(لا أحد يريد أن يحارب من أجل إسرائيل)، كانت تلك صيحة براين ماكجينيس جندى مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، وهى قوات النخبة، أثناء حضوره جلسة مجلس الشيوخ، المخصصة لفكرة التدخل فى الحرب ضد إيران، والرجل سبق له أن شارك فى أحد أخطاء السياسة الأمريكية الكارثية، عندما قررت فى أبريل2003 غزو العراق، شاهد العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعى كيف تم إخراجه من القاعة عنوة، بعد أن نجح فى توصيل رسالته إلى كل العالم، وحقيقة الأمر أن واشنطن تحارب من أجل الإبقاء على نتنياهو شخصياً، الذى ناشد الرئيس ترامب منذ أيام نظيره الإسرائيلى بإصدار عفو عنه، من تهم قد تؤدى به إلى السجن، ومبرره إتاحة الفرصة له للتفرغ للحرب على إيران. وللتاريخ، فإن نتنياهو ظل طوال حياته السياسية، التى استمرت سواءً فى المعارضة أو فى رئاسة الحكومة، طوال 17عاماً، يمارس ضغوطاً على كل الإدارات الأمريكية، ودفعها لمواجهة إيران عسكرياً، دون أن يستجيب له أحد، حتى فى زمن الرئيس جيمى كارتر، بعد أزمة احتجاز الرهائن، والتى بدأت بتعرض السفارة الأمريكية فى طهران لهجوم المتظاهرين فى مارس 1979، وأسفر عن مقتل عدد من الموظفين، وتكرر فى نوفمبر من نفس العام، بحشد من ثلاثة آلاف متظاهر إيراني، بعضهم مسلح، حيث تم احتجاز63 أمريكياً داخل السفارة، لمدة 444 يوماً، اكتفى كارتر يومها بالقيام بعملية محاولة فاشلة للإفراج عنهم، وكان ذلك وراء إخفاقه فى الانتخابات، وخسرها أمام ريجان، حتى تم الإفراج عنهم بجهود من الجزائر، عبر طاولة المفاوضات والوساطة بين الطرفين، ومن يومها لم يفكر أى من الرؤساء السابقين فى الهجوم على إيران، وكأنه خط أحمر طوال 47 عاماً هى عمر الثورة الإيرانية، واكتفى الجميع بمقاربة فرض حصار طويل، وعقوبات على شخصيات قيادية، وتجميد الأصول التى وصلت إلى120 مليار دولار فى العديد من دول العالم. ولم ييأس نتنياهو، إلى أن وجد ضالته أخيراً فى الرئيس ترامب، ليساعده فى تحقيق أهدافه، الذى لم يخفها بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، حسب تصريحات منذ أيام، ووقع ترامب فى فخ نتنياهو، خاصة مع تواصل زياراته للبيت الأبيض، والتى وصلت إلى ثمانية خلال أقل من 14شهراً من وجود ترامب فى الرئاسة، وشاركت واشنطن فى الهجوم مرتين، الأولى فى يونيو الماضي، فى عملية (مطرقة منتصف الليل)، وكررها فى 28 من الشهر الماضي، فى عملية (الغضب الملحمي)، مع ملاحظة حجم التغيير فى توجهاته عن ولايته الأولي، فعندما قرر اغتيال قاسم سليمانى قائد فيلق القدس فى الحرس الثورى الإيراني، فعلها فى العراق، وليس داخل إيران، ووصل إلى استهداف الرمز الدينى خامنئي، كما كان أكثر ميلاً إلى التفاوض كبديل عن المواجهة العسكرية، وخالف وعوده والتزامه، بالخروج النهائى من حروب الشرق الأوسط ، وشعاره الأثير لديه، (أمريكا أولاً)، الذى تبناه منذ صعود نجمه السياسي، لم يصمد ترامب طويلاً، ووجد نفسه غارقاً فى مواجهات على أكثر من ساحة، حيث فرضت على واشنطن المشاركة فى الهجوم، وهو ما اعترف به وزير خارجيته ماركو روبيو، وحاول ترامب التخفيف من وقع تصريحات وزيره، بالادعاء عن أنها كانت الفرصة الأخيرة، والأفضل لضرب إيران، ولم يعد خافياً على أحد افتقار إدارته للخبرة السياسية، والعمل على ملفات الشرق الأوسط، كما لو كانت صفقات عقارية، كما تتسم شخصيته بنرجسية شديدة، تبحث عن نصر سريع، وتروج لإنجازات ليس لها أى وجود على أرض الواقع، وساعد نتنياهو فى تحقيق هدفه، التأثير الضخم لتيار المسيحية الدينية النافذ فى الإدارة الأمريكية، والذى يتعامل مع تصعيد الحروب فى الشرق الأوسط، كجزء من حروب دينية، تشمل حربا كبرى (هرمجدون)، يموت فيها ثلثا سكان العالم، كشرط لعودة المسيح وحلول يوم القيامة. وتكشف سيل التصريحات التى خرجت من ترامب وأركان إدارته، حالة التخبط الواضح فى تحديد أهداف الحرب، ففى البداية تحدث ترامب عن رغبته فى مساعدة الشعب الإيرانى فى نيل حريته، والإطاحة بالنظام القائم، ووصلنا إلى القبول بالتغيير من داخل النظام، ووجود رجل دين على رأس السلطة، شريطة المشاركة فى اختياره شخصياً، وقد أبدى امتعاضه باختيار مجتبى خامئنى مرشداً أعلي، ومرة ثالثة يفسر سبب المشاركة، بإجهاض مخطط طهران الاستيلاء على الشرق الأوسط، وبعدها يتحدث عن السعى إلى التفاوض وعقد صفقة معه، وأخيراً، يبشر بانتهاء قريب للحرب، بينما مساعداه وزيرا الخارجية والدفاع، يشيرون إلى تدمير البرنامج النووى الإيراني، وقدراتها الصاروخية، وقد بدأت مؤشرات خسارة ترامب للمواجهات، أو الاستمرار فيها، من خلال ظهور بواكير معارضة للتورط فى الحرب، خاصة مع غياب الحسم، أو تحقيق إنجاز سريع، حيث كشفت استطلاعات الرأى عن انخفاض ملحوظ فى عدد الداعمين للحرب، خلال أسبوع، وأشارت «سى إن إن» إلى الأرقام، من59 مقابل41 بالمائة، وحاول الديمقراطيون كبح جماح ترامب، ولكنهم فشلوا بفارق ضئيل 47 مقابل 53 صوتاً، كما أن التصويت فى مجلس النواب مشابه،219مقابل212 نائباً، كما بدأت الخلافات تظهر داخل تيار المحافظين نفسه، بانتقادات من شخصيات مؤثرة فى حركة (ماغا)، التى اعتبرته مناقضًا مع شعار(أمريكا أولاً)، وسترتفع أصوات المعارضة مع استقبال جثامين الجنود من ساحة العمليات، والتى بدأت بستة جنود يوم السبت الماضي، وستتضاءل أكثر من الارتفاع الجنونى المتوقع فى المحروقات والأسعار بصفة عامة، مع الأزمة فى خطوط الإمداد الدولية، وهناك مخاوف من أن تكون الحرب، سبباً فى فقد الحزب الجمهورى أغلبيته البسيطة، فى التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر المقبل، مما يصعب من مهمة ترامب وإدارته فى السنوات الباقية من ولايته. وتظل الحقيقة المرة، ودون استباق الأحداث، التأكيد على أن نتنياهو هو الفائز الوحيد من هذه الحرب دون سواه، حيث يمكن استثمار نجاحه فى إدخال واشنطن شريكاً فى حرب إسرائيلية، للمرة الأولى فى تاريخ العلاقات بين البلدين، بالفوز فى الانتخابات القادمة أكتوبر المقبل، فى ظل إجماع بين النخبة السياسية والشارع، على ضرورة الاستمرار فيه، وتوسيع العدوان على لبنان، كما استطاع إنهاء أى اهتمام دولى بالقضية الفلسطينية، والوضع فى غزة، أو تنفيذ الاستحقاقات الواجبة عليه.