التفكير النقدي والتطور الحضاري د. محمود حمدي زقزوق يأتي مفهوم النقد في المعاجم العربية بصفة أساسية في مجال التعاملات المالية. فالنقد يعني ما هو خلاف النسيئة( أي البيع بأجل), ويقال انتقد الدراهم بمعني قبضها. ولكن هناك معني آخر ورد أيضا في هذه المعاجم أقرب إلي ما نقصده في هذا المقال بالتفكير النقدي. إذ يقال: نقد الدراهم وانتقدها, أي أخرج منها الزيف, وناقده أي ناقشه في الأمر. ويمكن القول بصفة عامة بأن النقد يعني امتحان شيء ما من جهة قيمته, وهذا يعني أن النقد ليس مجرد بيان العيوب وكشف القصور كما هو شائع لدي عامة الناس وإنما هو أيضا إبراز الإيجابيات, وعندئذ يمكن أن يكون النقد موضوعيا ونزيها وهادفا. ويمكن القول أيضا بناء علي ذلك كله بأن التفكير النقدي يعني عدم القبول بشيء إلا بعد اختباره والتأكد من صحته, وفي هذا المعني, يقول القرآن الكريم:( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا), أي تثبتوا من صحة النبأ, وهذا أمر ينسحب علي كل جوانب حياتنا من الناحيتين النظرية والعملية. والمقابل للتفكير النقدي هو التقليد والتسليم, الأمر الذي يعني تعطيل العقل وإلغاء التفكير, فالفرق بين الموقفين إذن كالفرق بين النقيضين, فالأول إيجابي والثاني سلبي, والأول يؤكد الشخصية الإنسانية والثاني يلغيها ويمحو معالمها. وإذا كان الله قد خلق الناس مختلفين, علي الرغم من اتفاقهم في الجوهر, فإنه قد أراد أن يكون لكل فرد شخصيته المستقلة التي تميزه عن غيره. وقد أكد لنا الخالق ذلك بما نشاهده ونعلمه من عدم وجود فردين في هذا العالم يتفقان في بصمة إبهامهما, الأمر الذي يرمز إلي استقلالية كل فرد, والمطلوب هو أن ننمي هذه الاستقلالية لا أن نعمل علي إلغائها, وذلك لن يكون إلا بتشجيع ممارسة التفكير النقدي. والمفروض أن مصطلح التفكير نفسه يتضمن أو ينبغي أن يتضمن مفهوم النقد, فالذي يمارس التفكير هو إنسان يستخدم عقله, وهذا يعني أنه إنسان إيجابي, والنقد هو تفاعل مع الفكر الآخر, وممارسة التفكير النقدي من شأنها أن تجعل للحياة معني, لأنها تثري فكر المجتمع وتدفع به قدما إلي الأمام, وتحافظ في الوقت نفسه علي قيمه وهويته الحضارية. ولا يخفي علي أحد ما يمارسه الإعلام الدولي الموجه في عالمنا المعاصر من ضغوط رهيبة علي عقول الناس في كل مكان بهدف نشر مفاهيم وقيم اجتماعية وأخلاقية وثقافية معينة في العالم النامي علي وجه الخصوص, حتي يسهل توجيهه إلي الأهداف التي تريد القوي العظمي تحقيقها. وفي كثير من الأحيان, تتعارض هذه المفاهيم والقيم مع الخصوصيات الحضارية للمجتمعات النامية بصفة عامة, والمجتمعات الإسلامية بصفة خاصة, الأمر الذي يهدد الهوية الحضارية لهذه المجتمعات. وحتي يمكن التمييز بوضوح بين ما هو ملائم لنا وما هو غير ملائم, فإن ذلك يتطلب عقلية نقدية لا تأخذ أي شيء علي علاته, وإنما تبحث وتدرس وتقارن وتختار ما يلائمها, وترفض ما لا يتفق مع خصوصياتها الحضارية والدينية. ولاشك في أن العقلية النقدية ليست منغلقة علي نفسها, وإنما هي عقلية متفتحة, لا ترفض شيئا لمجرد الرفض أو لأنه آت من جانب جهات لا تريد لنا الخير, فالرفض أو القبول لديها ينبني علي أسس ومبادئ, ولا يأتي عشوائيا, بل يكون بعد الدراسة والبحث والتقييم الموضوعي. وقد كان الفيلسوف العظيم ابن رشد خير نموذج لهذه العقلية النقدية المتفتحة. فقد قرر أن الاطلاع علي ما لدي الآخرين يعد واجبا شرعيا, ثم أضاف قائلا: ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم, فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه, وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم. ومن هنا تأتي ضرورة تعليم أبنائنا وبناتنا التفكير النقدي حتي يكونوا قادرين علي التمييز بين الخير والشر, والصواب والخطأ, وبذلك نوفر لهم الحماية من الانسياق وراء دعاوي التطرف والجمود والانغلاق أو أي دعاوي أخري هدامة, ترمي إلي محو هويتهم الحضارية. فواقع الحال يبين لنا أن طريقة التعليم التقليدية التي تعتمد علي مجرد الحفظ والتلقين لا تنتج لنا إلا أناسا من أصحاب الشخصيات الباهتة التي لا لون لها ولا طعم, أي تنتج لنا شخصيات متواكلة واستسلامية. أما التفكير النقدي, فإنه ينتج شخصيات فاعلة لها رأي ولها فكر ولها نظرة فاحصة في الأمور, وهذا يعني إثراء المجتمع بأعضاء عاملين يدفعون بعجلة الحياة إلي الأمام, وينهضون بمجتمعهم علي جميع المستويات, والتوصل إلي هذا المستوي يتطلب بطبيعة الحال تغييرا في المناهج الدراسية وفي أساليب التدريس. ولعل من الأمور المبشرة بالخير, تلك التجربة التي تتبناها حاليا وزارة التربية والتعليم في بعض مدارسها, وهي تجربة التعلم النشط, التي أعطت نتائج مبشرة بالأمل في أوساط الأطفال, وهي تجربة رائدة من غير شك, ولكنها في حاجة إلي الدعم والمساندة من جهات عديدة في المجتمع, وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة, المقروءة والمسموعة والمرئية, وعن طريق مختلف الفنون وجميع مؤسسات المجتمع, مدنية كانت أو حكومية. ولاشك في أن الدعاة في المساجد لهم أيضا دور بالغ الأهمية في توعية المواطنين بقيمة العقل وقيمة التفكير. فمن المعروف أن الإسلام قد اهتم اهتماما بالغا بذلك, الأمر الذي حدا بالمرحوم الأستاذ عباس العقاد إلي تأليف كتابه القيم( التفكير فريضة إسلامية). وهناك أمثلة رائدة في استخدام التفكير النقدي في تاريخ العلوم الإسلامية, فعندما وجد العلماء المسلمون في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي انتشار مئات الآلاف من الأحاديث المنسوبة إلي النبي عليه الصلاة والسلام انبري عدد منهم للقيام بمهمة نقدية بالغة الأهمية, لتمييز الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة أو الكاذبة. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلي مثال واحد وهو نموذج الإمام البخاري الذي كرس حياته العلمية كلها لهذه المهمة. فبعد أن جمع أكثر من خمسمائة ألف حديث تدور علي ألسنة لناس, وضع قواعد صارمة وشروطا محكمة للتمييز بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث, وقام بتطبيقها علي الأحاديث المروية من حيث السند أو المتن, وجاءت حصيلة هذا العمل النقدي في كتابه صحيح البخاري في نحو تسعة آلاف حديث فقط من بين مئات الآلاف المشار إليها, فإذا حذفنا المكرر والموقوف علي الصحابة والمقطوع( المنسوب للتابعي) من الأحاديث الواردة في هذا الكتاب, فسنجد أن الذي صح لدي هذا الإمام الكبير نحو ألفين وستمائة حديث فقط. ومن خلال هذا المثال وغيره من أمثلة أخري في مجالات العلوم المختلفة, يتضح لنا أن التفكير النقدي كان وراء تطور العلوم والفنون في الحضارة الإسلامية, والشيء نفسه نجده لدي الأمم الأخري, فقد كان التفكير النقدي وراء انتشار وازدهار التفكير الفلسفي والعلمي في مختلف الحضارات, وكان وراء كل إنجاز حققته الأمم والشعوب في مجالات الابتكار والإبداع علي جميع المستويات. ويمكن القول بصفة عامة أن التطوير والتجديد في أي مجال من مجالات حياتنا يأتي نتيجة طبيعية لممارسة التفكير النقدي. وهناك أناس لا يطيقون النقد, بل يرفضونه تماما ويستمرئون التقليد والاتباع, ولا يريدون لأحد أن يوقظهم من غفلتهم أو غفوتهم, فهم سعداء بها, وهذه النوعية من الناس لا يمكن الاعتماد عليها في النهوض بالمجتمع. ومجالات النقد كثيرة ومتنوعة وتشمل جميع مجالات الحياة, فقد يكون النقد موجها إلي أوضاع المجتمع أو إلي أي مجال من المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية أو غيرها من مجالات ملتصقة تمام الالتصاق بحياة الناس وحاجاتهم اليومية أو العامة. وقد يكون النقد موجها إلي الأفكار والمذاهب التي يروج لها بعض الجهات لأغراض معينة, وقد يكون موجها إلي الأعمال العلمية أو الفنية أو غيرها, وكل ذلك مطلوب بطبيعة الحال لإظهار الحقائق أمام الناس, وهذه الممارسة للنقد علي كل هذه المستويات تعني حيوية المجتمع وإيجابياته وتفاعله مع الأحداث والأفكار. وهناك لون آخر من ألوان النقد لا يقل في أهميته عن الألوان المشار إليها, بل ربما يمكن القول بأنه يمهد لها حتي يمكن أن تسير في الطريق الصحيح, ونعني بذلك النقد الذاتي الذي يعد الخطوة الأولي علي الطريق الصحيح. فهناك البعض من الناس لديه هواية النقد لكل شيء. وفي غمرة ذلك كله ينسي أن يوجه النقد لنفسه أولا, ولو فعل ذلك فسيكون أمرا إيجابيا يساعده علي تصحيح مسار حياته وتصحيح أفكاره وتوجهاته, ويصبح بالتالي قادرا علي الإسهام بشكل إيجابي في تطوير المجتمع. وأي أمة تريد أن تتقدم وترتقي في سلم التحضر لابد لها من تشجيع التفكير النقدي علي جميع المستويات, فإن ذلك من شأنه أن يحرك المياه الراكدة ويوقظ العقول التي تم تخديرها بشكل أو بآخر, فأصبحت عاجزة عن التفكير بصفة عامة, والتفكير النقدي بصفة خاصة. وبممارسة التفكير النقدي نستطيع أن نغير ثقافة المجتمع ونبعث فيه الحيوية والطموح والانطلاق إلي آفاق التقدم, وهذا ما تحتاجه أمتنا, وما تمليه علينا مسئوليتنا. عن صحيفة الاهرام المصرية 13/9/2007