل ما يقوله المسؤولون العراقيون بدءاً من رئاسة الجمهورية وهيئتها وبخاصة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الذي لاحظ مراقبون غيابه ونوري المالكي، عن استقبال نجاد في المطار مروراً برئاسة الوزراء وليس انتهاء بمجلس النواب. ثم إن أي ارتقاء بمستوى التنسيق او عقد اتفاقات ثنائية وخصوصاً اقتصادية وأمنية، سيخضع لتدقيق وفحص شديدين من قبل قوات الاحتلال الاميركي لان المسألة تتجاوز مسألة الجغرافية و''حكاية'' الجيرة التي ''ابتدعها'' الرئيس بوش عندما ''تحفظ'' عن معارضة زيارة نجاد العراق قائلا في رد على سؤال عن الزيارة وإمكان ان تعطل الجهود الاميركية لعزل طهران: إن نجاد ''جار'' للعراق مستطرداً ان الرسالة ينبغي ان تكون الآتية: كفوا عن ارسال معدات متطورة تقتل الجنود الاميركيين، في اشارة واضحة الى العبوات الناسفة التي تتهم واشنطنطهران بتزويدها للذين يقاتلون الاميركيين في العراق. نبرة بوش غير حاسمة ومفرداته تترك الباب موارباً امام احتمال حدوث صفقة او تلميح بأن المفاوضات بين الجانبين (والتي أجّلتها طهران من جانب واحد) يمكن ان تسفر عن توافق، يسمح لطهران بمزيد من النفوذ في العراق مقابل مساهمة ايران في تسهيل خروج مشرف للاميركيين من العراق. لا أحد يشير أو يتحدث عن الملف النووي الايراني في الزيارة، لا في واشنطن كما ليس في طهران أو بغداد، والموضوعات قيد البحث تتعلق بما هو ''آني'' إن جاز القول، وحصر النقاش في العراق ليس محض صدفة، لأن الطرفين الايراني والاميركي ارادا اختبار قواعد اللعبة على الساحة العراقية، واذا ما تم الالتزام بتلك القواعد ونجح كل منهما في تأمين البضاعة المطلوبة لكليهما فانها (التوافقات والتفاهمات) يمكن ان تنسحب لاحقاً على ساحات وجهات اخرى وملفات اخرى.. هي اذاً خطوات محسوبة بدقة من الطرفين فلم يجد الرئيس الايراني ما يحول دون ذهابه الى المنطقة الخضراء ضيفاً على الرئيس العراقي (وفي مقره).. وليس لديه أي حساسية في المرور عبر حواجز التفتيش الاميركية التي تحمي هذه المنطقة (وهو بالتأكيد لن يتعرض لتفتيش او عرقلة) كما لم تر ادارة بوش في الزيارة ما يغير من جدول اعمالها الروتيني لأن القرار في النهاية لها وليس لطالباني او المالكي او عبدالمهدي او الهاشمي. اين من هنا اذاً؟. لا نتائج دراماتيكية لهذه الزيارة التاريخية لأول رئيس ايراني يطأ ارض العراق رسمياً منذ الثورة الايرانية في شباط 1979، والحديث ''العراقي'' عن ترحيل منظمة مجاهدي خلق هو للاستهلاك المحلي ولا رصيد له لأنهم (مجاهدو خلق) في النهاية ورقة في يد قوات الاحتلال الاميركي، تماماً كما كانوا في يد النظام السابق، وكلاهما استخدم ''المنظمة'' لاهداف تكتيكية لم تستنفد ''حتى الآن'' بالنسبة للاميركيين. اما اتفاقية الجزائر الموقعة بين عراق احمد حسن البكر (وقعها نائبه صدام حسين) وايران الشاه في العام 1975 لرسم الحدود بين البلدين واقتسام شط العرب بينهما، فانها فيما يبدو لن تمس ولن تخضع للالغاء او التعديل كما طالب بذلك بعض المسؤولين في هيئة الرئاسة (...) لسبب بسيط وهو ان ليس لدى هؤلاء من القوة والنفوذ والقدرة (هذا ان توفرت الرغبة) على ''ارغام'' طهران قبول ذلك.. خلاصة القول... احمدي نجاد يذهب الى بغداد لملء الفراغ الكبير الذي اوجدته ادارة بوش، وحيث لا احد من العرب قادر او راغب في ملئه، فان ايران تلعب ادواراً تخدم مصالحها الاستراتيجية ولا نحسب ان احداً يلومها على ذلك، ما دام اصحاب الشأن ينامون كأهل الكهف. .. انها لعبة مصالح ''تاريخية'' ايضاً. عن صحيفة الرأي الاردنية 3/3/2008