وصل قطار محاكمة مبارك الى محطته الأخيرة حيث إستأنفت محكمة جنايات القاهرة اليوم الاثنين-، نظر قضية قتل المتظاهرين والاستيلاء على المال العام، المتهم فيها الرئيس السابق حسني مبارك، إضافة إلى نجليه علاء وجمال، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، وستة من كبار مساعديه، وكررت النيابة تحميل المتهمين مسؤولية عمليات القتل، في تعقيبها على مرافعات الدفاع الأخيرة. وشهدت الجلسة مرافعة استمرت لساعتين تقريباً، للمستشار مصطفى سليمان، المحامي العام الأول لنيابة استئناف القاهرة، الذي فند مرافعات الدفاع قائلا: "استمعنا للدفاع فرأينا حق يهدر، وتحريف للكلم عن مواضعه، وتلبيس للحق بالباطل، وكتمان للحق مع العلم به.. وفي بعض الحديث كان الخروج عن آداب الدفاع والمرافعة." وانتقد سليمان إتهامات الدفاع للنيابة العامة والأجهزة الأمنية بالتقصير في التحقيق، وأضاف أن مبارك "شارك بنشاط ينطوي على الاتفاق والتحريض على قتل المتظاهرين،" وأنه لو صح ما ذكره الدفاع بعدم إتيانه لتلك الأفعال، فإنه "يظل مسؤولا بحكم الدستور والقانون عن تلك الأفعال، وذلك لأنه علم وشاهد عبر وسائل الإعلام أعمال قتل المواطنين ولم يحرك معها ساكنا." وأشار إلى أن صفقة بيع الغاز المصري إلى إسرائيل وإسنادها إلى حسين سالم "كانت بأمر من مبارك،" وذلك بحسب ما قرره نائب الرئيس السابق، عمر سليمان، بنفسه في التحقيقات. وأقر سليمان بأن النيابة لم تتوصل إلى هوية الفاعلين الأصليين من ضباط الشرطة مرتكبي جرائم قتل المتظاهرين السلميين، غير أنه أكد أن التحقيقات حولهم "ستظل قائمة لمدة 10 سنوات كاملة بوصفها جناية لا ينقضي التقادم فيها إلا بمرور هذه المدة." وأضاف ممثل النيابة العامة : "يضاف إلى ذلك ما أطلقه بعض الجهال بأصول التحقيق الجنائي, وما أشاعه البعض من غير المتخصصين والمتحذلقين في بعض وسائل الإعلام من بهتان لتحقيقات النيابة العامة في القضية.. ولم لا, فهي فرصة لزيادة نسب ومعدلات المشاهدة ولو على حساب العدالة.. وقد انساق أحد المحامين المدعين بالحق المدني وراء هذه الادعاءات بأن التحقيقات باهتة تحت ذريعة بقاء النائب العام "الحالي" على رأس هذا الجهاز.. وهو قول ليس في مصلحة موكله, إن كان يبتغي مصلحة موكله من الأساس, وما أقدم عليه هذا المحامي من إقامة دعوى رد للمحكمة لتعطيل الفصل في القضية".. واستطرد قائلا : " قالوا بقصور التحقيقات, وحاولوا تصوير النيابة العامة وكأنها خصم لرجال الشرطة بمقولة أن النيابة حققت وقائع قتل المتظاهرين وأغفلت وقائع التعدي على رجال الشرطة وحرق الأقسام والمراكز الشرطية واقتحام السجون وغيرها, متجاهلين التحقيقات الغزيرة في هذه الوقائع.. وتناسى الجميع أن الفضل في إقامة الأدلة يرجع إلى تحقيقات النيابة العامة التي أجرتها في ظروف غير مسبوقة.. ليس هذا من قبيل الشكوى.. لقد بدأت النيابة تحقيقاتها في وقائع الانفلات الأمني الذي شاع في البلاد, ووقائع قتل المتظاهرين, وكذلك كافة الوقائع الأخرى جرت فيها تحقيقات واسعة للوقوف على الحقيقة". وقال المستشار سليمان إلى أن الرئيس السابق حسني مبارك شارك بنشاط ينطوي على الاتفاق والتحريض على قتل المتظاهرين, وانه لو صح ما ذكره الدفاع بعدم اتيانه لتلك الأفعال, فإنه يظل مسئولا بحكم الدستور والقانون عن تلك الأفعال, وذلك لأنه علم وشاهد عبر وسائل الإعلام أعمال قتل المواطنين ولم يحرك معها ساكنا, على نحو تتوافر به المساعدة السلبية. وأوضح أن الفقه القانوني أكد على أن المساعدة السلبية تكون في بعض الأحيان أجدى من النشاط الإيجابي لفعل القتل, وأن مبارك بحكم الدستور والقانون مسئول عن حماية شعبه وأمن وأمان مواطنيه, ولكنه لم يتخذ الإجراءات اللازمة لوقف أعمال العنف التي وقعت ضدهم.. وأكد المستشار مصطفى سليمان أن النيابة العامة عندما تطرقت في مرافعتها إلى مشروع توريث الحكم من مبارك لنجله جمال, لم تخرج بهذا عن أصول المرافعة, وأن الفقه القانوني أجاز لممثل النيابة عندما ينهض بالمرافعة أن يبدأ بمقدمة تشرح ظروف القضية وملابساتها.. مشيرا إلى أن التعرض لمشروع التوريث كان للإشارة إلى أن ما جرى من وقائع وأحداث إنما كان سببا مباشرا لهذا المشروع الذي تسبب في ترهل النظام السياسي, وأن التطرق إلى وقائع تتعلق بالاستيلاء على سبائك ذهبية وحسابات مصرفية لمكتبة الاسكندرية كان من قبيل التدليل على تهمة استغلال النفوذ ووجود سوابق ودلائل عليها, وليس بقصد التجريح.. وأشار إلى أن صفقة بيع الغاز المصري إلى إسرائيل واسنادها إلى حسين سالم كانت بأمر من مبارك, وذلك بحسب ما قرره عمر سليمان بنفسه في التحقيقات, وهو الأمر الذي أسفر عن إهدار جسيم في المال العام وتربيح حسين سالم أموال طائلة دون وجه حق, علاوة على تمكينه من الحصول على الأراضي المتميزة بمنتجع شرم الشيخ نظير عطايا لآل مبارك تتمثل في مجموعة من الفيلات.. واستعرض المستشار مصطفى سليمان المحامي العام الأول لنيابة استئناف القاهرة بعضا مما أورده المحامون عن المتهمين, وما ذكروه من أن النيابة لم تتوصل إلى هوية الفاعلين الأصليين من ضباط الشرطة مرتكبي جرائم قتل المتظاهرين السلميين.. لافتا إلى أن النيابة العامة سلكت كل الطرق القانونية ولم تترك بابا إلا وطرقته بغية التوصل إلى الفاعلين الأصليين حرصا على حقوق من قتل وأصيب. وأضاف أن النيابة في سبيل الوصول إلى الحقيقة وتعقب الجناة قامت بالإعلان في جميع وسائل الإعلام وشبكة التواصل الاجتماعي (فيس بوك) لحث المواطنين ممن يمتلكون أية معلومات قد تفيد في مجرى التحقيقات بهدف الوصول إلى هوية الجناة من الفاعلين الأصليين الذي قاموا بإطلاق رصاصاتهم صوب المتظاهرين, وذلك على الرغم من أن مثل هذه الأمور ليست من سلطة أو اختصاصات النيابة العامة, وإنما تقع تحت مسئولية سلطات الاستدلال المعنية المتمثلة في جهاز الشرطة والأفرع التابعة له.. وأشار إلى أن كافة من تقدموا إلى النيابة العامة منذ فتح التحقيقات لم يرشدوا عن هوية مرتكبي تلك الجرائم, وإنما قدموا معلوماتهم من واقع مشاهدتهم وتجاربهم التي مروا بها بميدان التحرير وغيره من الميادين.. لافتا إلى أن أحداث قتل المتظاهرين السلميين جرت على الملأ وعلى مرأى ومسمع من الجميع ونقلتها كافة القنوات الفضائية ووسائل الإعلام, وأظهر بعضها وجوه ضباط الشرطة الذين قاموا بإطلاق النيران صوب المتظاهرين, وبالرغم من ذلك لم تكشف وزارة الداخلية عن هوية هؤلاء الضباط.. وقال: "لولا وجود التسجيل المصور للضابط محمود الشناوي الذي اشتهر ب` قناص العيون في أحداث شارع محمد محمود وهو يستهدف المتظاهرين, والكشف عن سكنه واسمه وأرقام هواتفه, لما استطاع أحد الوصول إليه".. وذكر أنه وعلى الرغم من محاولة الدفاع للتأكيد على أن هوية مطلقي النيران من الضباط تبقى مجهولة, إلا أن التحقيقات ستظل قائمة لمدة 10 سنوات كاملة بوصفها جناية لا ينقضي التقادم فيها إلا بمرور هذه المدة "التي ربما قد تشهد استيقاظ بعض الضمائر والكشف عمن قاموا بتلك الأفعال" بحسب قول ممثل النيابة العامة. وأشار إلى أن الدفاع عرض لواقعة تبرئة بعض ضباط الشرطة من قسم السيدة زينب, على اعتبار أن هؤلاء الضباط هم من بين الفاعلين الأصليين للجرائم وقد جرى تبرئتهم على نحو يستوجب تبرئة الشريك في الجريمة (مبارك والعادلي ومساعديه).. منوها إلى هذه الواقعة تختلف تماما عن وقائع القضية التي يحاكم المتهمون فيها عن قتل المتظاهرين بالميادين والساحات العامة.. وأكدت النيابة عدم صحة ما ذكره الدفاع بتوافر حالة الدفاع الشرعي عن النفس لدى ضباط الشرطة في استخدام القوة النارية.. مشيرا إلى أن حق الدفاع الشرعي أقره القانون بضوابط محددة من بينها تناسب استخدام القوة, وهو الأمر الذي لم يتوافر في حالة التصدي للمتظاهرين سلميا, إلى جانب أنه لم تتوافر بالأوراق ما يفيد أن المتظاهرين كانوا يعتدون على ضباط الشرطة. ومن المقرر أن تستمع المحكمة الأربعاء إلى تعقيب هيئة الدفاع عن المتهمين على ما ورد بتعقيب النيابة العامة، إيذانا بحجز القضية للنطق بالحكم في موعد تحدده المحكمة في ختام جلسة الأربعاء. وانتهت المحكمة، التي تعقد جلساتها برئاسة المستشار أحمد رفعت، في مقر أكاديمية الشرطة، من سماع كافة مرافعات الدفاع عن المتهمين، الأسبوع الماضي، وحددت جلسة 22 فبراير الجاري، لإعلان موعد النطق بالحكم، لتسدل الستار جزئياً على القضية المعروفة ب"محاكمة القرن." ونبه رئيس المحكمة نبه على النيابة العامة، ومحاميي المدعين بالحق المدني، وكذلك الدفاع عن المتهمين، بأن التعقيب يشترط أن يكون كتابة في مذكرات يتم تقديمها للمحكمة، التي لن تسمح بأن يكون التعقيب في صورة مرافعة شفوية. ويواجه مبارك والعادلي ومساعدوه تهماً بقتل والتحريض على قتل المتظاهرين، أثناء أحداث ثورة 25 ينايرمن العام الماضي، وما تلاها من أحداث، فيما يواجه الرئيس السابق ونجلاه، إضافة إلى صديقه الهارب، تهماً تتعلق بالفساد المالي، والاستيلاء على المال العام. وكانت النيابة العامة قد طالبت، في مرافعتها، بتوقيع عقوبة الإعدام شنقاً بحق مبارك والعادلي، وهو نفس الطلب الذي تقدم به فريق الدفاع عن المدعين بالحق المدني، الذي طلب أيضاً من المحكمة قبول الدعوى المدنية، ورفع التعويض المدني المؤقت إلى مائة ألف وواحد جنيه مصري. إلا أن محامي الرئيس السابق سعى إلى إلقاء مسؤولية أحداث العنف التي شهدتها مصر مطلع العام الماضي، على "القائد العسكري"، استناداً إلى القرار الذي أصدره مبارك عصر "جمعة الغضب"، الموافق 28 يناير2011، بتكليف القوات المسلحة بحفظ الأمن في البلاد. وبينما تتواصل الاحتجاجات في ميدان التحرير، للمطالبة بإعدام الرئيس "المخلوع"، استبعد محامون على صلة وثيقة بمجريات القضية، أن تصدر المحكمة قراراً بإعدام مبارك أو أي من المتهمين الآخرين، وعزوا ذلك إلى صعوبة إثبات أنه هو من أصدر أوامره بقتل المتظاهرين.