جاء الإعلان عن وحدة الكنائس المصرية، الأورثوكسية والكاثوليكية والإنجيلية، كرد فعل كان متوقعا، لكنه لم يتأخر كثيرا على خلفية الصعود الإسلامي "المثير للجدل والفزع" في آن. وجاء تصريح الأنبا تاوضروس – بابا أقباط مصر، بنفي كون هذا التوحد له علاقة بالمستجدات السياسية، كنفي النفي، أي بالإثبات. وأتي قرار توحيد الكنائس المصرية، على الرغم من الاختلافات التى تبلغ حد التكفير في بعض الأحيان، على طريقة أنا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على "الغريب". والغريب هنا بالطبع، ليس الإسلام الذي عاش في مصر وعاشت مصر فيه، بجميع طوائفها لألف وثلاثمائة عام، فى حالة فريدة من التناغم الاجتماعي والإنساني، بلغ حد إثارة حقد وحسد الغزاه، وفي نفس الوقت مكائدهم، سواء ما كان من الحملة الفرنسية، قبل ثلاثة قرون من الزمان، أم الاحتلال البريطاني قبل نيِّف وقرن. ولكن الغريب هي تلك الكيانات التى اتخذت الإسلام ستارا لاقتحام المشهد السياسي، وإقحام وجودها على مجتمع مستقر، لتثير زعابيب الفتنة وتوقظ نيران فتنة، لعن الله من أيقظها، أو كما قال رسول الله – صلَّ الله عليه وسلم. صدَّعوا رؤوسنا سنواتً طوال، بشعارهم اللدود: الإسلام هو الحل. وعندما أصبحوا وأصبحنا فجأة وزمام الحكم في أيديهم، إذا بهم يلقون بشعارهم وراء ظهورهم، وبحيث لم يصدر قرار عن رئيسهم الذى على قمة السلطة فى مصر، له علاقة في شيئ بمقولة: "الإسلام هو الحل"........ حتى شعارهم الذي اتخذوه مطية انتخابية خدعوا بها البسطاء، والمتدينين، والفارِّين إليهم كفرا بنظام فاسد وفاجر، باعوه هو الآخر. لقد زعموا تمسكهم بمبدأ "لا فصل للسياسة عن الدين ولا فصل للدين عن السياسة"، والآن ....... فيقل لي أحد منهم، أيُّ قرار أو موقف سياسي، أو اقتصادي اتخذته الجماعة، ممثلة في حكومتها أو برلمانها أو شوراها أو رئيسها، له علاقة بالدين في شيئ، اللهم إلا القرار الصادم، بإغلاق المحال التجارية من بعد العشاء، هكذا فجأة، بدعوي النوم مبكرا، وترك مشاهدة التلفاز والاستيقاظ مبكرا من أجل العمل والإنتاج. وهو القرار الذي كان إن تم تطبيقه، سيستثني منه البارات (الخمارات) وكباريهات شارع الهرم وعلب الليل بشارع فيصل، لأنها جميعا ضمن المنشآت السياحية، وهي بالمناسبة، الأعلي تسديدا للضرائب. ضرائب على مال حرام؟؟؟؟؟؟؟ ولم لا؟........ فالضرورات تبيح المحظورات، تماما كما عادت ليالِ الأُنس في عهد الإخوان السعيد، بإقامة الحفلات لنجمات الطرب الشهيرات بمغنيات الإغراء، بمنتهي الحرية والعدالة، من منطلق الإثبات للعالم صدق وعودهم، أن لا مساس بالسياحة، ولا الخمر ولا البيكيني...! تغير الشعار إذن، من "الإسلام هو الحل"، إلى "الضرورات التى تبيح المحظورات".......! وعلى أساس هذا المبدأ، اختارت قيادة الإخوان السياسية، دولتين، هما الأكثر عداء لمصر، لمجرد أن تربطهما مصالح مادية ومفاهيم دينية مشتركة، تتعلق بالإخوانيين وليس بالمصريين. اختاروا قطر، الكيان الصهيو عربي، الدولة التى تبني المستوطنات للمحتلين الصهاينة، على الأرض العربية المغتصبة، لتكون هي الداعم الأول للاقتصاد....! على الرغم من الخطورة التى تزداد انكشافا يوما بعد يوم من تنام النفوذ القطري في مصر، وما منا ببعيد، عملية استحواذ بنك قطر الوطني على بنك سوسيتيه جنرال – فرع مصر - الذي تضم سجلاته، بيانات غالبية القيادات العسكرية للجيش المصري، ومن قبلها المشاريع المشبوهة، التى تحاول قطر غرسها إن لم يكن في قلب ففي جنب قناة السويس، أحد أهم عناصر الأمن القومي المصري. واختاروا إيران، التى كانت هي البادئة، بتحويل الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة، إلي صراعات إثنية، بدعمها للمشاريع التوسعية الهادفة لنشر الفكر الشيعي، مُرتكزة على أركان معسكرها، في لبنان (حزب الله) ودمشق (نظام الأسد الديكتاتوري الدموي) وأخيرا في العراق (حكومة المالكي). وحيث التقارب واضح بين نموذج ولاية الفقيه في طهران، وولاية المرشد في القاهرة. وعلى أساس هذا المبدأ كذلك، تم تبرير الاقتراض بفوائد ربوية من الكيانات المالية التى لم تحقق إطلاقا أي تنمية حقيقية في أي من الدول التي مدت أيديها للتعاون معها، وإلا فليقدم لي فقيها اقتصاديا، مؤشرا إيجابيا واحدا تحقق على المستوي الاقتصادي أو الاجتماعي في دول العالم الثالث، التى تعد "الزبون" الأول لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي..؟ لم تجن أي دولة تعاملت بالقروض مع هذه الكيانات سوي الفقر والصراعات الاجتماعية، واسألوا البرازيل والأرجنتين، أو بالمقابل اسألوا ماليزيا وغيرها من دول الاقتصاد الإسلامي، التى – وحدها – نجت من تسونامي الانهيار الاقتصادي العالمي، الشهير بأزمة الرهن العقاري عام 2008. على أساس المبدأ ذاته أيضا، تم تبرير التصالح مع كبار اللصوص الذي نهبوا ثروات الوطن ومدوا أيديهم في جيوب أبنائه، حتى أفرغوا ما بها في حلوقهم الواسعة وبطونهم الجشعة، بل واستغلوها في تمويل استيراد المخدرات والمواد الغذائية المسرطنة وتجارة الرقيق الأبيض وحولوا اقتصاد الدولة إلى اقتصادهم الخاص بهم، باحتكارهم أقوات الناس وإفسادهم في الأرض، ثم يأت وزير "عدلهم"، أحمد مكي، ومالك خزائنهم، حسن مالك، ليعلنا وغيرهما، أن لا مانع من التصالح مع المحتكرين والجواسيس واللصوص، مادموا سيدفعوا قيمة ما يتم (التوافق) عليه، مقابل تركهم يواصلون إفسادهم، أو علي الأقل قضاء بقية حياتهم يستمتعون بثرواتهم، وأهليهم، وما يأكلون في بطونهم إلا النار وسيصلون سعيرا، هم ومن تصالح معهم، بإذن الله. تري أين هذا التصالح على دماء الضحايا وأموال الفقراء، يا إخوان يا مسلمين، من حديث النبي صلَّ الله عليه وسلم: لا قدَّس الله قوما إذا سرق فيهم الغني تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد..؟ قومٌ هذا شأنهم، وجماعة تلك سلوكها، وحكومة هذه سياساتها، وإخوان هذا وصفهم، جديرون أن يثيروا الشك في كل ما يقولون، خاصة فيما يتعلق بالتمسك بالمساواه بين جميع أبناء مصر، مسلمين وأقباط، وإعلاء شأن الوحدة الوطنية. فقراءة واحدة لوثيقة فتح مصر التى كشفتها الصدفة وحدها عام 1993، كافية تماما لإرهاب ساكني مصر من أهل الكتاب، ناهيك عن قطاع كبير من المسلمين أنفسهم. تنص الوثيقة على أن جميع من علي غير ملِّة الإخوان المسلمين، فهم إما كفار يجب قتالهم أو ضالين يجب استتابتهم، فإن لم يتوبوا وجب قتالهم، ومن ثم إعادة فتح البلاد التى عادت إلى حظيرة الشرك، بعد أن كانت في فسطاط الإيمان. من هنا فقط يمكن فهم المشهد، الذي تسلل الاستقطاب الديني إلي جنباته حثيثا، حتى بات العنصر الغالب عليه، عبر قرار الكنائس الأخير، بالتوحد ....... في مواجهة اشتداد سطوة ونفوذ المتأسلمين. الخطير في هذا القرار، أنه سيحظي - بكل تأكيد – بتأييد أقباط المهجر، الجاهزين منذ نحو عامين بحكومتهم المُهلنة رسميا في واشنطن، يرأسها متطرف يُدعي "عصمت زقلمة"، ويشارك في عضويتها متطرف آخر متهم بالإساءة للرسول الكريم – صلَّ الله عليه وسلم – عبر المشاركة في إنتاج الفيلم المسيئ، وهو موريس صادق. وهكذا نجح الإخوان وجماعتهم فيما فشل فيه الاستعمار البريطاني والفرنسي، وليقدموا مصر مُقَطَّعة الأوصال على طبق من فضة للاستعمار الصهيو أميركي، تنفيذا حرفيا لبنود مخطط الشرق الأوسط الكبير. فهنيئا للاستعمار مصر، ولأهلها الصبر والسلوان على حكم الإخوان.