خلال الأيام القليلة الماضية، تقدمت النائبة البرلمانية أميرة صابر باقتراح لرئيس مجلس الشيوخ، موجه إلى وزير الصحة والسكان، بشأن تأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية، وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة. شهد المقترح جدلًا واسعًا، بين نبل الفكرة التى تستهدف إنقاذ الأرواح لمصابى الحروق، واتهامات للنائبة ومؤيدى الفكرة بسلخ جلود المصريين، وفتح الباب للاتجار واستغلال حاجة الفقراء. من جانبها استمعت «روز اليوسف» لأصحاب التجربة أولًا الذين اختبروا قسوة النار وألمها ورحلة علاجها الطويلة فى غياب بنوك للأنسجة البشرية، وكذلك المصور العالمى عمرو نبيل، وأحد المستفيدين من تجربة زرع الأعضاء، وكانت قرنية للعين، وكيف ساهمت فكرة الزراعة فى إنقاذ حياته. البتر «عندما سمعت المقترح، تذكرت اليوم الذى قال فيه الطبيب «لازم ولى أمرى ييجى يوقّع على بتر ذراعي»، لم يكن فى جسمى أنسجة كفاية لعمل رقع، ربما لو مقترح بنك الأنسجة كان موجودا وقتها، كان سيوفّر 10 سنين من عمرى، عشتها فى عذاب بذراع مطبق. هكذا تحكى هند مختار، كاتبة، أم، وناجية من الحروق.
هند: «لو البنك موجود كان سيوفّر 10 سنوات من عمري
بالنسبة لهند، لم يكن مقترح إنشاء بنك للأنسجة البشرية التى تقدمت به عضوة مجلس الشيوخ النائبة أميرة صابر قنديل، مجرد خبر، بل لحظة أعادت فتح جرح قديم لم يلتئم بالكامل منذ أكثر من عشرين عامًا. «23 عملية ولا مرة خرجت راضية» كانت هند مختار، فى الثامنة عشرة من عمرها وقت الحادث، بينما تبلغ اليوم 45 عامًا، ولا تزال تخضع لعلاج داخل مصر وخارجها، تقول: «عملت أكتر من 23 عملية، ولا مرة خرجت راضية، مش عيب طبيب، عيب الحالة».. «مر 20 أو 21 سنة ولسة بحتاج عمليات، ولسة متألمة ولسة ذراعى بيتحرك بصعوبة».. تقول هند: العلاج المتاح كان يعتمد على نقل جلد من مناطق سليمة فى جسدى لتغطية المناطق المحروقة، وهى التقنية التقليدية فى جراحات الحروق. لافتة: «لكن مع تكرار العمليات، تقلّصت المساحات المتاحة للأخذ منها، ومن كتر الجراحات جسمى ما بقاش فيه مكان نقطع منه». وتُضيف هند، أن كل جراحة كانت تفرض عليها انتظار عام كامل تقريبًا حتى تتعافى المنطقة المانحة، قبل التفكير فى تدخل جديد، قائلة: «قعدت 10 سنين بنعمل عملية ونستنى سنة عشان نعرف نقطع تانى، لو مقترح بنك الأنسجة كان موجودا وقتها، كان سيوفّر 10 سنين من عمري». وأشارت إلى أن الأنسجة المزروعة تنكمش بمرور الوقت، ما يفرض جراحات تصحيحية متكررة، مصحوبة بآلام مزمنة ومضاعفات عضلية وغضروفية. وعلى عكس ما قد يُفهم، لا ترى هند أن المشكلة كانت فى مستوى الرعاية الطبية، تقول: «مصر مش مقصّرة، بالعكس فى دكاترة هنا أشطر من برّه، بس ما فيش أنسجة».
عضو مجلس نقابة الأطباء: لا توجد بنية تحتية حاليًا تسمح بإنشاء بنك أنسجة فى مصر
وتٌشير إلى أنها تابعت تجارب عالمية لزراعة الأنسجة فى علاج الحروق واسعة النطاق، وتؤمن بأن توافر أنسجة متبرعين كان سيختصر سنوات من الألم ويقلل عدد التدخلات الجراحية. وأكدت: زراعة الأنسجة أصبحت العلاج الوحيد اللى بدأ يعطى بارقة أمل لمصابى الحروق، رأيت حالات فى العالم جرى لهم زراعة أنسجة والنتيجة مُرضية. خلال رحلة علاجها، شاهدت «هند» حالات لمرضى لم يتمكنوا من النجاة بسبب اتساع مساحة الحروق وعدم توافر بدائل، قائلة: «فى مرضى كتير قوى شوفتهم توفوا، لو كان فيه أنسجة كانوا ممكن يعيشوا ويكملوا حياتهم». وتستعيد حالة سيدة كانت مغطاة بالحروق فى معظم جسدها، وكان تغيير الضمادات يتطلب تخديرًا كاملًا خشية العدوى، وتحكى فى أسى: «لو كان فيه أنسجة كانت تعيش وتربى ولادها، مش لازم تبقى جميلة، بس تبقى عايشة». مقترح نبيل تم تفسيره غلط ترى هند أن ردود الفعل الغاضبة على فكرة بنك الأنسجة جاءت نتيجة طريقة طرحها للرأى العام، لافتة: «المقترح نبيل جدًا بس اتظلم، واتطرح على طريقة إنهم هيسلخوا جلد المصريين». وتؤكد أن الأمر يتعلق بتبرع طوعى بأنسجة محدودة وفق ضوابط قانونية وطبية، وليس بالمشهد المروّع الذى تخيّله البعض.
أمين الفتوى بدار الإفتاء: المقترح قيد الدراسة ولم نصدر أى فتوى بشأنه
وتؤكد هند مختار أن الدولة لم تقصّر فى علاجها من حيث المبدأ، موضحة أنها لجأت أكثر من مرة إلى قرارات العلاج على نفقة الدولة عبر المجالس الطبية المتخصصة، لكنها تشير إلى أن بعض الجراحات المتقدمة كانت تتطلب اللجوء إلى القطاع الخاص، حيث تتضاعف التكاليف بصورة كبيرة، مضيفة: «الجراحات الحروق مكلفة جدًا، آخر جراحة عرفت إن تكلفتها هتوصل لنصف مليون جنيه، فقلت ابنتى أولى، وهستحمل شوية الألم». 100 ألف يواجهون رفض المجتمع تنتقل هند من تجربتها الشخصية إلى الصورة الأوسع، مشيرة إلى تقديرات تُظهر وقوع نحو 100 ألف إصابة حروق سنويًا فى مصر، أغلبها بين النساء والأطفال فى البيئات الفقيرة. وتسأل فى استنكار ومرارة لتنمر وقسوة المجتمع مع مصابى الحروق: «عمرك دخلتى مول أو محل وقابلتى حد مصاب حروق؟ هتلاقى واحد أو اتنين فى حياتك كلها»، وتستدرك: الإجابة لا، لأن محدش بيرضى يشغلهم، فيستخبوا». وتوضح أن كثيرين من مصابى الحروق يُستبعدون من سوق العمل، ما يدفع بعضهم إلى العزلة أو الفقر. دمج مصابى الحروق قبل شهرين فقط، أسست هند مؤسسة خيرية أطلقت عليها اسم «انتصار الأمل»، بهدف دعم وتأهيل مصابى الحروق للاندماج فى سوق العمل. وتقول: «أنا عايزاهم يشتغلوا، مش عايزاهم يعيشوا عالة على المجتمع». كما تطرح فكرة تخصيص نسبة توظيف إلزامية لمصابى الحروق على غرار نسبة ال 5 % المقررة لذوى الإعاقة. وترى هند أن التمكين الاقتصادى هو المدخل الحقيقى للتعافى النفسى والاجتماعى، قائلة: «متخليهوش يعيش مستنى مساعدات وبعدين تطلب منه يتعافى، عمره ما هيتعافى». قبل الحادث، كانت هند تعمل فى محل ملابس، عندما اشتعلت مواد حارقة فى المحل والتهمت جلدها، وبعد الإصابة حاولت العودة إلى العمل ذاته، لكن تم رفضها، وتتذكر: «رجعت للعمل فى نفس المكان ورفضوني». وتحكى عن مقابلات عمل انتهت قبل أن تبدأ: «أول ما يشوفونى يقولولى شكرًا مش عايزين، كنت أتمنى يسألونى أى حاجة وأطلع مبعرفش، عشان يبقى الرفض عشان مبعرفش مش عشان شكلي». وفى مجال كتابة المحتوى، لجأت أحيانًا لاستخدام اسم مستعار، «كانوا يشتروا الكتابة وما يعرفوش أنا مين، وفى ناس لما شافونى عملولى بلوك». 20 عامًا بقرنية شخص لا أعرفه يروى المصور العالمى عمرو نبيل، تجربته مع زرع القرنية للعين: «لا أحد يستطيع أن يصف ويستشعر قيمة التبرع بالأعضاء مثل المريض الذى أنقذه جزء من جثمان متوفٍ، أعيش بقرنية متبرع ألمانى فى عينى اليمنى منذ عشرين عاما وإلى الآن». وأضاف نبيل خلال منشوره على الفيس بوك: «حقيقى كانت أيام وشهور رائعة وأنا أستمتع بالرؤية من خلال متبرع لا أعرفه ولا هو من دينى أو عرقى، كنت أدعو له كثيرًا وأتذكره كلما شاهدت شيئا جميل أو حتى قرأت فى كتاب الله، إلى أن اٌعتمت القرنية تمامًا وضاعت الرؤية مرة أخرى». وأوصى نبيل بالتبرع بأعضائه بعد وفاته قائلًا: «ماذا يضيرنى أن يستفيد شخص لا أعلمه وأساهم فى تغلبه على بعض من الألم والمعاناة أو العجز بعضو سيأكله الدود بعد أيام». وثمن المصور العالمى عمرو نبيل مقترح النائبة أميرة صابر، واصفًا إياه بالمقترح الشجاع. ضمانة لمواجهة الأبواب الخلفية يرى الدكتور أحمد مبروك الشيخ، استشارى زراعة الكلى وعضو مجلس نقابة الأطباء، أن مقترح إنشاء بنك وطنى للأنسجة فى مصر – رغم طابعه الإنسانى – يصطدم بواقع تنظيمى وتقنى لا يسمح بتطبيقه حاليًا، مضيفًا: «الفكرة فى حد ذاتها إنسانية وقابلة للتطبيق من حيث المبدأ، لكنها تصطدم بعقبات تنظيمية وإدارية حقيقية داخل مصر، قائلًا: فى عراقيل لتطبيقه فى مصر، إنما هو مطبق فى دول عالم كثيرة جدًا». وقال مبروك ل«روز اليوسف»: «المنظومة بالوضع الحالى لا تسمح بإنشاء بنك للأنسجة، لا يوجد بنية تحتية تقدر تقوم بهذا العمل الآن». وبحسب تقديره، فإن التحدى لا يكمن فى الجانب الطبى فقط، بل فى غياب منظومة متكاملة تجمع بين التشريع الواضح، والبنية التحتية الرقمية، وآليات التسجيل والمتابعة والتنفيذ. ويُشدد على أن الخلط القائم فى النقاش العام يبدأ من تعريف المصطلح نفسه، موضحًا أن المقصود ليس «بنكًا» بالمعنى التقليدى، بل منظومة معلومات متكاملة. الفكرة فى وجود قاعدة بيانات وسجلات واضحة للمتبرعين وطرق ومسارات واضحة لعملية التبرع سواء بالأعضاء أو الأنسجة». وبحسب مبروك، فإن التبرع بالأعضاء أثناء الحياة – مثل الكلى أو جزء من الكبد – منظم قانونيًا منذ صدور قانون تنظيم زراعة الأعضاء عام 2010، ويتم عبر إجراءات رسمية فى الشهر العقارى وأقسام الشرطة، لكن الإشكالية الحقيقية تتعلق بالتبرع بعد الوفاة. ليس اختراعًا ويُشير عضو مجلس نقابة الأطباء إلى أن مصر لا تخترع نموذجًا جديدًا، فهناك تجارب مطبقة فى دول عديدة، موضحًا: «يُوجد نموذجان أساسيان مطبقان فى العالم وأن مصر لن تخترع العجلة، هناك دول تعتمد الموافقة الضمنية، بحيث يُعتبر المتوفى متبرعًا ما لم يرفض مسبقًا، ودول تعتمد الموافقة الصريحة، حيث يجب تسجيل الرغبة فى التبرع قبل الوفاة». وبشأن مقترح إنشاء بنك أنسجة تحديدًا لعلاج مصابى الحروق، يوضح أن الأنسجة تختلف طبيًا عن الأعضاء الحيوية من حيث آليات المطابقة ومدد الحفظ، مضيفًا» الأنسجة ليست كالأعضاء، لا تحتاج تطابق بذات الطريقة»، لكنه يشير فى الوقت نفسه إلى أن الأولوية الطبية – من وجهة نظره – غالبًا ما تذهب للأعضاء المنقذة للحياة مثل القلب والكبد والرئة. ويرى الدكتور مبروك الشيخ أن أى حديث عن إنشاء بنك وطنى للأنسجة أو تفعيل منظومة التبرع بالأعضاء لا يمكن فصله عن وجود إطار رقابى وأخلاقى صارم يضمن الشفافية ويمنع إساءة الاستخدام. ويقترح تشكيل لجنة وطنية واسعة التمثيل، تضم قضاة وممثلين عن نقابة الأطباء، والجهات الرقابية، ومؤسسات الدولة، إلى جانب أطباء متخصصين، لضمان الحوكمة ومنع تضارب المصالح. ضمانات التبرع بحسب عضو مجلس نقابة الأطباء، وجود لجنة أخلاقيات موسعة ومتعددة الخلفيات هو صمام الأمان الحقيقى، وليس مجرد النصوص القانونية. ويؤكد عضو مجلس نقابة الأطباء أن تقنين المنظومة لا يفتح بابًا خلفيًا لتجارة الأعضاء أو الاتجار بفكرة التبرع بالأنسجة، بل على العكس قائلًا: «هذه ليست تجارة أعضاء، ولكنها ستقضى على تجارة الأعضاء، ولن تفتح بابا خلفيا للاستغلال الفقراء كما يتم الترويج له، ولكن بالعكس سوف تواجه محاولات الاتجار من خلال منظومة واضحة ومسئولة، لا مجال فيها للتلاعب» ويطرح د. أحمد مبروك فكرة يعتبرها عملية وقابلة للنقاش، تقوم على منح أولوية نسبية فى قوائم الانتظار لمن يُسجل أو تُسجل أسرته استعدادًا للتبرع بعد الوفاة، فى حال احتياج أحد أفرادها لزراعة عضو. ويُشبّه ذلك بنظام بنوك الدم: «زى أكياس الدم، هاتلى متبرعين وأنا أديك كيس الدم، هى نفس القصة». ويرى أن المنع دون توفير بدائل يدفع المرضى إلى مسارات غير قانونية، قائلًا: «لو إنت عايز تمنع حاجة لازم يبقى فى حلول بديلة». عن قانون تنظيم زراعة الأعضاء الصادر عام 2010، يرى الشيخ أن النصوص فى حد ذاتها ليست المشكلة: «القانون كويس، تطبيقه هو اللى فيه مشكلة». ويُشير إلى وجود قضايا وعقوبات طالت أطباء تورطوا فى مخالفات، بعضها جنائى، لكنه يلفت إلى أن المناخ الضبابى يضع الطبيب أحيانًا فى موقف بالغ الحساسية لإنقاذ مريض، فيقوم بمساعدته مثلًا مستدركًا: «المساعدة دى تلاقى نفسك اتحبست فيها» ويرى أن وجود بنك واضح ومنظومة رسمية معلنة سيحمى الطبيب والمريض معًا: «يبقى فى بنك واضح، روح البنك واعمل كذا وخلاص». قانون جيد ولا يحتاج لتعديل قانونيًا يرى المحامى بالنقض والدستورية العليا مجدى نبيل النجار، أن الإطار التشريعى المنظم لزراعة الأعضاء فى مصر — والمتمثل فى القانون رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته عام 2017 — يوفر حماية قانونية كافية للمتبرعين ويضع عقوبات رادعة لمواجهة جرائم الاتجار. يُوضح النجار ل«روز اليوسف» أن القانون فى صيغته الأولى عام 2010 كان يقصر التبرع بين الأحياء على نطاق القرابة حتى الدرجة الرابعة، قبل أن يأتى تعديل 2017 ليوسّع نطاق التبرع ليشمل غير الأقارب، قائلًا: «فى الأول كان التبرع لغاية الدرجة الرابعة، وبعد تعديل 2017 أصبح ممكنا أى حد يتبرع لحد غريب عنه». وأكد أن القانون يتحدث عن «التبرع» وليس «إنشاء بنوك» بالمعنى المؤسسى، لافتًا إلى أن مسألة الأنسجة، مثل الجلد المستخدم فى علاج الحروق، قد تكون مشمولة ضمنيًا فى إطار التبرع، لكنها لم تُذكر بنص صريح. ويشدد النجار على أن المبدأ الحاكم للقانون هو الإرادة الحرة المنفردة للمتبرع، دون ضغط أو مقابل مادى، وأن التبرع يجب أن يكون موثقًا رسميًا، موضحًا: «لازم يكون فى بيان موثق فى الشهر العقارى، ولازم تكون إرادة حرة منفردة من الشخص». وفى حالة التبرع بعد الوفاة، يشترط القانون — بحسب قوله — تحقق الوفاة الفعلية عبر لجنة طبية ثلاثية، لضمان عدم التلاعب، مستدركًا: «يتم التحقق من موت المتبرع بلجنة ثلاثية، مش أى حد يقول إنه مات، كما يحق لأسرة المتوفى الاعتراض إذا لم يكن هناك توثيق مسبق برغبة التبرع». وبشأن المخاوف من استغلال الفقراء أو فتح باب الاتجار، يؤكد النجار أن القانون يتضمن عقوبات مشددة، بين الغرامة التى لا تقل عن 500 ألف جنيه، والسجن قد يصل إلى المؤبد». ويضيف أن أى وسيط أو متدخل يثبت تورطه فى جريمة من الجرائم المنصوص عليها يعاقب جنائيًا، وقد يُحاسب بجريمة القتل الخطأ إذا ترتب على الفعل وفاة المتبرع. يرى النجار أن القانون بعد تعديل 2017 أصبح أكثر انضباطًا من حيث الحماية والردع، لكنه يلفت إلى أن ضعف التفعيل يرتبط بعوامل مجتمعية وثقافية، مشيرا إلى ضرورة قيام الدولة بنشر الوعى حول زراعة الأعضاء وأهميتها لإنقاذ آلاف المرضى. ويشير إلى أن نشر الوعى مسئولية مشتركة بين الإعلام ووزارة الصحة والخطاب الدينى، معتبرًا أن تقبل المجتمع للفكرة عنصر حاسم فى نجاح المنظومة، بما يحقق الهدف الإنسانى للتبرع دون فتح أى ثغرات للاستغلال. موقف الإفتاء تواصلت «روز اليوسف» مع أمين الفتوى بدار الإفتاء الدكتور هشام ربيع، لسؤاله هل لتبرع بالجلد بعد الوفاة جائز شرعًا، وهل يختلف الحكم الشرعى بين: التبرع بالأعضاء أو التبرع بالأنسجة كالجلد البشرى، لكنه أجاب أمين الفتوى برسالة مقتضبة عبر رسائل الواتس آب، قائلًا: «الأمر قيد الدراسة لحد الآن، ولم نصدر أى فتوى بشأنه». ولكن فى مايو 2025، أصدر الدكتور نظير محمد عياد، مفتى الجمهورية، فتوى بأن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعًا إذا رُوعِيَت الضوابطُ الشرعيَّةُ، والمحدداتُ القانونية، مثل شرط التحقق من موت المنقول منه موتًا شرعيًّا، كما يُشترط أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل فى حياته وهو فى كامل قواه العقلية، وبدون إكراه مادى أو معنوى، وأن يكون عالِمًا بأنه يوصى بعضو معيَّن يُنزَع من جسده بعد مماته، وألَّا يؤدى النقلُ إلى امتهان لكرامة الآدمي. وتشهد مصر منذ السبعينيات، جدلًا حول مشروعية التبرع أو نقل الأعضاء، ولكن خرجت المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر ودار الإفتاء، بفتاوى واضحة على مدار خمس عقود متتالية كالتالي: فى عام 1979، فى عهد الشيخ جاد الحق على جاد الحق مفتى مصر الأسبق، والذى أصبح لاحقًا شيخًا للأزهر، أطلق أول فتوى رسمية فى 5-12-1979 حول نقل الأعضاء، قال فيها «إنه يجوز نقل عضو أو جزء عضو من إنسان حى متبرع لوضعه فى جسم إنسان، مؤكدًا أن الإنسان لديه ولاية من الخالق على أعضائه، ويمكن لوليُّه التصرف لإنقاذ حياة شخص آخر». أضاف جاد الحق فى فتواه أنه يجوز أيضًا قطع العضو أو جزئه من الميت إذا أوصى بذلك قبل وفاته، أو بموافقة عصبته، وهذا إذا كانت شخصيته وأسرته معروفة، وإلا فبإذن النيابة العامة. وفى عام 2009 أعلن الشيخ محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر، تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته، وذلك خلال مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، مؤكدًا أن نقل الأعضاء الآدمية من إنسان توفى حديثًا إلى آخر حى، محلل شرعًا. ثم أصدر مجمع البحوث الإسلامية، على هيئة فقهية بالأزهر، بيانًا عام 2009، أجاز فيه التبرع بالأعضاء للمتوفى، وهو البيان الذى فتح الباب أمام إصدار القانون رقم 5 لسنة 2010، الخاص بالتبرع ونقل الأعضاء. وفى عام 2024، الآن بعد أن ظهر هذا الجدل مرة أخرى، قال الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، إن العلاج بنقل وزرع عضوٍ بشريٍّ مِن متوفٍ إلى شخصٍ حيٍّ مُصَابٍ جائزٌ شرعًا إذا توافرت الشروط التى تُبعد هذه العملية من نطاق التلاعب بالإنسان الذى كرَّمه الله تعالى، شرط ألا تكون هناك نية للبيع وإلا كان حراما سواء كان من المتبرع، أو المريض. الصحة: إنشاء منظومة لتسهيل التبرع من جانبه، علق الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة، على مقترح النائبة أميرة صابر الخاص بتأسيس بنك وطنى للأنسجة البشرية، مؤكدًا «أن وزارة الصحة تعمل على إنشاء منظومة تضمن سهولة التبرع بعد الوفاة، بالإضافة إلى إنشاء منظومة وطنية متكاملة لبنوك الأنسجة، وعلى رأسها بنك الجلد والقرنية، وهذه الدراسة مرتبطة بمشروع مدينة النيل الطبية وتطوير معهد ناصر». وأوضح فى تصريحات صحفية، أن التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب التشوهات، وما يعزل منه مجرد طبقة رقيقة لا تتجاوز الميلى مليمترات من المناطق غير الظاهرة، ومؤكدًا: «لا يؤخذ من الوجه»، موضحا: «طبقات الجلد فى 4 طبقات ما نأخذه هو الطبقة السطحية، بينما تبقى الطبقات العميقة المسئولة عن شكل الجثمان سليمة تمامًا، ويتم ترميم الجثمان طبيًا بما يحفظ كرامة المتوفى ولا يؤثر على الغُسل أو التكفين أو الدفن». وأضاف: «التبرع بالجلد بعد الوفاة هو أمر محمود القانون ينظمه والمؤسسات الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية وافقت على التبرع بعد الوفاة قبل صدور القانون». وفى سبتمبر 2022، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى، بإنشاء أكبر مركز إقليمى لزراعة الأعضاء فى مصر والشرق الأوسط وأفريقيا داخل معهد ناصر، الذى يخضع للتطوير ليتحول لمدينة طبية جديدة، وذلك بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة بهدف إنشاء منظومة متكاملة، تشمل قاعدة بيانات مُميكنة لعمليات الزرع، والمرضى، والمتبرعين. التبرع اختيارى تمامًا من جانبها، قالت هبة السويدى، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى أهل مصر لعلاج الحروق فى حوار تليفزيونى على إحدى القنوات الفضائية: «التبرع اختيارى تمامًا، ولا أحد مجبر»، مؤكدة أن «الشخص يتبرع بإرادته الحرة قبل الوفاة، وأن الفكرة ليست سلخ الجسد بعد الموت، بل فعل إنسانى نبيل ينقذ حياة محروقين، خاصة الأطفال والكبار الذين يحتاجون إلى تغطية مساحات كبيرة من الجلد». وتابعت: إن التبرع بالجلد يمكن أن يكون أثناء الحياة فى عمليات التجميل التصحيحية، لكنه يحتاج قانونًا آخر، مشيرة إلى أن التبرع بعد الوفاة هو الأكثر فعالية لأنه يوفر كميات كبيرة من الجلد، وأن فردًا واحدًا يمكن أن ينقذ عدة حالات، خاصة الأطفال ذوى الحروق الواسعة. وأشارت السويدى إلى أن المستشفى نجحت فى زراعة جلد مستورد لحوالى 10 حالات، أصغرهم طفلة عمرها 10 شهور، وهو ما يوضح أهمية الجلد فى إنقاذ حياة الأطفال. وشددت الدكتورة هبة السويدى، على أن التبرع بالجلد فعل إنسانى يُحول الوفاة إلى أمل وحياة، مشيرة إلى أن حالة الإصابة بالحروق تتكلف 50 ألف جنيه يوميًا وعناية فائقة ل3 أشهر، وأن يعلم المهاجمين لفكرة إنشاء بنك للأنسجة وإن زراعة الجلد ليست مثل زراعة أعضاء تانية، لأن مريض الحروق لا يحتمل قوائم انتظار، ويحتاج التدخل الفورى وإلا هيموت».