مؤتمر السلام قضية عربية! د. عبد المنعم سعيد لم يكن السلام العربي الإسرائيلي ابدا قضية الولاياتالمتحدة الأولي لأنها باعتبارها قوة عظمي, والآن وحيدة في العالم, لديها من القضايا والمشكلات ما يجعلها تعطيه اولوية متواضعة خاصة في عهد الرئيس الحالي جورج بوش وبالتأكيد فإن الورطة الأمريكية في العراق, والمعضلة الكبري في افغانستان, يسبقان بمسافات بعيدة كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والاراضي العربية المحتلة,, كذلك لم يكن لهذا السلام اولوية قصوي لدي الدولة الإسرائيلية لأنها تمتلك في يدها الجائزة الكبري للصراع وهي ارض فلسطين وفوقها اراض في الجولان ولبنان, وهي تستخدم هذه الجائزة في جذب كل ما تستطيع من مستوطنين تزرعهم يوما بعد يوم في اراضي الضفة الغربية, وفي المقدمة منها القدس. ومن المدهش ان بعضا من كتابنا المعترضين علي أي خطوة لتحقيق السلام العربي الإسرائيلي يدمنون الاعتماد علي الصحف الإسرائيلية وينقلون عنها آرائها التي تقول ان خطوات السلام لن تؤدي الي شئ بل ان الصراع واستمراره هو من طبيعة الاشياء, وهكذا لا يكون هناك مفر من استمرار الامر الواقع الذي تبقي فيه اسرائيل محتلة للأراضي العربية من ناحية, ويبقي الشعب الفلسطيني تحت الهيمنة الكاملة الاسرائيلية من ناحية اخري, بينما إسرائيل نفسها تزدهر تكنولوجيا واقتصاديا حتي يصل متوسط دخل الفرد فيها إلي26 ألف دولار. ومن المدهش اكثر ان هناك سباقا عربيا كبيرا علي من يكون له قدرة اكبر علي تنفيذ أية حجة تدعو الي العمل علي نجاح لقاء السلام المزمع عقده في ولاية مريلاند الأمريكية خلال النصف الثاني من الشهر المقبل او خلال شهر ديسمبر المقبل, واعتبار هذه الحجة نوعا من الخيانة في أسوأ الاحوال, والعبط السياسي في احسنها, والمشكلة في ذلك ان انصار هذا الرأي لا يقولون لنا ابدا إذا كان ذلك هو الحال السيئ في مبادرة تتبناها الولاياتالمتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا اعضاء اللجنة الرباعية, فما هي المزايا السياسية والاستراتيجية لاستمرار الاوضاع الراهنة علي ماهي عليه؟ وهل يعد تكثيف الاستيطان واستمرار الاحتلال, والعنت والظلم الذي يقع تحت طائلته الشعب الفلسطيني, من البدائل الافضل حالا مقارنة بالتسوية التي مهما كانت مثالبها, وهي بالتأكيد كثيرة, فإنها سوف تؤدي الي الجلاء الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة في يونيو1967, وهل إذا بقيت الاحوال علي ما هي عليها سوف يعود اللاجئون الفلسطينيون الي ديارهم مرة اخري, أم ان اجيالهم المتعاقبة في المنافي ومعسكرات اللاجئين سوف تنكسر قدراتها وتبدأ في الرحيل الي حيث يوجد يوجد من يقبل بهم ويعطيهم عملا وكرامة ؟ الإجابة عن هذه الأسئلة بنزاهة لا تجعل خيار الامر الواقع واستمراره افضل حالا من المحاولة في انابوليس الأمريكية, فحتي لو فشلت فإنها لن تكون اول او آخر المحاولات الفاشلة حيث سبقتها محاولة اوسلو خلال التسعينيات ومحاولة كامب ديفيد في صيف2000 وفي الحقيقة ان مفتاح نجاح اي من محاولات حل الصراع العربي الاسرائيلي لا يقع في اليد الامريكية, وبالتأكيد ليس في اليد الاوروبية, او حتي الاسرائيلية, وإنما يقع المفتاح في اليد العربية ولمن يعود الي التاريخ مرة اخري سوف يكتشف ان محاولات الرئيس كارتر لحل الصراع كانت قد وصلت الي طريق مسدود حتي اخذ الرئيس السادات الامر بيده لكي يغير معدلات المصالح والاوضاع في المنطقة كلها حتي استعاد سيناء كاملة غير منقوصة, وقد كان ممكنا في تلك الفترة ان تضرب مصر كفا بكف, وتتحسر علي الضعف الامريكي, والغطرسة الاسرائيلية, وتطالب العرب بوحدة الجبهة الشرقيةوالغربية استعدادا لنضال سوف يطول ومع طوله يستمر الاحتلال الاسرائيلي لسيناء وتضيع اجيال من المصريين استعدادا ليوم انتصار قادم من رحم المستقبل, ولكن مصر لم تفعل ذلك لأنها عرفت من تجربتها في هزيمة1967 وفي انتصار1973 ان هناك حدودا لاستخدام القوة العسكرية, وان الرابطة العضوية بين اسرائيل والعالم, وخاصة الغرب والولاياتالمتحدة, مع امتلاك اسرائيل للقدرات النووية, لا يجعل هناك بدائل كثيرة حقيقية لعملية سلام جادة ومخلصة. وكان ذلك هو الحال العربي ايضا مع تحرير الاراضي الاردنية, والتي لم يتم تحريرها لأن الولاياتالمتحدة ارادت ذلك أو لأن اسرائيل تملكتها حالة من الكرم الحاتمي حتي تعطي الاردن اراضيها التي جري احتلالها, وإنما الملك حسين بات مستعدا للسلام بعد تورقيع اتفاق اوسلو بين الفلسطينيين والاسرائيليين, ولم يكن هدف الملك استعادة الاراضي الاردنية المحتلة فقط, وانما كان ضمان استقلال الاردن ذاتها, وهي التي كانت مهددة من جناح اسرائيلي يقول بالخيار الاردني حيث تقام الدولة الفلسطينية علي اطلال الدولة الاردنية, كما كانت مهددة من جناح اسرائيلي آخر يقول ان ارض فلسطين التاريخية تشمل ضفتي نهر الاردن وكلاهما يشكل منحة تاريخية, ومجالا حيويا لإسرائيل. والخلاصة انه كان لمصر ما ارادت واستعادت اراضيها كاملة غير منقوصة, وكان للأردن ما ارادت واستعادت اراضيها وابقت علي استقلالها ووحدة اراضيها, لأن القيادات في البلدين لم تقبل أولا الأمر الواقع, وثانيا لأنها شمرت عن ساعدها من اجل انجاح عملية سلام وتحقيق تسوية يستطيع ان يعيش معها الطرفان العربي والاسرائيلي, وإذا كان لأحد أن ييتصور أنها كانت معركة دبلوماسية وسياسية سهلة فما عليه إلا أن يعود للتاريخ مرة آخري ويقرأ الصحف الاسرائيلية من اول يدعوت احرونوت وحتي هاآرتس مرورا بمعاريف, لكي يعرف ان العملية كان محكوما عليها بالانهيار في كل مرة. هذه المرة فإن المسألة لن تكون مختلفة من حيث الجوهر, أما من حيث الشكل, فإنه كما في الحرب لا تتكرر العمليات الحربية مرتين بنفس الطريقة, فإنه في السلام لا تتطابق عملية مع اخري, ومن هنا فقد دهشت كثيرا مما قاله لي واحد من الدبلوماسيين العرب ان الولاياتالمتحدة لا تعرف ما سوف تفعله في الاجتماع الدولي مدللا علي حتمية فشل اللقاء, وكان تعقيبي أليست تلك هذ اللحظة التي نضع فيها نحن العرب تصوراتنا للشكل والمضمون الذي يترجم المبادرة العربية للسلام الي عملية سياسية؟ وهل من الممكن ان يكون لقاء الخريف نقطة بداية لسلتين من المفاوضات تسيران جنبا الي جنب وبطريقة متزامنة, واحدة منها تركز علي عملية الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة, والثانية تركز علي طبيعة العلاقات بين اسرائيل والدول العربية بعد الانسحاب وليس قبله, ولكنه في كل الاحوال سوف يكون واضحا للإسرائيليين منذ الآن ان الاوضاع لكل الاطراف, ربما لا تنتهي فيها خلافاتها, وإنما علي الاقل تكون علي استعداد لحلها بالطرق السلمية. وبالنسبة لنا فإن جوهر الموضوع هو تحرير الاراضي العربية المحتلة وليس تسجيل نقاط جديدة حول الطبيعة العدوانية لإسرائيل, كما ان اصل المشكلة هو تحقيق الاستقلال الفلسطيني واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدسالشرقية, وليس القضاء علي الدولة الاسرائيلية, فربما آن الآوان الأن لكي نحب فلسطين والفلسطينيين ونتمني الحياة لهم اكثر مما نكره اسرائيل ونتمني الموت لها. ولعل هذه الرغبة الاخيرة هي التي دفعت بعضا منا للتأكيد علي اولوية حق العودة للاجئين وضرورة تطبيق قرار الجمعية العامة رقم194 الصادر في شهر ديسمبر1948, علي كل ما عداه من قضايا لأنه يعلم أن ذلك ينسف المفاوضات قبل ان تبدأ لأن اسرائيل لن تسمح بتصفيتها من خلال اغلبية عربية إلا بعد حرب تستخدم فيها اسلحتها النووية, والحقيقة ان ذلك يكون وضعا للعربة أمام الحصان كما يقال, فحتي طبقا للقرار194 الذي رفضته الدول العربية. بالمناسبة وقبلته اسرائيل في ذلك الوقت كما حدث مع قرار التقسيم فإن القرار يقول بوضوح بعودة اللاجئين الذين يقبلون العيش في سلام مع إسرائيل, أي انه يقدم حالة السلام علي حالة العودة, وهو الوضع الذي يمكن ساعتها حل مشكلة اللاجئين حلا عادلا, وإذا كان هناك درس من دروس التاريخ يستفاد منه فهو عودة250 ألف فلسطيني الي اراضي ما قبل عام1948 خلال فترة تطبيق اوسلو حيث كان السلام ممكنا والعودة ممكنة ايضا, لولا ان حولت حماس العودة الي عمليات انتحارية, فلا كانت هناك عودة ولا كان هناك تحرير, ولا قامت دولة مستقلة. وبصراحة فإن الدول العربية والرئيسية منها علي وجه التحديد عليها واجب اساسي في إدارة عملية التسوية, فهي من ناحية عليها ان تضع التصور الخاص بحل القضايا المعلقة علي ضوء الخبرة التفاوضية السابقة, وعلي ضوء المبادرة العربية, ثم بعد ذلك تسعي فورا لإقناع العالم بما فيه الاسرائيليون بهذه الصيغة وببساطة فإنه لا يوجد لدي الفلسطينيين الكثير الذي يعطونه لاسرائيل, وما لديهم من ارصدة تكفلت حماس بإضاعتها, ولكنه يوجد لدي الدول العربية الكثير مما يعطي ويرغب في مقابل الانسحاب الاسرائيلي وتحرير الاراضي العربية واقامة الدولة الفلسطينية, المهم ان نضع في حسباننا ان قضية السلام وقضية اجتماع السلام هو قضية عربية أولا قبل ان تكون قضية امريكية أو اسرائيلية.!! عن صحيفة الاهرام المصرية 22/10/2007