قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    نيويورك تايمز: ترامب لا يعتزم العفو عن مادورو    نيويورك تايمز عن ترامب: الصين وروسيا لن تستخدم منطق إدارتي وفنزويلا تهديد مختلف عن تايوان    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    «نيويورك تايمز»: ترامب لا يعتزم العفو عن مادورو    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    يلا شوت بث مباشر المغرب والكاميرون اليوم في قمة ربع النهائي الإفريقي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    مفاجأة تغير مجرى التحقيقات بوفاة أب وأبنائه في ظروف غامضة بشبرا الخيمة    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    رضوى الشربيني تفجر مفاجأة عن أزمة لقاء الخميسي ومحمد عبد المنصف    الكيبوب يهيمن على ترشيحات جوائز iHeartRadio الموسيقية لعام 2026    موعد مباريات اليوم الجمعة 9 يناير 2026| إنفوجراف    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    حاكم بيلجورود: أوكرانيا شنت ضربة صاروخية على البنية التحتية في المقاطعة دون وقوع إصابات    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    اليمن يعفي وزير الدفاع من منصبه ويحيله للتقاعد    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    ريهام حجاج تواصل تصوير مسلسلها «توابع» تمهيدا لعرضه في رمضان    دمشق تستضيف الملتقى الاقتصادي السوري- المصري المشترك الأحد المقبل    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    الأكاديمية العسكرية تفتح باب التسجيل فى برامج الدراسات العليا للتخصصات الطبية    غدًا.. إعلان نتائج 49 مقعدًا ب27 دائرة    كبير الأثريين: مصر تسجل رقمًا تاريخيًا بوصول عدد السائحين إلى 19.5 مليون ب2025    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    مواجهة نار في كأس آسيا تحت 23 عامًا.. العراق يفتح النار على الصين في انطلاق المجموعة الرابعة    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انشطار الطير
نشر في أخبار الحوادث يوم 02 - 07 - 2016


عجوز القطار
علي رصيفٍ‮ ‬أخرس،‮ ‬وقفت بلا حراك أنتظر قطارًا آخر‮ ‬غير الذي فاتني،‮ ‬كان الحر‮ ‬ينشر رداءه علي رؤوس تخفّتْ‮ ‬تحت المظلات وأوراق الجرائد أو أشجار لم تسقط أوراقها المُشَرشَفة بعد،‮ ‬كانت الأنداء الحارة علي جبيني قد نبهتني أن ألتمس أحد المقاعد المجاورة التي تعلوها مظلة تمنع بعضًا من هجير الصيف،‮ ‬جلست أتكئ علي‮ ‬يد المقعد ثم هممت بتصفح جريدة كنت قد اشتريتها من البائع الرابض خارج المحطة‮.‬
‮ - ‬لن تستمر موجة الحر طويلًا
‮ ‬قالتها بجانبي بعدما أزاحت خصلاتها المتفجرة البياض عن وجهها الذي بات راكدًا‮ ‬علي ما‮ ‬يبدو منذ فترات طويلة،‮ ‬شعرها المياس‮ ‬يوحي بأن الزمن لم‮ ‬يكن ليجرؤ أن‮ ‬يقترب إلا من لونه فحسب،‮ ‬نظرت إليها علي‮ ‬غير اكتراث ثم ابتسمت سريعًا حتي لا تتمكن من التقاط أول خيط تضع في أوله كلامًا‮ ‬يجهدني ويشغلني عن قطاري القادِم‮. ‬حاولتُ‮ ‬أن أقومَ‮ ‬من مكاني وبصوتٍ‮ ‬خفيضٍ؛ كي لا أخدش ترقُّبها،‮ ‬همستُ‮:‬
‮- ‬الله‮ ‬يعيننا ويعينُك‮ ‬يا أمي
ابتسمتْ‮ ‬لي بدورها ولَمْ‮ ‬تُشِحْ‮ ‬نظرَها عن عينِي،‮ ‬عينِي الخَجلي التي تحاشتْ‮ ‬النّظر إليها تمامًا كطفلٍ‮ ‬مذنِب،‮ ‬لا أدري كمْ‮ ‬كان عمرها،‮ ‬ولا أدري إنْ‮ ‬كانت هذه التّجاعيدُ‮ ‬الفادحةُ‮ ‬تُفشي عُمرًا أمْ‮ ‬قهرًا؟ لوّنت الشمسُ‮ ‬العنيدةُ‮ ‬ملامحَها المتألّمة،‮ ‬وابتسامةٌ‮ ‬أكثرُ‮ ‬عِندًا لم تُفارقْ‮ ‬غزارةَ‮ ‬الحكايات في وجهها،‮ ‬حتي إنني لا أعرف ما الذي دفعنِي لأن أنظرَ‮ ‬إلي عينيها المتوهجتين‮! ‬وكباحثٍ‮ ‬عنْ‮ ‬سطرٍ‮ ‬ضائعٍ،‮ ‬اقتربتُ‮ ‬أكثر،‮ ‬ثم جلستُ‮ ‬بجانبها مرة أخري‮. ‬علتْ‮ ‬صافراتُ‮ ‬القطارِ‮ ‬المؤذنةٌ‮ ‬بقدومِه،‮ ‬يقتربُ‮ ‬ببطء ليتوقف في محطتِنا‮."‬ها قد جاء قطارُنا‮" ‬هللتْ‮ ‬بمرحٍ‮ ‬و كأنها أصابتْ‮ ‬ورقةَ‮ ‬اليانصيبِ،‮ ‬ردةُ‮ ‬فعلِها كان لها مِن المُبالغة ما أثار حفيظَتي قليلًا؛ فقمت متعللًا باللحاق بالقطار قبل أن‮ ‬يتركني معها‮.‬
في القطار،‮ ‬بعد دقيقتين ذقتُ‮ ‬فيهما عناءَ‮ ‬اختراقِ‮ ‬الجمع الذي كدّس مدخلَ‮ ‬القطارِ‮ ‬كيومِ‮ ‬حشرٍ‮ ‬لا هوادة فيه،‮ ‬وجدتُ‮ ‬مقعدي أخيرًا،‮ ‬ليس ببعيد من باب الدخول‮. ‬وضعتُ‮ ‬حقيبتي الخفيفةَ‮ ‬ثم ارتميتُ‮ ‬علي مقعدي كجثةٍ‮ ‬هامدةٍ،‮ ‬ولَولا صافرة القطارِ‮ ‬لأدركني النعاس وغرقتُ‮ ‬فيه،‮ ‬إلا أن الفزع الذي تملّكني علي إثر الصافرةِ،‮ ‬لم‮ ‬يكن بقدرِ‮ ‬ما أحسستُه عندما وجدتُ‮ ‬المرأةَ‮ ‬العجوز تتقدمُ‮ ‬ناحية مقعدي وكأنها تبحثُ‮ ‬عن شيءٍ‮ ‬آخر‮ ‬غير المقاعدِ،‮ ‬وبنظرتها الثاقبة،‮ ‬تلاقت عينانا حتي سرتْ‮ ‬رعدةٌ‮ ‬خفيفةٌ‮ ‬زحفتْ‮ ‬من أسفلِ‮ ‬ظهري إلي أعلي عمودي الفقري،‮ ‬وجلست بجانبي‮.‬
‮-‬أهلًا‮ ‬يا ولدي،‮ ‬آسفة علي تأخيري‮.‬
قالتْها باطمئنان دون أن تنظر إليّ،‮ ‬ووجدتُني أردُ‮ ‬علي تحيتِها ذاهلًا دون مقاومة‮..‬انطلق القطار بسرعة،‮ ‬علي وقع النبضات المتلاحقة التي أصابتْ‮ ‬قلبي‮. ‬بهدوءٍ‮ ‬يُشبه أنينَها الخفي،‮ ‬أخرجتْ‮ ‬حافظةَ‮ ‬نقودِها التي كانتْ‮ ‬تعجُ‮ ‬بالمال،‮ ‬و بصورٍ‮ ‬قديمة و حديثة مختلفة الأحجام،‮ ‬انتقتْ‮ ‬من وسطها صورة قديمة لطفلة تشع نُورًا،‮ ‬ثمَّ‮ ‬أغلقتْ‮ ‬الحافظةَ‮ ‬بحذرٍ‮ ‬وكأنّها تخافُ‮ ‬علي تحفةٍ‮ ‬فنيةٍ‮ ‬هشةٍ،‮ ‬أعطتني الصورةَ‮ ‬و قالتْ‮ ‬منطلقة في الحديث‮:‬
‮ - ‬هذه أنا حينما كنت طفلة،‮ ‬أتعلم؟ هذه الطفلة ما زالت بداخلي،‮ ‬ما زالتْ‮ ‬ترقص وتُضَاحِك الصغارَ‮ ‬قبلَ‮ ‬الكبارِ،‮ ‬تجرِي في أزقةِ‮ ‬الشوارعِ،‮ ‬وتُشاكسُ‮ ‬العصافيرَ‮ ‬في أعشاشِها،‮ ‬لم أتخلَ‮ ‬عنها أبدًا،‮ ‬ولكن‮ ‬يبدو أن حبال الوصل بيننا باتتْ‮ ‬تنفصلُ‮ ‬أكثر فأكثر وباتَ‮ ‬بين دفتَي انفصالِها خيطٌ‮ ‬ضئيلٌ،‮ ‬و ستتخلي هي عني عما قريب‮.‬
عادتْ‮ ‬إليها مسحة الحزن التي عهدتها حينما جلست بجانبها أول مرة،‮ ‬أغمضتْ‮ ‬عينيها وأخذَتْ‮ ‬نفسًا عميقًا منتشيًا،‮ ‬وكأنّ‮ ‬خصلاتِ‮ ‬النّسماتِ‮ ‬الّتي داعبَتْ‮ ‬رئتيها لمْ‮ ‬تشبه الهواءَ‮ ‬العابسَ‮ ‬المشبَع بالدّخان الذي تنفّستُه فملأ صدري‮. ‬أعطيتُها صورتَها بقلقٍ‮ ‬تفرستْه هي في وجهي‮.. ‬بعد أن ابتسمت لها ابتسامة واهية‮. ‬كان صوت الناس قد بدأ بالازدياد،‮ ‬يدخل مباشرة في أذني،‮ ‬أما صوتُها،‮ ‬لسببٍ‮ ‬لا أعرفُه،‮ ‬كانَ‮ ‬يخترقُ‮ ‬صدري،‮ ‬وينسكبُ‮ ‬روعةً‮ ‬وأريجًا علي أنساغِه المُلتفعةِ‮ ‬بأغطيةِ‮ ‬ماضٍ‮ ‬قريب،‮ ‬أسمعُ‮ ‬في همساتها صوت أمي‮.‬
بدون مقدمات وجدتها تُشهرُ‮ ‬صورةَ‮ ‬لشابةٍ‮ ‬صارخةِ‮ ‬الجمالِ‮ ‬في وجهي‮ ‬يبدُو أنّها تتمايلُ‮ ‬علي أنغامِ‮ ‬موسيقي راقيةٍ‮ ‬كحركاتِ‮ ‬الباليه التي لا أفقه في تموجها شيئاً‮!!‬
‮ ‬قالتْ‮:‬
‮ -‬كنتُ‮ ‬شابةً‮ ‬يافعةً‮. ‬
‮ ‬وتضيفُ‮:‬
‮ - ‬هناك تعرفتُ‮ ‬عليه،‮ ‬كانتْ‮ ‬عينَاه تُتَابعاني باهتمامٍ،‮ ‬كان‮ ‬يتأملُ‮ ‬حركاتِ‮ ‬جسدِي اللينةِ‮ ‬دون كللٍ،‮ ‬حتي هَبّ‮ ‬من مكانِه واقفًا،‮ ‬ثم بحركتِه الأسطورية المُمتَلئة بالرجولة،‮ ‬جاء إليّ‮ ‬وأمسك بيديّ،‮ ‬و بدون أن أنبس بكلمة واحدة،‮ ‬غصتُ‮ ‬في أعماقِ‮ ‬عينيه اللتين ارتسمتا بشغف عاتٍ،‮ ‬ثم أسلمتُ‮ ‬له نفسي،‮ ‬حتي أخذتْنا رقصتُنا إلي وهنٍ‮ ‬مِن الليلِ‮.‬
‮ ‬عادتْ‮ ‬إلي صمتِها ببطء،‮ ‬وحين واجهتني تمامًا لاحظتُ‮ ‬ملامحَها المتعبةَ،‮ ‬كان الوجهُ‮ ‬مغضنًا،‮ ‬إلا إنّه كان قدْ‮ ‬زُيِّن ببراعةٍ‮ ‬ووقارٍ،‮ ‬ثم لمحتُ‮ ‬في‮ ‬يدِها الأخري وردًا أحمر،‮ ‬لحظتُها خُيِّل إليّ‮ ‬أنها لديها ما تقوله‮.‬
‮- ‬ولكن انتهي كل شئ و أنا ما زلت هنا أنتظر‮.‬
‮ ‬قالتها بصوت مختنق ثم استطردتْ‮ ‬تقول‮: ‬هذا ابني‮.. ‬
‮ ‬و أخرجتْ‮ ‬صورةً‮ ‬حديثةً‮ ‬لشابٍ‮ ‬تفوقُ‮ ‬وسامتُه بعضَ‮ ‬المشاهيرِ‮ ‬الذين أراهُم في الأفلامِ‮ ‬العالميةِ،‮ ‬وأردفتْ‮:‬
‮- ‬هل تري ذلك الثوب الذي أرتديه؟ لم ألبسْهُ‮ ‬منذ تُوفي عاصم العام الماضي‮..‬
‮- ‬مَنْ‮ ‬عاصم؟‮ ‬سألتُ‮ ‬بسذاجة‮..‬
‮ ‬ردتْ‮ ‬بلطفٍ‮: ‬ابني‮.. ‬ابني عاصم‮.‬
‮ ‬نظرتُ‮ ‬إليها مُستدركًا،‮ ‬طالبًا منها العفو في سري عن تذكيري إياها بما تحاول نسيانَه،‮ ‬قالتْ‮ ‬بلغةٍ‮ ‬أكثر لطفًا بعدما قرأتْ‮ ‬تأنيبي لضميري‮:‬
‮- ‬لا تقسُ‮ ‬علي نفسك‮ ‬يا بني،‮ ‬أنا أصلًا لم أنسَه‮.. ‬
فتحتْ‮ ‬فمَها لتُكمل إلا أنها عادت فشدتْ‮ ‬شفتيها إلي بعضهما بإصرارٍ،‮ ‬و امتلأتْ‮ ‬عيناها بالدمعِ‮ ‬فجأة،‮ ‬وحين لم تستطعْ‮ ‬التغلب علي دموعِها،‮ ‬لوَّحَتْ‮ ‬بيدِها المرتعشةِ‮ ‬إلي الصورةِ‮ ‬الملتصقةِ‮ ‬بيدِي،‮ ‬ثم أمسكتْ‮ ‬بيدي تعتصرها بين أصابعها الواهنة‮..‬
‮ - ‬أرجوك لا تترُكني‮ ‬يا عاصم‮.‬
‮ ‬قالتْها ودمعُها‮ ‬يتلاشَي شيئًا فشيئًا،‮ ‬ثم ما لبثتْ‮ ‬أن استبدلتها بضحكةٍ‮ ‬هيستيريةٍ‮ ‬تجلجلُ‮ ‬الأرجاءَ‮.. ‬انتفضتُ‮ ‬واقفًا،‮ ‬ثم أكملتْ‮:‬
‮ - ‬لا تتركني ثانية‮ ‬يا عاصم‮..‬
راحتْ‮ ‬نظرةٌ‮ ‬داهشةٌ‮ ‬تنسابُ‮ ‬من عينيّ‮ ‬حتي‮ ‬غمرتْ‮ ‬أساريرَ‮ ‬وجهي المتعرقةَ‮..‬
‮- ‬أ‮.. ‬أ‮.. ‬أنا لست عاصم‮. ‬رددتُ‮ ‬ويدي‮ ‬يغمرها الارتعاش‮.‬
‮ ‬ثم جاء الكمسري الذي انبثق من الأرض،‮ ‬وأمسك بها من‮ ‬ياقة ثوبِها،‮ ‬وراحَ‮ ‬يقولُ‮:‬
‮- ‬أنتِ‮ ‬مرة أخري‮ ‬يا عزيزة؟ ألم أقل لك أن ابنك ليس علي هذا القطار؟‮..‬
تصرخُ‮: ‬لا،‮ ‬إنه عاصم‮.‬
‮ ‬ثم نظرتْ‮ ‬إليّ‮ ‬وهي تستغيثُ‮ ‬قلبي‮:‬
‮ - ‬قُلْ‮ ‬لهُ‮ ‬أنْ‮ ‬يترُكني‮ ‬يا عاصم،‮ ‬قُلْ‮ ‬لهُ‮..‬
‮ ‬و حين لم أجد ما أصرّحُ‮ ‬به عندما أخَذَ‮ ‬الكُمسري‮ ‬يجرّها من‮ ‬ياقتها المتكسّرة،‮ ‬و هي تهتف دون توقف‮..‬
استيقظتُ‮ ‬من نومي الذي طمَرَ‮ ‬عينيّ‮ ‬بجناحيه الثقيلين،‮ ‬علي صافرة أخري من القطار‮..‬توجدتُ‮ ‬القطار ما زال في مكانه لم‮ ‬يبرحْهُ،‮ ‬وأنا ملتصقٌ‮ ‬بمقعدِي،‮ ‬و هي ما زالتْ‮ ‬تجلسُ‮ ‬في مكانِها خارج القطار علي مقعدِ‮ ‬المحطةِ،‮ ‬تنظرُ‮ ‬بعيدًا عني إلي شيءٍ‮ ‬لم أتبينْهُ‮ ‬في السماءِ‮.‬
في‮ ‬غاية الوهن
أتذكر حين واتتني تلك اللحظة جيدًا،‮ ‬كنت ابن عشرة تحديدًا‮..‬
وكنت قد التهمتُ‮ ‬ملامحه كاملةً،‮ ‬بوهن وفزع،‮ ‬حينما سحبتْ‮ ‬يده المتشققة‮ -‬بحذر‮- ‬جرار حقيبة والدتي المعلقة علي كتفها،‮ ‬وتشعبت الخواطر إلي شراذم مخيفة‮.‬
في الصباح،‮ ‬وفي التاسعة تحديدًا،‮ ‬ابتلع الزحام علي طريق القطارات‮ -‬العاري من التحذيرات وموانع المرور‮- ‬خلقًا كثيرين،‮ ‬بشرًا مكدسين‮ ‬يمرون بعرض السبيل الوحيدة تجاه الناحية الأخري،‮ ‬القضبان تحمل الأقدام،‮ ‬وحرارة الأنفاس تجابه شمسًا تحدق في شرود‮.. ‬
أتذكر أني كنت أتبعها بإلحاحي كلما توجهتني بنظرها،‮ ‬أقسمتُ‮ ‬حينها أن الأمور ستتحول للأسوأ إن لم أحصل علي أقلام كثيرة بألوان عدة،‮ ‬وأغلفة وجلادات من النوع الفاخر،‮ ‬بغية الزهو والتفاخر لا أكثر‮. ‬لكن،‮ ‬وفي الفجالة سيصبح هاجسك الوحيد أن تحصل علي ما تستطيع‮ ‬يداك الوصول إليه،‮ ‬وألا‮ ‬يلطمك العطش،‮ ‬وأن تحن عليك بعض المباني الشاهقة بظلٍ‮ ‬كيما تواصل البحث والتنقيب عن اللوازم المكتبية‮.‬
‮ ‬
وتبدأ السيدات بالفصال المرير،‮ ‬الفصال الذي قد لا‮ ‬ينقطع إلا مع هبوط قيمة المستَهلَك إلي النصف،‮ ‬أو حتي إلي حين تبدأ الفترة الدراسية،‮ ‬لا مشكلة في ذلك‮. ‬وكن‮ ‬يضعن النظارات وينزعنها،‮ ‬ويقلبن بين أيديهن أشياءً‮ ‬قد لا تُشتَري،‮ ‬وأمي تشري البضاعة مبتسمة وراضية بقليل مال‮. ‬
ولما رأتني لا أحتمل الجوع والعطش والزحام،‮ ‬قنعتْ‮ ‬بما تحصلتْ‮ ‬عليه،‮ ‬ولم‮ ‬يعد بمقدوري الإلحاح أكثر،‮ ‬وانتحت ركنًا نتناول فيه عصيرًا معلبًا،‮ ‬ومخبوزًا صنعته بيديها‮. ‬واستولي مشهد وجهها المتفصد عرقًا،‮ ‬وثغرها‮ ‬يلوك الطعام في‮ ‬غاية الوهن،‮ ‬علي كياني كليًا‮.. ‬ولكنها ما كادت تنهي القضمة الأولي من قطعتها،‮ ‬حتي أعلنت الشبع؛ وأغلب الظن أنها استبقتها لبقايا جوع قد‮ ‬يجر أذياله علي معدتي ولا‮ ‬يندثر بقطعة واحدة‮. ‬
قفلنا راجعين،‮ ‬وأمي تحمل التعب،‮ ‬وبضعة أكياس بلاستيكية ممتلئة تهتز بخفة بين‮ ‬يديها‮. ‬وحقيبتها الوحيدة علي كتفها،‮ ‬تحمل حلمها بالوصول وانتهاء اليوم‮. ‬
‮ ‬وفي خضم الأشياء التي تبهت حولنا،‮ ‬علي نفس القضبان التي لا تزال مشتعلة بجدائل الشمس،‮ ‬وفي لحظة فاصلة‮.. ‬
‮ ‬حدث كل شيء‮.‬
استلمت عيناي مشهد سحبه لجرار الحقيبة المعلقة علي كتفها بخضوع،‮ ‬أصابعه تتشنج وتنقبض،‮ ‬شعر أشعث ونظرة ميتة جافة،‮ ‬ورأسه العالي الذي أناخه التوجس،‮ ‬أراه‮ ‬يلهث،‮ ‬ويراقب الناس،‮ ‬ولكنه نسي أن‮ ‬يراني أنا؛ القصير القامة،‮ ‬الضعيف الحيلة،‮ ‬الذي أراقبه،‮ ‬ولا تعلم بشأنه أمي‮. ‬
كتمت خوفي الصاخب‮.. ‬لم أهجم عليه ولم أوبخه،‮ ‬لم أجد حتي كلمة تحمل شجبي وإدانتي لما‮ ‬يحدث،‮ ‬فيما كانت مهمته قد قطعت المسافة إلي نصفها،‮ ‬ورآني فجأة‮. ‬
كالملدوغ‮ ‬تراجع،‮ ‬وراح‮ ‬يسحب أنفاسه اللاهبة،‮ ‬بدلًا من الجرار بعيدًا عنها وعني،‮ ‬وحين انتهي العبور المتأزم،‮ ‬لاحظتْ‮ ‬هي اصفرار وجهي المجهد،‮ ‬وخمود الكلمات التي صدئت في الحلق‮.. ‬وعرفتْ‮ ‬السبب من بضع كلمات وإشارات‮. ‬
قامت بتهدئتي،‮ ‬ووضعت بضع رشفات من الماء علي شفتي،‮ ‬وتوجهت بنظرها إلي حيث كنا فعرفتْه بإشارة مني،‮ ‬وصدري ما زال‮ ‬يعدو تجاه الانفلات‮. ‬
أعرفها جيدًا،‮ ‬فهي لا تترك حقها،‮ ‬لذا أدركت أنها ستركض وراءه،‮ ‬ولو تطلب الأمر سفرها إلي نهاية العالم‮. ‬وشجاعةً‮ ‬فعلتْ،‮ ‬بعدما تركت الأكياس بجانبي‮. ‬
العجيب في الأمر،‮ ‬ومن تدابير الأقدار،‮ ‬أنه لم‮ ‬يستطع التزحزح هاربًا من كتلة الناس المصمتة حوله،‮ ‬فتصلب كجعران،‮ ‬وراح‮ ‬يبعد الناس عن طريقه،‮ ‬في‮ ‬غاية الوهن؛ لم‮ ‬يكن قويًا إلي الحد الذي‮ ‬يسمح له بالعبور والهروب‮. ‬وفي ثانية كانت أمامه،‮ ‬وهو أمامها‮.. ‬لا‮ ‬يفصل بينهما سوي رافد نحيل من الهواء،‮ ‬ينظران إلي بعضهما بلغة لا أفهم رموزها،‮ ‬أحملق بعيني المترقبتين مخافة أن‮ ‬يؤذيها،‮ ‬أقدم قدمًا وأؤخر‮.. ‬
ولكنها توجهت بنظرها تجاه جرار الحقيبة،‮ ‬وفتحته،‮ ‬ثم أخرجت قطعة المخبوز المتبقية وأعطتها له مبتسمة بحنان،‮ ‬الأمر الذي شجعه علي مد‮ ‬يده وتناولها منها‮. ‬نظر إليها طويلًا كأنه‮ ‬يحدق بالفراغ،‮ ‬حينها قضم،‮ ‬ومضغ‮ ‬الأولي بسرعة ليلحقها بثانية‮. ‬أكل بنهم حتي شبع‮.. ‬وتساقطت قطرات اللعاب علي ملابسه الرثة‮..‬
وتركها وهو‮ ‬يمشي مطوحًا،‮ ‬بلا كلمة شكر‮.. ‬
وتراجعت نحوي مبتسمة‮. ‬أتساءل وأزيح عرق الخوف عن جبهتي،‮ ‬أستبين ألغاز ما حدث،‮ ‬وقبل أن تشِتُّ‮ ‬الحيرة بالقلب‮.. ‬
انتصبتْ‮ ‬أمامي فرِحَة،‮ ‬وقالتْ‮ ‬باطمئنان‮:‬
‮- ‬أرأيت؟ كان جائعًا فقط‮.‬
وعدنا بسلام‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.