توقف مؤقت لخدمات بوابة النيابة العامة الإلكترونية بسبب تحديثات التوقيت.    سابع أيام الهدنة.. 3 شهداء في 22 هجوما إسرائيليا وحزب الله يرد 3 مرات    إصابة مزارع فلسطيني باعتداء لمستوطنين جنوب نابلس    وزير الخارجية يؤكد ضرورة التزام إسرائيل الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان    هدف أبيض وتعادل سلبي بين الزمالك وبيراميدز في الشوط الأول    ضبط ميكانيكي سمح لصغير بقيادة سيارة برعونة في أوسيم    تطورات جديدة في الحالة الصحية للفنان سامي عبد الحليم    أيمن فؤاد يستعرض كيف تحول استدراك المخطوطات التركية إلى أكبر موسوعة لتاريخ التراث العربي    أوقاف الوادي الجديد: استكمال فعاليات الاختبارات التمهيدية لعضوية المقارئ    بنسبة 96%.. «الصحة» تُعلن إنجازات منظومة الشكاوى في الربع الأول من 2026    خايف على أولاده من الحسد بعد استقرار حياته.. ماذا يفعل؟ أمين الفتوى يجيب    سيناء .. استعادة هوية وكرامة| الحفاظ على الأوطان وصيانة الأرض أمانة ومسئولية شرعية    زينة العلمى أفضل لاعبة في بطولة أفريقيا لسيدات الطائرة    تنامى اضطرابات حركة الملاحة بمضيق هرمز.. أبرز المستجدات بأسواق النفط    بالصور.. وزير التربية والتعليم يعتمد جداول امتحانات الدبلومات الفنية للعام الدراسي 2025/2026    السجن المؤبد للمتهم باستدراج طفلة من ذوى الهمم والتعدى عليها بالشرقية    ضبط 122 مخالفة بالمخابز وسلع فاسدة ومجهولة المصدر بكفر الشيخ    محافظ أسيوط يتابع حصاد «الذهب الأصفر» ويوجه بصرف مستحقات المزارعين    وزير الدفاع الإسرائيلى: ننتظر الضوء الأخضر الأمريكى لإبادة سلالة خامنئى    استراتيجية وزارة الثقافة فى تنمية سيناء خلال السنوات الأخيرة.. فى ذكرى تحرير أرض الفيروز.. استثمار طويل المدى فى الإنسان المصرى.. 9 مواقع ثقافية جديدة بتكلفة تجاوزت 216 مليونا.. ومشروع أهل مصر والمسرح المتنقل    البيت الأبيض يتولى مباشرة ملف المباحثات اللبنانية الإسرائيلية وسط مؤشرات على حسم دبلوماسي مرتقب    «كاتس»: سنفجر منشآت الطاقة والكهرباء بإيران وسنسحق بنيتها التحتية الاقتصادية    النقاب ليس فرضًا| العلماء: ضوابط فى الأماكن العامة للتحقق من هوية مرتديه    ملايين الأسهم بأيدى كبار المستثمرين.. اكتتاب «المطورون العرب» يحصد ثقة رجال الأعمال    استقرار سعر ال 100 ين الياباني مقابل الجنيه في البنوك المصرية مساء اليوم    محافظ القليوبية يوجه باستغلال مبنى متعطل منذ 16 عاما بقرية سندبيس    شريف فتحي يتابع إطلاق منظومة CPS وتطوير منصة "رحلة" لتعزيز التحول الرقمي بالسياحة    إصابة لاعب برشلونة بقطع في الرباط الصليبي    سوء الخاتمة، مصرع شاب سقط من الطابق الخامس هربًا من زوج عشيقته في القاهرة الجديدة    الطقس غدا.. ارتفاع آخر فى درجات الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    التشكيل - باهية يقود المقاولون العرب.. وثلاثي يبدأ في هجوم الاتحاد السكندري    افتتاح توسعات مصنع «أتيكو فارما إيجيبت» للمحاليل الطبية باستثمارات 10 ملايين دولار    خالد الجندي: الطلاق الشفهي كلام فارغ ورجالة بتتجوز وتخلف وتجري    محافظ الإسكندرية يضع أكليل زهور على النصب التذكاري للشهداء بمناسبة عيد تحرير سيناء    محمد رمضان يفجر مفاجأة بشأن مشاركته في السباق الرمضاني 2027    البنتاجون: اعتراض سفينة تنقل نفطا إيرانيا فى المحيط الهندي    سفير الإمارات بواشنطن يوسف العتيبة ينفى احتياج الإمارات إلى أى دعم مالى    بيان مهم من اتحاد الكرة بشأن الجدل الأخير على الساحة الرياضية    نهاية مشوار كارفخال مع ريال مدريد تلوح في الأفق    جوارديولا عن إقالة روسينيور: أشعر بالحزن.. وأنا محظوظ بالاستقرار في مانشستر سيتي    جايين لأهالينا.. قافلة طبية مجانية لأهالى كوم الأطرون بطوخ الجمعة والسبت    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن :أفلطة الصورة!?    "صحة النواب" تناقش طلبات إحاطة بشأن مشكلات المستشفيات    وزير الصحة يفتتح مؤتمر ISCO 2026    تكريم غادة فاروق في ختام المؤتمر الدولي الرابع عشر لجامعة عين شمس    الأعلى للإعلام: منع ظهور هانى حتحوت 21 يوما وإلزام «مودرن إم تي أي» بمبلغ 100 ألف جنيه    تفاصيل البيان الختامي للمؤتمر الدولي الرابع عشر لجامعة عين شمس    صراع الميراث .. تفاصيل مثيرة في واقعة اتهام شقيق لزوجة أخيه بالبلطجة    وزير الخارجية خلال افتتاحه حملة للتبرع بالدم لمستشفى 57357: الصحة مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع    «مدير آثار شرق الدلتا»: اكتشاف تمثال رمسيس الثاني يعكس مكانة المواقع الدينية والتاريخية    البرلمان يستعد لتعديل قانون الأحوال الشخصية.. استبدال الاستضافة بالرؤية.. الأب في المرتبة الثانية لحضانة الطفل.. وإنشاء المجلس الأعلى للأسرة "أبرز المقترحات"    منافس مصر - فايننشال تايمز: مقترح رئاسي أمريكي لاستبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026    فورد تكشف عن قوة محرك سيارتها الجديدة موستانج دارك هورس إس.سي    بالأسماء، تعيين وكلاء ورؤساء أقسام جدد بجامعة بنها    الرعاية الصحية: تقديم أكثر من 2.4 مليون خدمة طبية بأعلى معايير الجودة بجنوب سيناء    هل يترك التوقيت الصيفي أثرا نفسيا وصحيا؟.. اساعة تتغير في مصر وتثير تساؤلات    عن هاني شاكر القيمة الفنية الكبيرة| صوت الشباب الذي اختاره الطرب القديم «أميرًا»    «السكة الحديد» تبدأ العمل بالتوقيت الصيفي الجمعة.. هل تتغير مواعيد القطارات؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



انشطار الطير
نشر في أخبار الحوادث يوم 02 - 07 - 2016


عجوز القطار
علي رصيفٍ‮ ‬أخرس،‮ ‬وقفت بلا حراك أنتظر قطارًا آخر‮ ‬غير الذي فاتني،‮ ‬كان الحر‮ ‬ينشر رداءه علي رؤوس تخفّتْ‮ ‬تحت المظلات وأوراق الجرائد أو أشجار لم تسقط أوراقها المُشَرشَفة بعد،‮ ‬كانت الأنداء الحارة علي جبيني قد نبهتني أن ألتمس أحد المقاعد المجاورة التي تعلوها مظلة تمنع بعضًا من هجير الصيف،‮ ‬جلست أتكئ علي‮ ‬يد المقعد ثم هممت بتصفح جريدة كنت قد اشتريتها من البائع الرابض خارج المحطة‮.‬
‮ - ‬لن تستمر موجة الحر طويلًا
‮ ‬قالتها بجانبي بعدما أزاحت خصلاتها المتفجرة البياض عن وجهها الذي بات راكدًا‮ ‬علي ما‮ ‬يبدو منذ فترات طويلة،‮ ‬شعرها المياس‮ ‬يوحي بأن الزمن لم‮ ‬يكن ليجرؤ أن‮ ‬يقترب إلا من لونه فحسب،‮ ‬نظرت إليها علي‮ ‬غير اكتراث ثم ابتسمت سريعًا حتي لا تتمكن من التقاط أول خيط تضع في أوله كلامًا‮ ‬يجهدني ويشغلني عن قطاري القادِم‮. ‬حاولتُ‮ ‬أن أقومَ‮ ‬من مكاني وبصوتٍ‮ ‬خفيضٍ؛ كي لا أخدش ترقُّبها،‮ ‬همستُ‮:‬
‮- ‬الله‮ ‬يعيننا ويعينُك‮ ‬يا أمي
ابتسمتْ‮ ‬لي بدورها ولَمْ‮ ‬تُشِحْ‮ ‬نظرَها عن عينِي،‮ ‬عينِي الخَجلي التي تحاشتْ‮ ‬النّظر إليها تمامًا كطفلٍ‮ ‬مذنِب،‮ ‬لا أدري كمْ‮ ‬كان عمرها،‮ ‬ولا أدري إنْ‮ ‬كانت هذه التّجاعيدُ‮ ‬الفادحةُ‮ ‬تُفشي عُمرًا أمْ‮ ‬قهرًا؟ لوّنت الشمسُ‮ ‬العنيدةُ‮ ‬ملامحَها المتألّمة،‮ ‬وابتسامةٌ‮ ‬أكثرُ‮ ‬عِندًا لم تُفارقْ‮ ‬غزارةَ‮ ‬الحكايات في وجهها،‮ ‬حتي إنني لا أعرف ما الذي دفعنِي لأن أنظرَ‮ ‬إلي عينيها المتوهجتين‮! ‬وكباحثٍ‮ ‬عنْ‮ ‬سطرٍ‮ ‬ضائعٍ،‮ ‬اقتربتُ‮ ‬أكثر،‮ ‬ثم جلستُ‮ ‬بجانبها مرة أخري‮. ‬علتْ‮ ‬صافراتُ‮ ‬القطارِ‮ ‬المؤذنةٌ‮ ‬بقدومِه،‮ ‬يقتربُ‮ ‬ببطء ليتوقف في محطتِنا‮."‬ها قد جاء قطارُنا‮" ‬هللتْ‮ ‬بمرحٍ‮ ‬و كأنها أصابتْ‮ ‬ورقةَ‮ ‬اليانصيبِ،‮ ‬ردةُ‮ ‬فعلِها كان لها مِن المُبالغة ما أثار حفيظَتي قليلًا؛ فقمت متعللًا باللحاق بالقطار قبل أن‮ ‬يتركني معها‮.‬
في القطار،‮ ‬بعد دقيقتين ذقتُ‮ ‬فيهما عناءَ‮ ‬اختراقِ‮ ‬الجمع الذي كدّس مدخلَ‮ ‬القطارِ‮ ‬كيومِ‮ ‬حشرٍ‮ ‬لا هوادة فيه،‮ ‬وجدتُ‮ ‬مقعدي أخيرًا،‮ ‬ليس ببعيد من باب الدخول‮. ‬وضعتُ‮ ‬حقيبتي الخفيفةَ‮ ‬ثم ارتميتُ‮ ‬علي مقعدي كجثةٍ‮ ‬هامدةٍ،‮ ‬ولَولا صافرة القطارِ‮ ‬لأدركني النعاس وغرقتُ‮ ‬فيه،‮ ‬إلا أن الفزع الذي تملّكني علي إثر الصافرةِ،‮ ‬لم‮ ‬يكن بقدرِ‮ ‬ما أحسستُه عندما وجدتُ‮ ‬المرأةَ‮ ‬العجوز تتقدمُ‮ ‬ناحية مقعدي وكأنها تبحثُ‮ ‬عن شيءٍ‮ ‬آخر‮ ‬غير المقاعدِ،‮ ‬وبنظرتها الثاقبة،‮ ‬تلاقت عينانا حتي سرتْ‮ ‬رعدةٌ‮ ‬خفيفةٌ‮ ‬زحفتْ‮ ‬من أسفلِ‮ ‬ظهري إلي أعلي عمودي الفقري،‮ ‬وجلست بجانبي‮.‬
‮-‬أهلًا‮ ‬يا ولدي،‮ ‬آسفة علي تأخيري‮.‬
قالتْها باطمئنان دون أن تنظر إليّ،‮ ‬ووجدتُني أردُ‮ ‬علي تحيتِها ذاهلًا دون مقاومة‮..‬انطلق القطار بسرعة،‮ ‬علي وقع النبضات المتلاحقة التي أصابتْ‮ ‬قلبي‮. ‬بهدوءٍ‮ ‬يُشبه أنينَها الخفي،‮ ‬أخرجتْ‮ ‬حافظةَ‮ ‬نقودِها التي كانتْ‮ ‬تعجُ‮ ‬بالمال،‮ ‬و بصورٍ‮ ‬قديمة و حديثة مختلفة الأحجام،‮ ‬انتقتْ‮ ‬من وسطها صورة قديمة لطفلة تشع نُورًا،‮ ‬ثمَّ‮ ‬أغلقتْ‮ ‬الحافظةَ‮ ‬بحذرٍ‮ ‬وكأنّها تخافُ‮ ‬علي تحفةٍ‮ ‬فنيةٍ‮ ‬هشةٍ،‮ ‬أعطتني الصورةَ‮ ‬و قالتْ‮ ‬منطلقة في الحديث‮:‬
‮ - ‬هذه أنا حينما كنت طفلة،‮ ‬أتعلم؟ هذه الطفلة ما زالت بداخلي،‮ ‬ما زالتْ‮ ‬ترقص وتُضَاحِك الصغارَ‮ ‬قبلَ‮ ‬الكبارِ،‮ ‬تجرِي في أزقةِ‮ ‬الشوارعِ،‮ ‬وتُشاكسُ‮ ‬العصافيرَ‮ ‬في أعشاشِها،‮ ‬لم أتخلَ‮ ‬عنها أبدًا،‮ ‬ولكن‮ ‬يبدو أن حبال الوصل بيننا باتتْ‮ ‬تنفصلُ‮ ‬أكثر فأكثر وباتَ‮ ‬بين دفتَي انفصالِها خيطٌ‮ ‬ضئيلٌ،‮ ‬و ستتخلي هي عني عما قريب‮.‬
عادتْ‮ ‬إليها مسحة الحزن التي عهدتها حينما جلست بجانبها أول مرة،‮ ‬أغمضتْ‮ ‬عينيها وأخذَتْ‮ ‬نفسًا عميقًا منتشيًا،‮ ‬وكأنّ‮ ‬خصلاتِ‮ ‬النّسماتِ‮ ‬الّتي داعبَتْ‮ ‬رئتيها لمْ‮ ‬تشبه الهواءَ‮ ‬العابسَ‮ ‬المشبَع بالدّخان الذي تنفّستُه فملأ صدري‮. ‬أعطيتُها صورتَها بقلقٍ‮ ‬تفرستْه هي في وجهي‮.. ‬بعد أن ابتسمت لها ابتسامة واهية‮. ‬كان صوت الناس قد بدأ بالازدياد،‮ ‬يدخل مباشرة في أذني،‮ ‬أما صوتُها،‮ ‬لسببٍ‮ ‬لا أعرفُه،‮ ‬كانَ‮ ‬يخترقُ‮ ‬صدري،‮ ‬وينسكبُ‮ ‬روعةً‮ ‬وأريجًا علي أنساغِه المُلتفعةِ‮ ‬بأغطيةِ‮ ‬ماضٍ‮ ‬قريب،‮ ‬أسمعُ‮ ‬في همساتها صوت أمي‮.‬
بدون مقدمات وجدتها تُشهرُ‮ ‬صورةَ‮ ‬لشابةٍ‮ ‬صارخةِ‮ ‬الجمالِ‮ ‬في وجهي‮ ‬يبدُو أنّها تتمايلُ‮ ‬علي أنغامِ‮ ‬موسيقي راقيةٍ‮ ‬كحركاتِ‮ ‬الباليه التي لا أفقه في تموجها شيئاً‮!!‬
‮ ‬قالتْ‮:‬
‮ -‬كنتُ‮ ‬شابةً‮ ‬يافعةً‮. ‬
‮ ‬وتضيفُ‮:‬
‮ - ‬هناك تعرفتُ‮ ‬عليه،‮ ‬كانتْ‮ ‬عينَاه تُتَابعاني باهتمامٍ،‮ ‬كان‮ ‬يتأملُ‮ ‬حركاتِ‮ ‬جسدِي اللينةِ‮ ‬دون كللٍ،‮ ‬حتي هَبّ‮ ‬من مكانِه واقفًا،‮ ‬ثم بحركتِه الأسطورية المُمتَلئة بالرجولة،‮ ‬جاء إليّ‮ ‬وأمسك بيديّ،‮ ‬و بدون أن أنبس بكلمة واحدة،‮ ‬غصتُ‮ ‬في أعماقِ‮ ‬عينيه اللتين ارتسمتا بشغف عاتٍ،‮ ‬ثم أسلمتُ‮ ‬له نفسي،‮ ‬حتي أخذتْنا رقصتُنا إلي وهنٍ‮ ‬مِن الليلِ‮.‬
‮ ‬عادتْ‮ ‬إلي صمتِها ببطء،‮ ‬وحين واجهتني تمامًا لاحظتُ‮ ‬ملامحَها المتعبةَ،‮ ‬كان الوجهُ‮ ‬مغضنًا،‮ ‬إلا إنّه كان قدْ‮ ‬زُيِّن ببراعةٍ‮ ‬ووقارٍ،‮ ‬ثم لمحتُ‮ ‬في‮ ‬يدِها الأخري وردًا أحمر،‮ ‬لحظتُها خُيِّل إليّ‮ ‬أنها لديها ما تقوله‮.‬
‮- ‬ولكن انتهي كل شئ و أنا ما زلت هنا أنتظر‮.‬
‮ ‬قالتها بصوت مختنق ثم استطردتْ‮ ‬تقول‮: ‬هذا ابني‮.. ‬
‮ ‬و أخرجتْ‮ ‬صورةً‮ ‬حديثةً‮ ‬لشابٍ‮ ‬تفوقُ‮ ‬وسامتُه بعضَ‮ ‬المشاهيرِ‮ ‬الذين أراهُم في الأفلامِ‮ ‬العالميةِ،‮ ‬وأردفتْ‮:‬
‮- ‬هل تري ذلك الثوب الذي أرتديه؟ لم ألبسْهُ‮ ‬منذ تُوفي عاصم العام الماضي‮..‬
‮- ‬مَنْ‮ ‬عاصم؟‮ ‬سألتُ‮ ‬بسذاجة‮..‬
‮ ‬ردتْ‮ ‬بلطفٍ‮: ‬ابني‮.. ‬ابني عاصم‮.‬
‮ ‬نظرتُ‮ ‬إليها مُستدركًا،‮ ‬طالبًا منها العفو في سري عن تذكيري إياها بما تحاول نسيانَه،‮ ‬قالتْ‮ ‬بلغةٍ‮ ‬أكثر لطفًا بعدما قرأتْ‮ ‬تأنيبي لضميري‮:‬
‮- ‬لا تقسُ‮ ‬علي نفسك‮ ‬يا بني،‮ ‬أنا أصلًا لم أنسَه‮.. ‬
فتحتْ‮ ‬فمَها لتُكمل إلا أنها عادت فشدتْ‮ ‬شفتيها إلي بعضهما بإصرارٍ،‮ ‬و امتلأتْ‮ ‬عيناها بالدمعِ‮ ‬فجأة،‮ ‬وحين لم تستطعْ‮ ‬التغلب علي دموعِها،‮ ‬لوَّحَتْ‮ ‬بيدِها المرتعشةِ‮ ‬إلي الصورةِ‮ ‬الملتصقةِ‮ ‬بيدِي،‮ ‬ثم أمسكتْ‮ ‬بيدي تعتصرها بين أصابعها الواهنة‮..‬
‮ - ‬أرجوك لا تترُكني‮ ‬يا عاصم‮.‬
‮ ‬قالتْها ودمعُها‮ ‬يتلاشَي شيئًا فشيئًا،‮ ‬ثم ما لبثتْ‮ ‬أن استبدلتها بضحكةٍ‮ ‬هيستيريةٍ‮ ‬تجلجلُ‮ ‬الأرجاءَ‮.. ‬انتفضتُ‮ ‬واقفًا،‮ ‬ثم أكملتْ‮:‬
‮ - ‬لا تتركني ثانية‮ ‬يا عاصم‮..‬
راحتْ‮ ‬نظرةٌ‮ ‬داهشةٌ‮ ‬تنسابُ‮ ‬من عينيّ‮ ‬حتي‮ ‬غمرتْ‮ ‬أساريرَ‮ ‬وجهي المتعرقةَ‮..‬
‮- ‬أ‮.. ‬أ‮.. ‬أنا لست عاصم‮. ‬رددتُ‮ ‬ويدي‮ ‬يغمرها الارتعاش‮.‬
‮ ‬ثم جاء الكمسري الذي انبثق من الأرض،‮ ‬وأمسك بها من‮ ‬ياقة ثوبِها،‮ ‬وراحَ‮ ‬يقولُ‮:‬
‮- ‬أنتِ‮ ‬مرة أخري‮ ‬يا عزيزة؟ ألم أقل لك أن ابنك ليس علي هذا القطار؟‮..‬
تصرخُ‮: ‬لا،‮ ‬إنه عاصم‮.‬
‮ ‬ثم نظرتْ‮ ‬إليّ‮ ‬وهي تستغيثُ‮ ‬قلبي‮:‬
‮ - ‬قُلْ‮ ‬لهُ‮ ‬أنْ‮ ‬يترُكني‮ ‬يا عاصم،‮ ‬قُلْ‮ ‬لهُ‮..‬
‮ ‬و حين لم أجد ما أصرّحُ‮ ‬به عندما أخَذَ‮ ‬الكُمسري‮ ‬يجرّها من‮ ‬ياقتها المتكسّرة،‮ ‬و هي تهتف دون توقف‮..‬
استيقظتُ‮ ‬من نومي الذي طمَرَ‮ ‬عينيّ‮ ‬بجناحيه الثقيلين،‮ ‬علي صافرة أخري من القطار‮..‬توجدتُ‮ ‬القطار ما زال في مكانه لم‮ ‬يبرحْهُ،‮ ‬وأنا ملتصقٌ‮ ‬بمقعدِي،‮ ‬و هي ما زالتْ‮ ‬تجلسُ‮ ‬في مكانِها خارج القطار علي مقعدِ‮ ‬المحطةِ،‮ ‬تنظرُ‮ ‬بعيدًا عني إلي شيءٍ‮ ‬لم أتبينْهُ‮ ‬في السماءِ‮.‬
في‮ ‬غاية الوهن
أتذكر حين واتتني تلك اللحظة جيدًا،‮ ‬كنت ابن عشرة تحديدًا‮..‬
وكنت قد التهمتُ‮ ‬ملامحه كاملةً،‮ ‬بوهن وفزع،‮ ‬حينما سحبتْ‮ ‬يده المتشققة‮ -‬بحذر‮- ‬جرار حقيبة والدتي المعلقة علي كتفها،‮ ‬وتشعبت الخواطر إلي شراذم مخيفة‮.‬
في الصباح،‮ ‬وفي التاسعة تحديدًا،‮ ‬ابتلع الزحام علي طريق القطارات‮ -‬العاري من التحذيرات وموانع المرور‮- ‬خلقًا كثيرين،‮ ‬بشرًا مكدسين‮ ‬يمرون بعرض السبيل الوحيدة تجاه الناحية الأخري،‮ ‬القضبان تحمل الأقدام،‮ ‬وحرارة الأنفاس تجابه شمسًا تحدق في شرود‮.. ‬
أتذكر أني كنت أتبعها بإلحاحي كلما توجهتني بنظرها،‮ ‬أقسمتُ‮ ‬حينها أن الأمور ستتحول للأسوأ إن لم أحصل علي أقلام كثيرة بألوان عدة،‮ ‬وأغلفة وجلادات من النوع الفاخر،‮ ‬بغية الزهو والتفاخر لا أكثر‮. ‬لكن،‮ ‬وفي الفجالة سيصبح هاجسك الوحيد أن تحصل علي ما تستطيع‮ ‬يداك الوصول إليه،‮ ‬وألا‮ ‬يلطمك العطش،‮ ‬وأن تحن عليك بعض المباني الشاهقة بظلٍ‮ ‬كيما تواصل البحث والتنقيب عن اللوازم المكتبية‮.‬
‮ ‬
وتبدأ السيدات بالفصال المرير،‮ ‬الفصال الذي قد لا‮ ‬ينقطع إلا مع هبوط قيمة المستَهلَك إلي النصف،‮ ‬أو حتي إلي حين تبدأ الفترة الدراسية،‮ ‬لا مشكلة في ذلك‮. ‬وكن‮ ‬يضعن النظارات وينزعنها،‮ ‬ويقلبن بين أيديهن أشياءً‮ ‬قد لا تُشتَري،‮ ‬وأمي تشري البضاعة مبتسمة وراضية بقليل مال‮. ‬
ولما رأتني لا أحتمل الجوع والعطش والزحام،‮ ‬قنعتْ‮ ‬بما تحصلتْ‮ ‬عليه،‮ ‬ولم‮ ‬يعد بمقدوري الإلحاح أكثر،‮ ‬وانتحت ركنًا نتناول فيه عصيرًا معلبًا،‮ ‬ومخبوزًا صنعته بيديها‮. ‬واستولي مشهد وجهها المتفصد عرقًا،‮ ‬وثغرها‮ ‬يلوك الطعام في‮ ‬غاية الوهن،‮ ‬علي كياني كليًا‮.. ‬ولكنها ما كادت تنهي القضمة الأولي من قطعتها،‮ ‬حتي أعلنت الشبع؛ وأغلب الظن أنها استبقتها لبقايا جوع قد‮ ‬يجر أذياله علي معدتي ولا‮ ‬يندثر بقطعة واحدة‮. ‬
قفلنا راجعين،‮ ‬وأمي تحمل التعب،‮ ‬وبضعة أكياس بلاستيكية ممتلئة تهتز بخفة بين‮ ‬يديها‮. ‬وحقيبتها الوحيدة علي كتفها،‮ ‬تحمل حلمها بالوصول وانتهاء اليوم‮. ‬
‮ ‬وفي خضم الأشياء التي تبهت حولنا،‮ ‬علي نفس القضبان التي لا تزال مشتعلة بجدائل الشمس،‮ ‬وفي لحظة فاصلة‮.. ‬
‮ ‬حدث كل شيء‮.‬
استلمت عيناي مشهد سحبه لجرار الحقيبة المعلقة علي كتفها بخضوع،‮ ‬أصابعه تتشنج وتنقبض،‮ ‬شعر أشعث ونظرة ميتة جافة،‮ ‬ورأسه العالي الذي أناخه التوجس،‮ ‬أراه‮ ‬يلهث،‮ ‬ويراقب الناس،‮ ‬ولكنه نسي أن‮ ‬يراني أنا؛ القصير القامة،‮ ‬الضعيف الحيلة،‮ ‬الذي أراقبه،‮ ‬ولا تعلم بشأنه أمي‮. ‬
كتمت خوفي الصاخب‮.. ‬لم أهجم عليه ولم أوبخه،‮ ‬لم أجد حتي كلمة تحمل شجبي وإدانتي لما‮ ‬يحدث،‮ ‬فيما كانت مهمته قد قطعت المسافة إلي نصفها،‮ ‬ورآني فجأة‮. ‬
كالملدوغ‮ ‬تراجع،‮ ‬وراح‮ ‬يسحب أنفاسه اللاهبة،‮ ‬بدلًا من الجرار بعيدًا عنها وعني،‮ ‬وحين انتهي العبور المتأزم،‮ ‬لاحظتْ‮ ‬هي اصفرار وجهي المجهد،‮ ‬وخمود الكلمات التي صدئت في الحلق‮.. ‬وعرفتْ‮ ‬السبب من بضع كلمات وإشارات‮. ‬
قامت بتهدئتي،‮ ‬ووضعت بضع رشفات من الماء علي شفتي،‮ ‬وتوجهت بنظرها إلي حيث كنا فعرفتْه بإشارة مني،‮ ‬وصدري ما زال‮ ‬يعدو تجاه الانفلات‮. ‬
أعرفها جيدًا،‮ ‬فهي لا تترك حقها،‮ ‬لذا أدركت أنها ستركض وراءه،‮ ‬ولو تطلب الأمر سفرها إلي نهاية العالم‮. ‬وشجاعةً‮ ‬فعلتْ،‮ ‬بعدما تركت الأكياس بجانبي‮. ‬
العجيب في الأمر،‮ ‬ومن تدابير الأقدار،‮ ‬أنه لم‮ ‬يستطع التزحزح هاربًا من كتلة الناس المصمتة حوله،‮ ‬فتصلب كجعران،‮ ‬وراح‮ ‬يبعد الناس عن طريقه،‮ ‬في‮ ‬غاية الوهن؛ لم‮ ‬يكن قويًا إلي الحد الذي‮ ‬يسمح له بالعبور والهروب‮. ‬وفي ثانية كانت أمامه،‮ ‬وهو أمامها‮.. ‬لا‮ ‬يفصل بينهما سوي رافد نحيل من الهواء،‮ ‬ينظران إلي بعضهما بلغة لا أفهم رموزها،‮ ‬أحملق بعيني المترقبتين مخافة أن‮ ‬يؤذيها،‮ ‬أقدم قدمًا وأؤخر‮.. ‬
ولكنها توجهت بنظرها تجاه جرار الحقيبة،‮ ‬وفتحته،‮ ‬ثم أخرجت قطعة المخبوز المتبقية وأعطتها له مبتسمة بحنان،‮ ‬الأمر الذي شجعه علي مد‮ ‬يده وتناولها منها‮. ‬نظر إليها طويلًا كأنه‮ ‬يحدق بالفراغ،‮ ‬حينها قضم،‮ ‬ومضغ‮ ‬الأولي بسرعة ليلحقها بثانية‮. ‬أكل بنهم حتي شبع‮.. ‬وتساقطت قطرات اللعاب علي ملابسه الرثة‮..‬
وتركها وهو‮ ‬يمشي مطوحًا،‮ ‬بلا كلمة شكر‮.. ‬
وتراجعت نحوي مبتسمة‮. ‬أتساءل وأزيح عرق الخوف عن جبهتي،‮ ‬أستبين ألغاز ما حدث،‮ ‬وقبل أن تشِتُّ‮ ‬الحيرة بالقلب‮.. ‬
انتصبتْ‮ ‬أمامي فرِحَة،‮ ‬وقالتْ‮ ‬باطمئنان‮:‬
‮- ‬أرأيت؟ كان جائعًا فقط‮.‬
وعدنا بسلام‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.