هدوء في ميدان التحرير.. متظاهرون في الطرقات والخيام.. أفراد اللجان التأمينية على أطراف الميدان متأهبين لأي جديد.. المنصة تستعد لجدول اليوم من الأغاني الوطنية والهتافات.. أجواء باتت اعتيادية داخل بيت الثورة، في 2 فبراير 2011، قبل أن ينشق الغبار بغتة عن مجموعة انقضت على الميدان بجِمال وخيول ملوحين بأسلحة بيضاء في وجوه الجميع.. لحظات وانتهى شرهم على يد الثوار، وفي قلب المشهد كانت السيدة الخمسينية "مها عفت" تتابع الموقف عن كثب، قلقة كالآخرين، شغلها الحدث فأدارت بعد أيام نقاشا واسعا مع "أدهم" نجلها "لازم نعمل حاجة تجذب الناس" قلقت وفكرت وابتكرت أول علم مصري ممهور بشعار الثورة. "مها" المناضلة منذ فترة السبعينات، التي اعتادت على خوض معاركها ضد الحكومات بالمظاهرات والأفكار البراقة، اختارت هذه المرة أن تقف أمام نظام "مبارك" وحاشيته، بعَلم مُطعم ب "25 يناير" لأنه وسيلة جذب مُحببة لدى المصريين، كانت تدرك بُحكم عملها في وزارة الثقافة أن الفن قادر على الوصول إلى الجميع "بيشد الناس"، وأن ظهوره سيكسر أي حالة ملل قد تسري في ميدان التحرير، لذا حاولت أن تخلق حالة جديدة بأن يصبح في يد كل متظاهر علم مكتوب عليه ثورة 25 يناير. دون أن تعلم انطلق زوجها وابنها بتصميمها إلى منطقة بولاق أبو العلا، وفي مطبعة صغيرة صنعوا كميات كبيرة من "عَلم الثورة"، ثم اتجهوا إلى ميدان التحرير لتوزيع الأعلام على الثوار "أول ما جم بالأعلام كانت بتتخَطف من المتظاهرين"، لكنها تمكنت بالكاد من الحصول على أخر عَلم تبقى معهم، صار رفيقها في كل أرجاء الميدان. سعادة غامرة تملكت "مها" طوال أيام وليالي الثورة، كلما رأت المزيد من الأعلام التي ابتكرتها موجودة هنا أو هناك، على المنصة، في يد طفل، على مداخل الميدان، غطاء يلتحف به رجل عجوز ليلا، تصرخ كطفلة من الفرحة "علمي أهو" فلم تكن الأعلام قد انتشرت وقتها خارج حدود ميدان التحرير. لم يعد العَلم يفارقها كلما زارت ميدان التحرير، بات يميزها بين الأصدقاء "لما بتوه من حد بيعرفني من العلم الباين على ضهري"، واستكملت الأسرة مسيرتها في طبع المزيد من الأعلام ونشرها بين الثوار يوميا حتى تنحي "مبارك" في 11 فبراير 2014. في الآونة الأخيرة كلما تحسست العَلم يتملكها الحنين لأيام الميدان، تتذكر اليوم الأول لها في الثورة مع جمعة الغضب كأنه الأمس، خروجها من منزلها بشارع الصيد، انضمامها إلى المسيرة، المواجهات الصعبة أمام قوات الأمن، وصولها الميدان، رفضها العودة "قلت لابني روح أنت أما مش راجعة" قالتها بثقة لم تفارقها حتى الآن رغم مرور السنوات"أنا لسه متفائلة رغم الأزمات.. وعشان كدا لسه محتفظة بعَلم الثورة".