أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    رئيس الطائفة الإنجيلية يواصل جولته بأسيوط بافتتاح مبنى الكنيسة الإنجيلية الجديد بقرية السراقنا    سعر الدولار أمام الجنيه بختام تعاملات اليوم 3 أبريل 2026    العالم يلجأ لاستراتيجية «شد الحزام» لمواجهة تداعيات الحرب ...حملات التوعية والتضامن المجتمعى أبرز أسباب نجاح تجارب الترشيد الدولية    تحصين أكثر من 20 ألف رأس ماشية بالوادي الجديد بالأسبوع الأول من الحملة القومية    جامعة العاصمة تعزز من إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة    عملية كوماندوز أمريكية في إيران لإنقاذ الطيارين المفقودين بعد سقوط طائرتهما    أحمد عزت يكتب: الأقصى وهيستيريا الاحتلال    طهران اخترقت الحدود.. نبيل نجم عن بداية الحرب الإيرانية العراقية    الزمالك يجدد عقد ظهيره الأيمن حتى 2030    موعد نهائي كأس مصر بين بيراميدز وزد    الفريق أسامة ربيع يهنئ نادي القناة بعد صعوده للدوري الممتاز    تعرف على أماكن سقوط الأمطار غدا السبت    إصابة طفلين في حادثي سقوط من ارتفاع بمحافظة الدقهلية    الداخلية تضبط متهمًا بالنصب الإلكتروني في أسوان    هدايا ل100 طفل.. محافظ الجيزة يشارك احتفالية «يوم اليتيم»|صور    مُفسِّر العالَم    عرض «FridaY» بمسرح مدينة الإنتاج الإعلامي.. 23 أبريل    "كولونيا" يفوز بجائزة أفضل فيلم.. وأحمد مالك أفضل ممثل بمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    البنتاجون يخطط لشراء 85 مقاتلة "إف-35" ضمن ميزانية 2027    بعد هتافات مقصودة ضد الإسلام .. مصريون يدعون "فيفا" للتحقيق في عنصرية جماهير أسبانيا    مؤتمر فليك: العنصرية ليست مجرد قضية في كرة القدم.. واللعب أمام أتلتيكو صعب دائما    اختصاصات وأهداف إنشاء المجلس الأعلى لصناعة السيارات....تعرف عليها    المغرب ينتفض ضد "قانون الإعدام": وقفات احتجاجية حاشدة في عدة مدن نصرة للأسرى والأقصى    حيلة شيطانية.. عصابة تسرق 4 موبايلات وتقفز من شرفة للهروب في القليوبية    ضبط المتهم بالتعدي على «حمار» في البحيرة    شبهة جنائية في واقعة السلخانة.. العثور على جثة شاب بعد يومين من وفاته بالفيوم    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: إزالة مباني مخالفة بحي ثان المحلة الكبرى واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين    بيراميدز يضرب إنبي بثنائية في الشوط الأول بنصف نهائي كأس مصر    جيسوس: أرتيتا يستحق لقب الدوري... والتتويج الأول سيغيّر كل شيء في أرسنال    مصرع شخص في حريق ونش بالشرقية    أجيال إذاعة القرآن الكريم    تعليم المنيا: فحص واقعة اختفاء شنطة الطفل عصام ولا صحة لتحويل مدير المدرسة للتحقيق    عمرو صالح: التوترات الجيوسياسية ترفع أسعار الطاقة والغذاء وتضغط على الاقتصاد العالمي    تأهب دفاعي كويتي: اعتراض صواريخ ومسيرات "معادية" في أجواء البلاد    أوقاف الأقصر تنظّم قافلة واعظات بعنوان "اليتامى العظماء في الإسلام"    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    انقطاع مياه الشرب لمدة 5 ساعات عن عدد من المناطق بالفيوم مساء اليوم    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    عروض المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب تنير قرى قنا    دار الإفتاء: الشريعة الإسلامية تضع الأيتام في مكانة ومنزلة خاصة    مؤتمر أرتيتا: انسحاب 11 لاعبا من منتخباتهم؟ نحن صادقون بشأن حالة كل لاعب    انطلاق النسخة 14 من مؤتمر "الجامعات قاطرات التنمية الوطنية" 19 أبريل    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    مكتبة الإسكندرية تناقش "المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي"    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    واشنطن بوست: إقالة جنرالين آخرين كبيرين في الجيش الأمريكي    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    أفضل أدعية الرزق والسكينة فى يوم الجمعة...فرصة عظيمة لا تُعوّض    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوسف زيدان بروايته .. ملامح الأنثى الأفعى عند الشرق
نشر في محيط يوم 05 - 08 - 2007


الأنثى الأفعى عند الشرق .. كانت وأصبحت

الأفعى المقدسة عند الفراعنة والأنثى عند الشرق ، آفاق يروي عنها الدكتور يوسف زيدان رئيس قسم المخطوطات بمكتبة الإسكندرية والباحث التراثي المصري في روايته الأولى التي ظهرت بالأسواق مؤخرا " ظل الأفعى" الصادرة عن سلسلة دار الهلال .
محيط سميرة سليمان
تدور الرواية حول تحول الصورة من أفق الأنثى المقدسة عند الفراعنة إلى دهاليز النسوة المدنسات عند بعض الشرقيين ، يمكن وصف رواية (ظل الأفعى) - بحسب النقاد - بأنها رواية فلسفية تعبر عن رؤى عميقة للوجود لتتواصل مع أعمال فلسفية صاغ من خلالها كثير من كبار الفلاسفة أفكارهم ورؤيتهم للوجود .
تحكي الرواية عن رجل جد عسكري النزعة، انتزع حفيدته من أمها بعد وفاة زوجها الذي هو ابنه، وتربط الأم في رسائلها إلى ابنتها بين هذا الحدث الشخصي وكيف ساهمت العسكرية في إزاحة الأنثى عن عرشها ، وكيف حولت العالم إلى ساحات للحرب والإبادة، وتراوح العلاقة بين الابنة وزوجها عبده ما بين الاشتهاء والإقصاء .
نطالع أيضا زواج غير متكافئ بين عبده ونواعم التي تفوقه علما وثقافة حيث تنتسب لعائلة عريقة، فالرواية تحكي عن معاناة عبده للوصول إلي زوجته التي رغبت عنه دون سبب واضح بالنسبة له، "كانا قد التقيا فى حديقة المبنى الكبير المسمى مجمَّع التدريب الذي أُرسلا إليه ، كُلٌّ من جهته، هو ليدرس لثلاثة أشهر ، أصولَ توظيفِ الألوانِ البرَّاقة فى تصميمات أغلفة المنتجات الاستهلاكية صغيرة الحجم ! إذ كان لابد من حصوله على دورة التدريب السمجة ، هذه ، ليمكنه استلام وظيفته الجديدة فى قسم الجرافيك بالشركة الدولية المجمعة لإنتاج الوجبات الخفيفة ، وكانت هى قد انتظمت فى مركز التدريب ، من قبل مجيئه بسبعة أسابيع ، بالدورة التدريبية عالية المستوى ، لتطوير مهارات الترجمة ومعالجة الألفاظ المشتركة بين عدة لغات، استعداداً لتسلُّم عملها كمترجمة فى الهيئة الدولية المشتركة لضبط النصوص المترجمة من كل اللغات إلى الإنجليزية ، وحَثِّ الكُتَّاب على التأليف بها ! وهى الهيئة المعروفة اختصاراً ، بالأحرف العربية الثلاثة ، التى تبدأ بها كلماتها : هدم يومها ، هفا إليها حين مرَّت أمامه . صبا نحو جمالها انقلبت دولته ، لما أوحت إليه بالاقتراب أكثر . طار فرحاً ، لما بادلته الكلمات والبسمات والإشارات ".
كان يناديها نواعم مبررا ذلك بقوله: " لأن كل ما فيك ناعم ، وأنت مجمع النعومة ، وهذا اسمك عندى ، للأب!
جرى ذلك أيام زواجهما ، قبل قرابة سبع سنين . والآن ، ها هو واقفٌ قرب بابها ، وقد صارت نعومتها قاسيةً ، قاصيةً ، نائيةً عنه .. موغلةً فى النأى".
ولكن عبده كما اشتكي إلي جد نواعم الباشا رأي أن رسائل أمها هي التي أفسدتها وبعدتها عنه وهو لا يطيق بعادها، وفي حوار بين الباشا وحفيدته يقول:
يا جدو ، أرجوك .. إنت عارف إنها تركتنى غصب عنها ، لمَّا انت أجبرتها على كده . وعارف إنك حاصرتها علشان تطردها من البلد ، وهددتها بتلفيق قضية تقضَّى بسببها عمرها فى السجون ..
- أسكتى يا حيوانة .. إيه الجرأة دى . بتتجرأى علىَّ أنا .. علىَّ أنا .. علشان البنى آدمه دى ، الملعونة .. الكافرة . أستغفر الله . أستغفر الله . صَحّ ، الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم . هى خلاص قدرت تجرى فى دمك . استغفر الله . دى يا حمارة عاوزه تفسدك . صدق الله العظيم ، صدق الله العظيم ?إنما جزاء الذين يفسدون فى الأرض .. ?
- يا جدو ، لو سمحت كفاية كده .
- كفاية كده .. هىَ الحكاية وصلت للدرجة دى ، يبقى أنا لازم اتصرَّف . لازم أقطع رأس الحية . وهاقطع ديلها كمان .
- مُش هاتقدر يا جدو .
- يعنى إيه يا بنت .
يعنى كفاية كده . وبعدين أنا مُش هاسمح بعد كده لأىّ حَدِّ ، يقول أى حاجة وحشة فى حَقِّ ماما
إن معاناة عبده كما يصفها لصديقه نايل تتمثل في: "انقضى زمن الفرح منذ بضعة شهور ، أو بضع سنين ، هو لايستطيع أن يحدِّد بالضبط ، متى انفصلت بروحها عنه . لم تعد تحادثه ، لم تعد تسعد بمجيئه للمنزل ، لم تعد تتزيَّن له كما كانت تفعل . دائماً شاردة ، نائية ، منكفةً على النصوص التى تترجمها ، وكأنه غير موجود . حاول أن يردَّها إليه من غيابها عنه ، بكل الطرق . اشترى جهازاً جامعاً جديداً ، فيه كل وسائل الاتصال ، تعمل شاشته باللمس ، إنتاج أصلىّ لشركة محترمة . لم تسعد به . اشترى الأسبوع الماضى مطبخاً جديداً ، ألوانه زاهية ، دفع فيه مبلغاً كبيراً ، وقسَّط الباقى . لم تسعد به بالقدر الكافى . حاول أن يحادثها ، ردَّته .. داعبها ، صَدَّته .. صبر عليها ، نسيته ! الأمر يتعلَّق بالرسائل التى تتلقاها مؤخَّراً ، بكثرة ، من أمها . أخبرته بالأمر حين وصلتها الرسالةُ الأولى ، والثانية ، ورفضتْ أن تريه الرسالتين . قالت إنها أمورٌ خصوصية : لا أعرف يا نايل ماذا يجرى خلف ظهرى . أمها هذه لم أرها من قبل ، ولا أود أن أراها . الباشا يكرهها جداً . ذهبت إليه صباح اليوم وأخبرته اليوم بالأمر ، فجاء إلينا الليلة . ليته ما جاء . الأمور ازداد تعقُّدها بعد زيارته . الرجل شاخ ، فلم يعد يسيطر على حفيدته . ما زلت أحبها ، هى زوجة ممتازة .. محترمة .. بنت أكابر ".
النقاد ينظرون بالرواية

ونظرا لأهمية الرواية أقام نادي القصة بالقاهرة، مناقشة رواية "ظل الأفعى" وقد شارك في المناقشة يوسف الشاروني، جمال الغيطاني، د. سامي خشبة، د. فيصل الحفيان ومحمد السيد عيد، الذين تناولوا العمل من زوايا مختلفة
أدار مناقشة الراوية الكاتب الكبير يوسف الشاروني، وبدأ حديثه قائلا: لقد فاجأنا د. يوسف زيدان بإبداعه الروائي الأول هو روايته المتميزة "ظل الأفعى"، وقد حاولت أن أتلمس كيف وأين أفضت هذه الرفقة التراثية إلى هذا العمل الإبداعي المتطور، هل هي لغتها المجنحة والقريبة من لغة الشعر الحسية حينا والمجنح حينا آخر، أم في رؤية الواقع بعين الأسطورة، أم في تضمينها من حين إلى آخر بمقتطفات من الشعر لها دلالاتها الوظيفية في الرواية، كذلك الاقتباس الموظف في الرواية لابن أحد أبناء الكنيسة حين أعلن قائلا: إنما جئت لأدمر أعمال الأنثى، إلى الشاعر العربي المتنبي، ولا عجب فالأم منحها مؤلفها درجة الدكتوراه ليطلقها بهذا المستوى الثقافي الرفيع دون أن يعترض ناقد.
ونتابع بالرواية ...
كان نايل محقاً حين يردِّد : احتقر المرأة تحترمك ، وارفض المرأة تطلبك ، واصبر على الأرز يستوى ! وأنا صبرت عليها فلم تستو، ولسوف أرفضها إلى أن تطلبنى ، وإن اقتضى الأمر فسوف أحتقرها حتى تحترمنى . لماذا لاتحترمنى هذه المرأة ، هل تظن نفسها فَلْتةً بين النساء . صحيحٌ أنها جميلةٌ و... لكنها ليست فَلْتة نادرة هى مثل غيرها ، مثلهن جميعاً .. جميعهن سواء ".
رجل وأنثي وفناء في ذات واحدة
في البداية تحدث جمال الغيطاني عن الرواية واصفا اياها بأنها ليست حدثا فقط ولكنها تتضمن معلومات فيما يتعلق بالأفعي الأنثي، إنها مغامرة ترسم العلاقة بين الرجل والأنثي فالرواية هي نص لتمجيد الأنثي رغم موقف الذكر من علاقته بالأنثي وخاصة حينما يفني الرجل في المرأة.
ويضيف الغيطاني أن هناك نظرة تتسرب من داخل ألف ليلة وليلة حينما يصف العلاقة وكأنها صراع حيث يقول يوسف زيدان في روايته "فسلط عليها مدافعه فوجدها درة لم تثقب، ومطية لغيره لم تركب" ويبدأ الكلام عن العلاقة، وكأنه يتكلم عن معركة حربية بتعبيرات عسكرية، ورغم حدة النزال بكل موضع بالرواية يؤكد المؤلف أن نقطة تكمل الدائرة .. والدائرة هي أنثي بالأصل، وربما يساعده علي ذلك ثقافته الفلسفية العميقة، وتأملاته في العلاقة بين الأنثى والرجل، بين عنصري الحياة، ومسار الأنثى في التاريخ من خلال الديانات ، يعني على سبيل المثال هو يفتتح أحد الفصول بتأملات بين اليهودية والإسلام.
وقد تميز فيها العمل الروائي الأول ليوسف زيدان ببناء درامي مركب يمتزج فيه القص الحكاتي بالاحداث المتلاحقة، والمفاجئة التي يتداخل فيها الماضي بالحاضر منذرا بانهيار مروع لطبيعة العلاقة الحالية بين الرجل والمرأة، وهي العلاقة التي قامت علي اسس زائفة بدعم من الأوهام التاريخية الباطنة والاستخدامات اللغوية الشائعة، أو بالأحري التي أشاعتها الثقافة الذكورية، منذ أواخر الزمن السومري مرورا بزمن تدوين التوراة وانتهاء بعصرنا الحالي.
يقول زيدان في احدي مقاطعه: تلك ياحبيبتي، ترنيمة لايزيس (ايزت، بحسب النطق المصري القديم) سجلها المصريون القدماء، قبلما تتشوه صورة الافعي في الاذهان.
ويستأنف الغيطاني حديثه قائلا: نحن أمام نص يتكون من نسقين في رأيي؛ الأول هو تلك العلاقة الفريدة التي طرفها عبده والأنثى نواعم، وأرجو أن نتوقف هنا عند اختياره لاسم عبده، فرغم المشاهد المكتوبة بأسلوب رفيع جدا، يقف على ناصيته الشعر والنثر، ويصف فيه العلاقة الحسية بشكل ربما أقول إنه فريد في الأدب العربي، لكن هناك ثمة عبودية في هذا ال (عبده) في مواجهة الأنثى، فالأنثى أقام لها المؤلف صرحا من الفعل، والإلقاء والتلقي بحيث أصبحنا أمام علاقة فيها درجة عالية من الواقعية، وفيها شطحات يستفيد فيها د. يوسف زيدان من خبرته ومعرفته، فهو ليس دارسا للصوفية فقط، وليس محققا لنصوص مهمة، ولكنه كان صوفيا بالممارسة؛ مارس التصوف ومر بتجارب روحية عنيفة جدا، فهو ليس من أولئك المثقفين الذين يدخلون الصوفية من باب النص فلا يعرفون منها إلا الشكل، هو عايش وعانى وكتب، ورغم التقديس الموجود للمرأة، إلا أنني أتوقف أمام عبارة عندما يسير بمفرده، ويقول: "سوف أحضرهن هنا واحدة واحدة"، وكأنه ينتقم من شيء ما، لا أدري ما هو بالضبط، هذا هو النسق الأول.
أما الجزء الثاني من الرواية فيبدو متناقضا مع الجزء الأول، لأننا نفاجأ أن الكاتب يفتح نافذة على داخل هذه الأثنى من خلال الرسائل الموجهة إليها من أمها؛ رسائل سيدة حاصلة على الدكتوراه، فالرواية هنا ليست حدثا فقط، ولكن مصدر خصب لكل ما يتعلق بالمعلومات المتعلقة بالأفعى الأنثى، على سبيل المثال يوسف زيدان عنده إشراقات غاية في الذكاء عندما يقول مثلا: "عندما أرادوا تشبيه الجيوش، فقالوا الجيوش تزحف مثل الحية".
ومنها ما يلي:
" أنا الوالدة ،
أنا الرحم المقدَّس الذى انبثق منه وجودك قبل ثلاثين سنة . وأنا الملتاعة التى سلبوكِ منها ، قبل ثلاثة وعشرين عاماً . كيف انقضت تلك السنون ، سنون احتمائك فى ظل جَدِّك الشاهق العتيد . أعرفُ أنه مازال حياً . وأشعر أنه سوف يحيا طويلاً بعدُ . لايعنينى ذلك اليوم . فاليوم لا معنى عندى إلا أنت ، ولا يعنينى إلا ما اختزنته لك طيلة السنوات الماضية .. هل أخبرك جَدُّك بما تعهَّدتُ به يوم فراقى عنك . يوم انتزعك منى . يوم غلبنى وهَدَّ أركانى ، ببطشه العاتى . كان آخر كلامه لى ، آمراً، نفَّاذاًَ ، دابغاً كالملح لقلبى :
- إنسى البنت ، وإيَّاك أن تتصلى بها .
- سأنتظر إلى يوم اكتمال وعيُها، واصبر حتى تبلغ ابنتى الثلاثين !
لم يجب . أدار ظهره لى ، وانصرف بشموخٍ أجوفٍ ، شموخٍ فارغٍ كقلبى الذى صار من يومها ، كهواء العماءِ الأول .. عماءِ بدء الخليقة .
كانت الظروف كلها ، أيامها ، ملائمةٌ لما يبتغيه جَدُّك. فوفاةُ أبيك المفاجئة ، كَسَّرتْ لُبَّ قلبى .. أبوك .. كنتُ أحبه وكأنه ابنى الوحيد ، وأبى . وكنت وقتها أُعانى من مضايقات كثيرة ، بسبب محاضرة عامة ألقيتها قبل وفاته بشهر ، عَبَّرت فيها عن رؤيتى للحركة النسائية فى بلادك ، فقلت إن (المتنورات) اللواتى يطالبن بما يعتقدن أنه (حقوق) المرأة ، هُنَّ نسوةٌ أفرغن أنفسهن من الأنوثة الحقَّة ، وحَشَوْنها بالذكورة ! فصرن كائنات ممسوخة تطالب الرجال ، بمنطق الرجال ، أن يجعلن من النساء رجالاً . فهاجت علىَّ أقلام النسويات الرخوة ، وأهاجت أقلام الجماعات الدينية الصلبة ، التى كانت هائجة أصلاً ضِدِّى . فصرتُ أيامها بين شِقِّىْ الرحى ، إذ انصبَّت علىَّ فجأة ، لعناتُ الفريقين. وبدا دمى للجميع ، كأرضٍ تهيَّأت للاستباحة وآنَ قطفُ أزهارها وقصفُ أشجارها . بدت أرضى خراباً ، وخرَّب باطنى موتُ أبيك ، وثورة جَدِّك . وكنتُ مشفقةً عليكِ ، وقلقةً، ومتيقنةً من أن جَدَّك لن يتورَّع عن تنفيذ تهديداته لى ، بل هو يحب أن ينفِّذها . ولما أدركتُ أنه لن يكفّ عن سعيه لانتزاعك منى ، خشيتُ أن تتمزَّقى بيننا .. فتركتك له ، وقلبى فيه ما فيه .
لكننى يا حبيبتى ظللتُ أتابعك من بعيد ، يوماً بيوم . صديقاتك فى المدرسة والجامعة، أمهاتهن كُنَّ من معارفى . مدرِّساتك وأستاذاتك ، كن من تلميذاتى . اللواتى رشَّحنك للعمل فى الهيئة الدولية لضبط الترجمة ، كُنَّ من زميلاتى .. أعرف أنك لم تشعرى بذلك من قبل ، لكننى كنتُ أشعر بك فى كل وقت . شعرتُ بك يوم تُهتِ من عَمَّتك الحنون ، فى الميدان الكبير المؤدِّى لمدرستك الابتدائية . كانت دمعاتك يومها، تسيل بجوف قلبى .. وفرحت معك يوم تقدَّم أول شاب ليخطبك ، الشاب المغرور الذى كان يعمل مهندساً للبترول . من الخير أن هذه الزيجة لم تتم ، مع أنك كدتِ توافقين .. فالولد يا ابنتى كان تافهاً .
أما ليلة زفافك ، فقد أقمت عرساً. كنتُ وقتها أقيم بكوخٍ خشبىٍّ على قمةِ واحدٍ من أعلى جبال العالم ، لأدرسُ هناك رموزَ لغةٍ مندثرة ورسومَ كهفٍ اكتشفه بالصدفة ، متسلِّقُ جبالٍ .. ليلة عرسك ، أضأتُ فى الكهف ألفَ شمعة ، وأخذت أبتهلُ على نورها المتراقص، حتى بزغ الفجر .
بالمناسبة ، الخاتم الماسى الذى فوجئتِ به ليلتها فوق مخدَّتك ، حين دخلت غرفتك ، كان هَديَّتى إليك . أعرف أن جَدَّك صَمَتَ طويلاً ، حين قبَّلته شاكرةً إياه على مفاجأته السارة ! لقد أدرك هو الأمر ، لكنه لاذ بصمته وحيرته التى أدهشتك . أعرف أنك مازلتِ متعلِّقة بالخاتم حتى اليوم ، وأنك كثيراً ما تتأمَّلين صنعته الدقيقة، وفصوصه المبثوثة فى معدنه كنجوم ليلةٍ رائقة . نعم يا ابنتى ، الأمرُ كما قال لك الجواهرى المعروف الذى استفسرتِ منه عن الخاتم ، لقد صَدَقك حين قال إنه صنعةُ يَدٍ ماهرة ، ولايوجد فى أنحاء العالم إلا ثلاثُ نساء يمكنهن عمل مثله . لكن الجواهرى المعروف ، لم يعرف أن النسوة الثلاثة ، اشتركن معاً فى صنع هذا الخاتم . أما مالم تعرفيه حتى الآن ، لا أنت ولا الجواهرى ولا كُلُّ الذين استفسرتِ منهم عن النقش الذى بباطن الخاتم ، فهو أنها كتابةٌ سومرية قديمة .. فقرةٌ من ترنيمة عشتارية مندثرة، تقول ما ترجمته :
اجعلنى وحدى كخاتمٍ على قلبك ، لأن المحبة قوية كالموت .
.. سأكتب لك كلما سنحت لى الفرصة . ويوماً ما سنلتقى .. ما أشد لهفتى إلى هذا اليوم . غير أنه لابد أولاً ، من إشارةٍ تأتى مبشِّرة بإمكان التقائنا .. إشارةٍ لن تأتى ، إلا منك .. إشارةٍ تدلُّ على خروجك من السَّرَبِ المظلم . تدلُّ على أنك نفضتِ عنكِ غبارَ القرون الماضية، وطهَّرت روحك من الدَّنس المورَّث للإناث ، ونزعتِ من قلبك الأشواك التى انطبخت بدمك .. إشارةٍ إلى أنك تأهلتِ لأن تكونى ، حقاً : أنثى مُقَدَّسة" .
يضا هناك معرفة بعالم الأفعى، يكاد المرء يقول أنه أمام دائرة معارف صغيرة في معرفة الأنثى ومعرفة ما يتعلق بها في التراث الشرقي القديم وفيما يتعلق بالأفعى نفسها؛ الأفعى التي كانت مقدسة، فعندما كان المصريون القدماء يريدون رسم رمزا للحماية على واجهة المعبد، كانت ترسم الكبرى مجنحة.
حيث تقول الأم في رسالة لابنتها : "بالمناسبة ، هل تعلمين يا ابنتى أن تسعين بالمائة من الأفاعى ، غير سامٍ . وأن مائة بالمائة من الأفاعى ، لا تهاجم إلا إنساناً اعتدأيضا هناك معرفة بعالم الأفعى، يكاد المرء يقول أنه أمام دائرة معارف صغيرة في معرفة الأنثى ومعرفة ما يتعلق بها في التراث الشرقي القديم وفيما يتعلق بالأفعى نفسها؛ الأفعى التي كانت مقدسة، فعندما كان المصريون القدماء يريدون رسم رمزا للحماية على واجهة المعبد، كانت ترسم الكبرى مجنحة.
الأفعى كائنٌ مسالمٌ فى الأساس ، ينأى بنفسه بعيداً، ويميل دوماً للانزواء . عُنفها مبرَّرٌ بأسبابٍ واضحة. لاتنزع للهجوم إلا إذا هوجمت . وفى هجومها إنذارٌ ، لا غدر. فهى تنتصب محذِّرةً ، فإن ابتعد عنها مصدرُ الخطر المهدِّد، انسربتْ مبتعدةً . وإن لم يلق إنذارُها صدىً عند المهاجم ، نهشته خاطفةً ، وهربت !
وتقول أيضا عن الأفعي في رسالة لابنتها : "ألا ترين أن الجيوش قد اختارت هذه الكلمة بالذات ، لتعبر عن تنقُّلاتها . يقولون : زحف الجيش . لا (مشى الجيش) أو (طار) . فإذا تقهقر الجيش ، يقولون : انسحب ! والزحف والانسحاب ، يا ابنتى ، هو شكل حركة الأفعى من قبل أن تصير للإنسانية عساكر وجيوش ."
ظل الأفعي وتمجيد الأنثي
يقول سامي خشبة ببداية حديثه: أضيف أنها رواية مدهشة ومعاصرة جدا، ففي هذه الرواية كم معرفي كبير، وتتمثل شاعرية الرواية في هذه الكثافة الشديدة جدا التي كتب بها زيدان، كثافة وتركيز بالغان بحيث إن جملة أو عبارة أو مقتطفا من نشيد قديم من أناشيد الديانات الوثنية القديمة لعشتار أو أنانا، إيزيس أو حتحور، إلى آخر الربات في الحضارات القديمة، يكثف به د. زيدان ما كان من الممكن أن يكتبه في عشرات الصفحات، مع أنه في لحظات معينة يعتني بالتفاصيل الدقيقة مثل اعتنائه بتفاصيل اغتصاب عبده لزوجته التي ترفضه من موقف استعلائي، وهنا أشير إلى أن الرواية لا تمجد الأنثى وإنما تعليها إلى درجة التقديس، فتكوين الزوجة العقلي والذهني أعلى جدا أو مختلف كيفيا عن تكون الزوج عبده، فالكاتب وضع الرجل في وضع دوني جدا، ووضع المرأة في وضع عال جدا، يجعلها بالنهاية كما لو كانت تجسيدا معاصرا وبشريا للربات القديمات.
حيث يقول في الرواية "أباح لنفسه أن يلصق أذنه بالباب، حتى يتسمَّع تلك الأغنية التى تردِّدها امرأته . أهى أغنيةٌ، أم نشيدٌ قديم، أم ترنيمةٌ سحرية، أم همسُ جنونٍ يتسلل إلى عقلها منذ بدء ورود الرسائل الغامضة ؟ .. ما الذى جرى للمرأة التى أحبها ، وكان يظهر إخلاصه لها . من بعيد سمع كلمات متفرِّقة ، من قولها :
محيطاً بلا نهاية ..
.. وحدى ، أنا
سأبقى ، وأصيرُ ..
أفعى ، عصيَّةً .."
ويواصل د. خشبة حديثه قائلا: إن السردية الكبرى التي لجأ إليها د. زيدان في الجزء الخاص برسائل الأم هي سردية الثقافات القديمة ما بين خمسة آلاف إلى خمسمائة قبل الميلاد، وإن تجددت في الديانة المسيحية بالذات في شخصية السيدة العذراء مريم، والاعتقاد بأن الربة الأساسية أو القوة الأساسية الخالقة للكون كانت أنثى، السردية تحكي أو تقدم تخيلا لما تم وكيف، الذي حصل أن الرجل صياد، يرحل في الغابات والبراري والمرأة حامل بالطفل فتضطر للاستقرار، ولأجل استقرارها كان لابد تنتج الغذاء فهي التي اخترعت الزراعة، وتشعل النار للطبخ فابتكرت صناعة النار، لابد أن تخاطب الأبناء، ومن ثم هي التي اخترعت اللغة، هذه الصورة المتخيلة قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، هذه السردية هي التي استند عليها زيدان في روايته.
موروثات متعانقة بالرواية
تناول الرواية عالم التراث د. فيصل الحفيان، من جانبها اللغوي من خلال ارتباطها بالموروثات اللغوية في التراث العربي والإسلامي والصوفي، شاعريتها وموسيقاها وقدرتها على تشكيل نسيج روائي متميز،
نحن في هذه الرواية أمام طريقتين أو أسلوبين في الكتابة؛ الأول أسلوب القص أو الحكي، والثاني أسلوب الرسائل التي أرسلتها الأم إلى ابنتها، بين القص والرسائل كنا سنظن أن هناك فجوة ما ستحدث، لكن الكاتب استطاع تجاوزها لتكون الرسائل نصا إبداعيا، من هنا جاء التميز الأول لهذا العمل الإبداعي، وأظن أن هذا التميز لا يأتي كثيرا من أولئك الخارجين من حقل العمل نفسه، يعني الروائي الذي بدأ روائيا وانتهى روائيا ربما لا يستطيع أن يفاجئني هذه المفاجأة، لأن القدوم من عالم آخر يحرك في تقديري مياها راكدة، القدوم من عالم الفلسفة، من عالم التصوف، من عالم التراث، هذا القدوم هو الذي أنتج لنا هذه التقنية التي لم نكن نجدها في مجالات القصة والرواية.
الأمر الآخر الذي أريد الوقوف عنده هو اللغة التي كتبت بها هذه القصة، لغة يصعب تصنيفها، وأرى فيها انعكاسا لكل التكوين الثقافي والفكري للكاتب، نحن نستطيع أن نجد في هذه اللغة: التصوف والفلسفة والتراث، وهنا ألفت النظر إلى أنه عندما كتب الرسائل في عناوينها يقول: "رسالة ممزقة من أولها" وكأنه يستعرض مخطوطة فقدت صفحتها الأولى، ورسالة بدون عنوان.
كما أنها لغة مقطرة، بمعنى أنها ألفاظ قليلة لكنها محملة بالأحداث والإيحاءات والظلال الكثيرة، كيف استطاع أن يأتي بهذه الظلال، أنا أظن أن المنبع الأول الذي استقى منه أو الذي انعكس على لغة الكاتب منبع اللغة الصوفية، هذه اللغة التي نعرفها عند كل أو معظم الصوفيين المبدعين أمثال: ابن عربي والبسطامي والجنيد وغيرهم، هؤلاء يكتبون بلغة رغم ما فيها من بساطة تشع ظلالا وإيحاءات، لغة لا يمكن أن نراها في الأساليب العادية حتى للأدباء الآخرين غير الصوفيين، لأن الصوفية أعطت للغة بعدا آخر وهو البعد الذي تحقق في الرواية عندما يقول مثلا: "أنا محبوس عنها بها"، هذه اللغة الصوفية ليست الوحيدة التأثير في هذا العمل، هناك أيضا لغة الفلسفة ولغة المنطق، عندما يريد أن يصف ثوبا يقول: "الثوب الجامع المانع"، وكأنه حد منطقي، هذه الخلطة الشديدة والواسعة من مختلف العلوم والفنون والمعارف التي شكلت تكوين الكاتب هي التي صنعت هذه الرواية شديدة التميز، شديدة الخصوصية، شديدة القدرة على التعبير.
نجد كثير من الصياغات القرآنية في استخدامه اللغوي، حيث يقول في بعض المواضع "يومها ، هفا إليها حين مرَّت أمامه . صبا نحو جمالها ، حين دنا . انقلبت دولته ، لما تدانت . ذاب ، لما حيَّته بابتسامة من قاب منزين أو أدنى . تدلَّه ، لما أوحت إليه بالاقتراب أكثر . طار فرحاً ، لما بادلته الكلمات والبسمات والإشارات .. كان هدوؤها ووقارها، من النوع الأبيض الذى يحبه الرجالُ فى النساء . كان كذلك فى ذاك الزمن ، ثم صار اليوم من النوع الرمادى الغامض ، الذى يكرهه الرجال فى النساء ، صار عميقاً .. مقلقاً ".
كما أنه استخدم في بعض المواضع ألفاظا متقاربة في الحروف لا تكاد تختلف إلا في حرف واحد، إلا أن المعاني متباينة حيث يقول : غابت وغامت، علت وعلقت.
متدني ومتكبرة..
بدأ الناقد محمد السيد عيد حديثه قائلا: أعتقد أن المدخل لهذه الرواية لابد أن يمر بوقفة أو بحديث عن كاتبها، فهو من كبار المتخصصين في التصوف، والتصوف هو علم الباطن، ولو نظرنا إلى أشعار المتصوفة لوجدنا أن هذه الأشعار التي تفيض بالحسية لا تعني أبدا المظهر الحسي، فالتصوف له ظاهر وباطن، وهكذا الرواية فالظاهر هو قصة الرجل عبده مع المرأة نواعم التي تزوجها، وكيف بدأت من نقطة معينة وهي نقطة أنه حدث بينهما نوع من البعد، وكيف تنتهي القصة بأنه استطاع أن يصل إليها، لكن بعد أن انتهت لحظة الوصل بالفصل.
ربما لو نظرنا إلى الصفحات الأولى التي قدم فيها الكاتب أبطاله يمكن لنا أن نضع أيدينا على السر في هذه الرواية، يتحدث الكاتب عن الشقة التي تقطنها الزوجة أو التي سيدلف من بابها عبده، لكي يرى زوجته، فيقف عند الدرجة التي تؤدي إلى الباب ويقول: "لماذا يتعلق قلبه بهذه الدرجة الرخامية العريضة، هل لأنها علامة الوصول وقرب الولوج، أم علامة الخروج من شقته الرطبة التي لم تعد تدخلها الشمس منذ صار المنزل تحت حصار الجدران الخلفية للعمارات الثلاثة المحيطة؟ لا بل لأن هذه الدرجة الرخامية هي العلامة النهائية الفارقة، نعم هي الفارقة بين الموت والحياة، هي علامة وجودك يا عبده".
أما عن البناء الفني للرواية فيقول: البناء الفني يتكون من جزئين؛ الأول حدث درامي، والثاني عبارة عن رسائل، وهذا ليس جديدا تماما، وهذا لا يقلل من قيمة العمل، حيث أن لكل تجربة تفردها وقيمتها الذاتية.
إن شخصية عبده كما يضيف محمد السيد عيد يتعمد يوسف زيدان أن يصفها بالدناءة والخنوع، فكما يقول في القصة مثلا "ازدادت هيئته حقارة"، "، ويقول في موضع آر علي لسان نواعم "ما هذه النظرة التى أراها بعينيك الضيقتين يا عبده، نظرةُ فأر محصور .. لا ، بل نظرةُ قطةٍ ضالةٍ ، لحقت بمائدةٍ فقيرة على طرف رصيفٍ ، لتتسوَّل لقيمةً قد يُوقعها أحد الآكلين ، أو يرق قلب أحدهم لها ، فيلقى نحوها شيئاً .. ".
ومن الرواية
كيف يمكنها بهذه العفوية ، النظر إليه بهذه العلوية ، وهذا التسامى . مع أنها أقصر منه قليلاً ! وكيف يمكن لعينيها أن ترفعه على هذا النحو ، لأعلى .. فتطيِّره .. وتنذره بالسقوط من شاهق .
أما نواعم فهي تأخذ هنا صفة الحية، والحية في الرواية أو الأفعي ليست مجرد كائن ضار ولكنه يشير داخل النص لمعاني أخري ترتبط بها مثل الحياة والحياء.
والشئ المؤثر في العمل هو المجاز، فهناك مواضع كثيرة يلجأ المؤلف فيها إلي المجاز فيقول مثلا: كاد يغرس بخيمتها الوتد، انسحبت روحه ببطء من أطراف أصابعه، ستعطيني كل فواكه أرضها، ابحث من غدك عن أرض جديدة لتحرثها ببؤسك الأزلي، أن تنخر فيه بقاربك وتغوص بمجدافك.
هي تراكيب مجازية هرب بها يوسف زيدان من أن يقع في فخ المباشرة في أن يستعمل التعبير الجنسي.
ويختم حديثه قائلا: ظل الأفعي هي إشارة إلي الكهف الأفلاطوني، حيث لا يستطيع الناس فيه الوصول للحقيقة.
تجدر هنا الإشارة إلي أن هذه الرواية تختلف عن منجز يوسف زيدان الذي اصدر قبل ذلك عددا كبيرا من الكتب في المجالات التراثية المختلفة والتي تصل الي حوالي خمسين كتابا بينها عدد من التحقيقات لبعض المصادر التاريخية فقد نشر كتابا في النقد الادبي بعنوان (التقاء البحرين) وحقق عدة كتب منها (شعراء الصوفية المجهولون، ديوان عبدالقادر الجيلاني، ديوان عفيف الدين التلماني، كرامات الصوفية نص أذي مضاد للتصوف)، وكذلك أعد كتاب الشامل في الصناعة الطبية في ثلاثين جزءا، وحقق فهرس مخطوطات رفاعة الطهطاوي في ثلاثة اجزاء وترجمت بعض اعماله الي عدة لغات اجنية، كما فاز بعدة جوائز منها جائزة المنظمة الاسلامية للعلوم الطبية التي تمنحها مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عام 1994 وجائزة عبدالحميد شومان للعلماء العرب الشبان عام 1996 وجائزة التراث العلمي العربي عام 2005 التي تمنحها ايضا مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.
وقد ولد يوسف زيدان بسوهاج ونشأ وتربي بالاسكندرية وتخرج من قسم الفلسفة بكلية الآداب عام 1980 وحصل علي درجة الماجستير في الفلسفة الصوفية 1985 ثم الدكتوراة عام 1989 ودرجة الاستاذية في الفلسفة وتاريخ العلوم عام 1999..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.