يُعتبر أحمد الشهاوي حالة إبداعية مختلفة ومتميزة في الوقت نفسه، فهو شاعر بالأساس، وحين مارسَ الفن التشكيلي، أنتج لوحات فنية لاقت استحسان نُقاد عديدين، مع أنه كان يلعب فنيًّا، غير مُتعمد احترافَ الرسم، وإضافة إلي هذا وذاك، هو ناثر كبير تمتاز جملته بالبساطة ويتحلي سرده بالانسيابية والسلاسة ويتحلي فكره بالموضوعية والحياد.حديثًا أصدر الشهاوي عن الدار المصرية اللبنانية كتابه النثريّ الذي عنْونَه ب » نُوّاب الله » وفيه ينشر، بعد أن تنازل مؤقتًا عن ثوب الشاعر، وارتدي معطف المثقف المفكر الذي يغار علي رِفاقه علي درب الإبداع، مثلما يغار علي صحيح دينه، ولا يُرضيه أن يشوهه البعض لقصورٍ في تفكيرهم، أو عدم وجود تفكير لديهم أصلا، ينشر مجموعة مقالات يناقش فيها عدة قضايا بالغة الأهمية علي صُعُد مختلفة، سياسيًّا وإبداعيًّا ودينيًّا، إلي جانب ما وصل إليه حال البعض من تطرف ومغالاة في الدين والدنيا، مستنكرًا علي البعض أن يُنصّبوا من أنفسهم نُوّابًا لله يدافعون عن دينه عن عدم فهم، واصفين كل مَن يخالفهم الرأي بالكفر والإلحاد، بل تعدّوا ذلك وصولًا إلي محاكمة الكتابات الإبداعية، مطالبين بقتل أصحابها أحيانًا وبسجنهم أحايين أخري. ثقافة الحرق يقسّم الشهاوي كتابه، الذي لا يُغني هذا العرض الموجز له عن قراءته كاملا لأهميته، إلي أحد عشر قسمًا، هي بالترتيب: بداية الكتاب، تنبيه الغبي، لابس الدين، الكلام باسم الله، يربّون عضلات الجهل، حماية حرية الكلام، البخاري ليس إلهًا، فقه الغناء، حسن البنا صريع الغواني، سيد قطب من القُبلة إلي القنبلة، ولم أستبح خبز الآلهة.الشهاوي يبدأ كتابه، في مقاله الكلام يُحيي ويُميت، قائلًا إنه لم يكتب ليحقق مالًا، أو يجد ما يحقق له حياة كريمة عند التقاعد أو قبله، إنه يكتب فقط لأنه لا يعرف سوي أن يكتب، وحيث لا مهنة له غير الكتابة.الشهاوي يري أن الكتابة هي التي تُغيِّر، هي القادرة علي إحداث ثُقب غائر فيمن يقرؤها، بحيث يصير إنسانًا آخر أثناء وعقب الانتهاء من القراءة، مثلما يري أن الله يحب من عباده من يقرأون أكثر مما يكتبون، ولذا خاطب نبيه ب » اقرأ » ولم يقل له » اكتب» ولهذا يري الشهاوي أن كل قراءة تفتح أعيننا علي آخر جديد، إذ لا توجد قراءة سيئة، فالسييء فقط هو الرقيب الذي يرفض المطلق في الدين والسياسة والآداب والفنون، مشترطًا سيطرة غاشمة علي كل حرف يخطه أي كاتب.أيضًا يستهل الشهاوي القسم الذي سماه بتنبيه الغبي قائلًا: » ثقافة الحرق جزء أساسي من صفحات التاريخ الإسلامي، فمن يحرق كتابًا من اليسير عليه أن يحرق إنسانًا، ومن يحرق بشرًا لن يتهاون لحظة في حرق الكتب.والحرق يعني الإلغاء، ويعني الحذف، وشطب ما يخالف الآمر بالحرق ».الشهاوي يقول كذلك إنه منذ العام 38 هجرية صار الحرق سُنّة مُتَّبعة بين الخلفاء والولاة والأمراء والقُوَّاد في زمن الخلافات الإسلامية المتعاقبة، وانتشر وزادت وتيرته في الدولتين الأموية والعباسية.ولهذا يري الشهاوي أن ما فعلته داعش ما هو إلا صورة طبْق الأصل لما مارسه الخلفاء والأمراء المسلمون ضد معارضيهم ومخالفيهم في الرأي.ويضيف فيقول كأن فقهاء داعش التعساء الضعفاء يفتحون كتب التراث لينقلوا ما فعله أمثالهم في التعذيب وطرائقه وأساليبه وألوانه. خلفاء الله علي الأرض وحين يتطرق لموضوع الخلافة، يقول الشهاوي إن الذين يطلبون الخلافة الإسلامية، يهدف المتواضعون منهم إلي أن يكونوا خلفاء للنبي، أما المتكبرون منهم فيريدون أن يكونوا خلفاء الله علي الأرض، بمعني أنهم ظلاله، أو مندوبوه، أو المتحدثون الرسميون الوحيدون باسمه، وما عداهم كفار وزنادقة وملحدون وخارجون عن الدين، ومهرطقون.وفي موضع آخر يقول الشهاوي إذا كان القرآن ككتاب سماوي أداة أساسية لبناء حضاري للأمة، وسببًا لتقدمها وازدهارها، فإننا نري بعض الذين خرجوا علي قيّم هذا الكتاب ومبادئه، يَجُرّون الأمة نحو التعصب والحقد والفرقة والعبودية بحجة سيادة العالم، وجعله يتحدث بلسان واحد ويدين بدين واحد، وهذا ما لا يمكن تصوره، وما لم يأتِ به كتاب، لأن الله خلق الشعوب ليتعارفوا.الشهاوي يري أيضًا أن قواعد الفقه ليست جامدة، لكن العقول هي الجامدة، إضافة إلي تشدد الذين يتكسبون من الإسلام، ويتعيشون منه.هذا ويصف الشهاوي من يرتدون عباءة الدين كذبًا وافتراءً علي الله بأنهم لا يفقهون، لا يصدقون، لا يعقلون ولا يفهمون، يجادلون فيما لا يدركون، لا يعترفون بخطئهم وضعفهم ويدّعون ويبررون ما لا يحتاج إلي تبرير، يتظاهرون بالغباء، أو هم فعلا كذلك، وقد اعتادوا علي الكذب أو احترافه أو اتخذوه أسلوب عيش وتكسُّب.ومن هنا يوجه الشهاوي رسالة إلي كل تاجر دين سائلا إياه لماذا يتغطي بالدين إذا ما كان يريد أن يحقق شيئًا يبتغيه لنفسه في الحكم أو في الجلوس علي مقعد السلطة.فالدين ليس ستارًا يُتغطَّي به، وهؤلاء بصنيعهم هذا يدفنون الناس أحياء، بعدما يطمرون عليهم التراب، أو يضربون أعناقهم لأنهم يرونهم خارجين عن الدين.كذلك يتوجه الشهاوي لمثل هؤلاء فيقول لهم إنهم من الممكن أن يحتجوا بأية طريقة مناسبة لهم، يبتكرونها أو يكررونها أو يستنسخونها من آخرين أو مماثلين لهم في مكن ما، لكن عليهم أن يبتعدوا عن أن يُكفّروا مخالفيهم في الرأي. فكرة حرية التعبير كذلك يناقش الشهاوي قضية الرقابة والمنع في مقاله يا أمة ضحكت من رقابتها الأمم فيكتب قائلًا: إذا منعتَ نشرْتَ، وإذا راقبتَ خسرتَ، وفضحت نفسك كرقيب، وكبلد يُراقِب، وبدلًا عن أن تُروج لوطن أو لأمة، فأنت هتكتَ سُمعتها وعرّضت بتاريخها الثقافي والسياسي، خاصةً إذا كان بلدًا كبيرًا ومتحضرًا كمصر له جذور قديمة في ترسيخ الديمقراطية وتأسيس فكرة حرية التعبير عبر سنوات من النضال والمجاهدة.الشهاوي يستنكر علي الرقيب منعه لبعض الأعمال الإبداعية رغم كونه موظفًا عاديًّا وهو ليس مفكرًا ولا كاتبًا ولا شاعرًا ولا أديبًا ولا حتي مثقفًا.الشهاوي يري أن الوهن والضعف البادييْن ظاهريًا في جسد الأمة، هما اللذان يجعلان الرقيب يخرج شاهرًا سيف المنع في صلف معهود فقط في خطب الديكتاتور وسلوكه في التاريخيْن القديم والمعاصر.كأن علينا أن نتفرغ طوال الوقت لحماية حرية الكلام وهي حق طبيعي، وليس منحة أو اكتسابًا، في ظل دعوة الدين وكتاب الله إلي حرية التعبير والاعتقاد.الشهاوي يضيف كذلك أن المنع اليومي أو الأسبوعي للكتب والمطبوعات في مصر لهو نَحْر تدريجي في سواحل الحرية الجديدة التي نحاول بناءها، أو إعادة الحياة إليها بعد موت زاد علي نصف قرن.الشهاوي يريد من الرقيب أن يعلم أن المحظور محمود، وأن الصوت الممنوع أو المقموع مسموع، وهو الأكثر شهرة وانتشارًا، وما مُنِع صوت إلا ووصل إلي قطاعات عريضة في أنحاء متفرقة من البلاد، والأدلة أكثر من أن تحصي.هذا بالطبع ما كتبه الشهاوي عن الرقابة والمنع، تُري ماذا يكتب بعد تعرّض بعد الكتّاب، أحمد ناجي نموذجًا، للسجن ولمدة عامين، بسبب بضعة ألفاظ خدشت حياءَ شخصٍ مخدوشًا أصْلاً ؟.. لقد كتب أنه بوشاية من كاتب يمكن لك، كمبدع، أن تصبح ضحية للرقابة، وبرسالة قصيرة من آخر أيضًا، يمكن أن تصير رقبتك تحت حبل مشنقة المصادرة والمطاردة، وربما الجزّ والقطع والقص والذبح، وأضيف أنا: والسجن طويل الأمد.وفي الأخير يري الشهاوي أنه لن يكون هناك تنوير يقود المجتمع ويصوغه، ولن يوجد تجديد للخطاب الديني إلا في وجود صحافة حرة وعدم تقييد حرية التعبير، إذ كل حدٍّ من حرية التعبير، قولًا أو صحافة أو كتابة أدبية، لهو انتقاص من شخصية الأمة وفرض حظر علي العقل الذي يفكر ويبدع.