عبر مشوار فني طويل استطاع الفنان رضا عبد السلام أن يقدم للحياة الفنية 40 معرضا شخصيا عبر في كل منها عن مضامين إنسانية وجمالية متأثرا بمفردات البيئة والطبيعة التي سكنته، وقد كان أحدث تلك المعارض هو معرض "روح الأمكنة" الذي استضافته مؤخرا قاعة بيكاسو .. وقد اختار الفنان "الأمكنة" لأنها ليست مكانا محدودا وإنما هي تلك المشاهد التي اختزنها في وجدانه بداية من طفولته وشبابه بالسويس ثم انتقاله للمدينة الصاخبة بكل متناقضاتها وضوضائها وسطوتها وجمالها أيضا. المكان عامل مهم جدا في تجربة عبد السلام الإبداعية الممتدة منذ بدايته بالسويس التي انعكست في كثير من أعماله، فلا غرو وهو ابن البحر والسماوات المفتوحة والأفق الممتد، حيث اختار أن يكون موضوع معرضه الأول في الثمانينيات "مشاهد بحرية".. إلا أنه ومع ذلك كان يعمل طوال الوقت في خطين متوازيين بين حياة الساحل من جهة ، والمدينة بعشوائيتها وصخبها وأنوارها وقتامتها أحيانا من جهة أخري، حيث كان لانتقاله للمدينة تأثير كبير في تجربته التشكيلية، فالقاهرة كما يصفها مدينة تاريخية ومليئة بالمتناقضات.. مليئة بالملوثات البصرية وبالصخب والضوضاء ولكنها مليئة بالحياة والطاقة. وليس المكان وحده هو جوهر تجربة الفنان رضا عبدالسلام بل هو المكان المرتبط بالزمن والمشاهدات التي امتزجت جميعا لتخرج في شكل شحنات فنية محتشدة بالرموز التي تنتمي إلي الجذور منذ عهد الفراعنة وحتي يومنا هذا.. حيث يقول الفنان: تتعدد وتتنوع مصادر الإلهام والإبداع في الفن .. فالطبيعة، والواقع الحياتي، والبيئات المختلفة، وقصص التاريخ، والفكر، والأحلام، والتاريخ، والموسيقي والشعر والتراث وغيره تمثل في حقيقة الأمر منابع إلهام ومحفزات جمالية للعديد من الفنانين التشكيليين. والمكان الغالب في معرضه الأخير هو البيئة الشعبية، وهو ما يقول عنه الفنان: المشاهد المثيرة للمناطق العشوائية الفقيرة وملوثاتها البصرية والأجواء الشعبية الحميمة الدافئة، بكل ما تمثله من ذكريات وتناقضات ثقافية واجتماعية هما الأكثر إلحاحا علي دوافعي الإبداعية خلال السنوات الأخيرة لذلك أجدني مهتما بالتفكير والتعبير عنهما كلما سنحت الفرصة دونما الاستعانة برسوم تحضيرية أو اسكتشات، بل علي محصلتي البصرية من تأملات لمشاهد متنوعة أعايشها يوميا وعلي الطاقة الكامنة، في صياغة تشكيلاتي وتكويناتي التصويرية المختلفة، من أجل بلوغ المقصد الجمالي، والمعني الرمزي الكامن في روح المكان وهويته وعراقته.معتمدا في ذلك علي الاستخدام التقني والمهاري لأدوات التعبير من خط ولون وضوء وإيقاع وتوازن للمساحات المجردة والمنظور اللوني والفراغي وغيره. وغالبا ما تتأسس لوحات عبد السلام علي عملية البناء التراكمي المتدرج، والتقسيم الهندسي للمساحات، وتعدد طبقات النسيج اللوني وكثافته، والتحديدات الخطية السمكية التي تؤكد علي هيئة الأشكال المختلفة ،سواء كانت إنسانية ورمزية أو تجريدات إيحائية وعناصر أخري مكملة. حيث يعلق عبد السلام علي أحد لوحاته قائلا: التكوين المركب لعناصر من المساحات اللونية المجردة والتحديدات الخطية القوية ذات النسق الهندسي المتداخل وتعدد زوايا الرؤية ..هذا التكوين يفصح عن شكل ومحتوي أماكن مختلفة قد تكون موجودة هنا وهناك في محيطنا البيئي خاصة في المناطق الشعبية الفقيرة التي تمثل نموذجا صارخا للعشوائيات والإهمال واللأدمية لكن لا نراها هكذا في الواقع وإنما في مخيلتنا الحالمة الجميلة. كذلك يتضفر العنصر الإنساني داخل أمكنة عبد السلام بصور مختلفة فتارة هو واضح تماما وتارة آخري يختفي داخل اللوحة ولكنه موجود، حيث يقول الفنان : حتي لو نفيته ولم يعد موجودا فإن الأماكن هنا هي الكائن التي يذوب فيها الإنسان ويصبح جزءا من روحها. وقد جسد عبد السلام نماذج متنوعة من الشخصيات حتي أنه قدم الفتاة المنتقبة التي احتلت مساحات كبيرة في أكثر من لوحة، حيث يقول رضا: في معظم لوحاتي ستجدين الصليب والهلال لأنها مصر بمفرداتها ونسيجها الاجتماعي، كذلك فإن الفتاة المنتقبة الآن أصبحت تيمة شعبية. وللكلمة دور مهم جدا في تجربة عبد السلام الفنية، حيث يقول : أبدأ بالكتابة عن المعرض والتنظير له بعد الانتهاء منه وإيجاد القواسم المشتركة، فالكتابة تساعدني علي فهم أعمالي أكثر وإدراك القيم الجمالية والتعبيرية والرمزية ، كذلك عندما أحب أن أفهم أعمال غيري أكتب عنهم، فالكتابة تساعدني علي كشف الآخر. والفنان رضا عبد السلام أستاذ التصوير الجداري بكلية الفنون الجميلة ، وصدر له ثلاثة كتب في الفن: "الرسم المصري المعاصر " و" الرسوم التحضيرية وعلاقتها بلوحات مصطفي أحمد"، أما الثالث فعلي هيئة قرص مدمج ».D عن الفنان شوقي زغلول. إضافة إلي دراسات فنية حول الفنانين: منير كنعان، وزكريا الزيني، ومحمد الشعراوي، وروؤف رأفت، بخلاف كتاباته حول قضايا الفن التشكيلي والتعليم، وفن الرسم المعاصر والبيئة والجمال. كما إن له تجربة متميزة في تحويل البناية التي يقطن بها في مدينة 6 أكتوبر إلي معرض مفتوح دائم لأعماله .. حيث حول الطوابق الداخلية لمعرض لأعماله يشاهدها السكان وكل من يزور البناية، ولذلك حكاية آخري .