نزلت آيات الصيام في السنة الثانية للهجرة والمسلمون جميعاً يسكنون الجزيرة العربية بجوها القائظ وحرارتها الملتهبة وجبالها التي تقذف حمم سخونتها علي القاطنين حولها و من يرتادون صحاري رملية أو طرقاً متعرجة لا تستطيع أن تصفها بالشوارع مترجلين أو راكبين. لم يكن العالم قد عرف رفاهية السيارات أو القصور والعمارات المكيفة فضلاً عن الأبراج والفنادق.. حياة من التقشف والمعاناة يزيدها الصراع القبلي أو الأيديولوجي بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة فضلاًَ عن مؤامرات اليهود الذين يحاورون المسلمين في المدينة ويعرفون عنهم كل صغيرة وكبيرة. ومع ذلك كان المسلمون يتلقون التكليفات الإلهية بالطاعة الفورية بمجرد سماع الرسول صلي الله عليه وسلم يتلو عليهم ما نزل من السماء. وسط هذه المعاناة والجو المشحون والقلق المستمر نزلت آيات الصيام تدعو المسلمين إلي الصوم وتستثني أصحاب الأعذار وعلي رأسهم المسافر والمريض اللذان ذكرتهما الآيات مرتين.. فلماذا اقتصر القرآن علي المريض والمسافر فقط دون ذكر بقية الأعذار التي تجيز الإفطار؟ جاءت آية الصيام لتفرض هذا التكليف وتحث المسلمين علي الاستجابة إليه بالنداء عليهم: "يا أيها الذين آمنوا" ولكنها تعطي رخصة لأصحاب الأعذار.. وتتوسع في تيسير الأحكام وتقول صراحة "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" ومع ذلك تجد من يتشدد في الأحكام بعكس مراد الله من الفريضة. كان الله رحيماً بالمسلمين رحمة واسعة إذ جعل الثواب مضاعفاً في هذا الشهر والحسنة فيه بعشرة أمثالها ومن أدي فيه نافلة كان كمن أدي فريضة فيما سواه.. وجعل في آخر الشهر ليلة وصفها الله في قرآنه بأنها خير من ألف شهر. كل ذلك ليجيب المسلمين الذين يعانون الحرارة الملتهبة وشظف العيش في عبادة الصيام ويسمح للمريض والمسافر بالإفطار.. فلماذا تكرر هذا السماح مرتين في الآية؟ عرضت السؤال علي الدكتور عبدالستار الجبالي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة بجامعة الأزهر فأجاب بأن الله في عليائه وصف شهر رمضان بوصف عظيم عندما قال شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.. ثم وصف القرآن بوصف عظيم آخر حيث قال: "هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان" أي دلائل وحججاً بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبَّرها.. فهي هدي منافية للضلال الذي عليه المشركون.. وهي آيات فرَّقت بين الحق والباطل والحلال والحرام. وإذا كان القرآن قد نزل في رمضان فإن الله اختار ذات الشهر لينزل فيه كلماته وهدايته علي عباده ولذا يُقال في الأثر إن الكتب السماوية الأخري نزلت في رمضان أيضاً ولذا فإنه شهر له خصوصية عند ربه أراد الله أن يجعل هذه الخصوصية عند عباده وأن يكرمهم بفضله وكرمه بثواب جزيل عظيم ببركة الصيام ورمضان والقرآن. ثلاثة أشياء مجتمعة في أيام مباركة من أجلّ وأعظم الأيام التي زينها بليلة القدر. ولذا قال الله: "وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون". نعم هو خير لا يعلم به إلا العلي القدير.. أما الرخصة للمسافر والمريض فقط فلأن الرسول صلي الله عليه وسلم بين بقية الرخص لبعض الحالات مثل الحائض والنفساء ومثل المرضع والحامل ومثل من يعمل عملاً شاقاً.. لأن الأصل أن المشقة تجلب التيسير.. فبيان الرسول صلي الله عليه وسلم كأنه المذكرة التفسيرية الكاشفة للقرآن المبينة لآياته وهداه.. ولذا قال الله عن رسوله "وما آتاكم الله فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".. أما السؤال عن ذكر الترخيص للمسافر والمريض مرتين في الآيات لأن الأولي خاصة بالذين يطيقونه حرج ومشقة أمرهم الله بإخراج فدية عن أنفسهم مقابل الترخيص بإفطارهم.. والفدية هي إطعام مسكين عن كل يوم إفطار وسحور من أوسط طعام أهل القرية أو المدينة. أما الآية الثانية فهي خاصة بالمريض والمسافر فقط بعيداً عمن يطيقون الصيام بحرج ومشقة.. وهنا اقتصرت الآية علي قضاء هذه الأيام في أيام أخري من العام تيسيراً علي عباده المؤمنين ولذا قال بعدها مباشرة "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر". فتاوي رمضانية تعطيل مصالح الناس.. يضيِّع ثواب الصيام قراءة القرآن بدون حجاب.. جائزة محمد زين العابدين الموظف المتكاسل والمتراخي في إنجاز عمله بسبب الصيام ضعيف الإيمان. ولا مانع شرعاً للمرأة من قراءة القرآن في بيتها بدون حجاب. والتصدُّق بالأجهزة الطبية ثوابها ممتد. كانت هذه أسئلة القراء نقدمها مع إجابات العلماء عنها. يسأل القاريء ف.م.ر من أسيوط قائلاً: ما حكم الدين في الذي يؤخر إنجاز عمله ويتسبب في تأخير مصالح الناس بحجة الإرهاق وعدم القدرة علي العمل بسبب الصيام؟ يجيب عن هذا السؤال فضيلة الدكتور حمد طه ريان أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "من ضار مسلماً ضاره الله ومن شاق مسلماً شق الله عليه". والمعني المتبادر من هذا الحديث الشريف أن من أدخل علي مسلم مضرة في ماله أو في نفسه أو عرضه بغير حق ضاره الله أي جازاه من جنس ما فعله وأدخل عليه المضرة.. ومن نازعه ظلماً. وتعدياً أنزل الله تعالي عليه المشقة جزاءً وفاقاً وهل هناك مضرة للمسلم أشد من تعطيل عمله وعدم إنجاز مصلحته وفي الحديث إشارة واضحة إلي أن الضعفاء الذين تتعطل أعمالهم ولا قدرة لهم علي إنجازها ولا سند لهم من الخلق يتكفل الله تعالي بنفسه ليأخذ حقوقهم وينتقم لهم من هؤلاء المتكاسلين المتراخين وأي نوع من الصيام هذا الذي يتسبب في تعطيل مصالح الناس ألا فليعلم هؤلاء أن ما اكتسبوه من سيئات بسبب تعطيلهم لمصالح الناس ربما يزيد علي الحسنات التي يحصلون عليها من هذا الصيام وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش" هذا من جهة. ومن جهة أخري فإن قوة الإيمان لدي بعض الناس في بعض الحالات لا تقاس بكثرة الصيام أو الصلاة أو الزكاة أو الحج بل تقاس بحسن معاملتهم لغيرهم من الناس فقد قال عليه الصلاة والسلام: "الدين المعاملة" وهذا حق لأن العبادات من الصلاة والصيام والزكاة والحج خيرها قاض علي فاعلها. أما حُسن المعاملة مع الخلق فإن نفعها يتعدي إلي الغير ويستفيد الغير من هذه المعاملة الحسنة ومن الجهة الثالثة فإن المسلم مأمور ببذل النصيحة لعامة المسلمين لقوله عليه الصلاة والسلام: "الدين النصيحة" ثلاثاً قلنا لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة وعامتهم" وليس من النصيجة تعطيل المسلم لمصالح العامة. بحجة الإرهاق من الصيام وخير للمسلم الذي يرهقه الصيام أن يجعل إجازته السنوية في شهر رمضان فإنه يريح ويستريح. أما أنه لا يعمل ويأخذ أجره كاملاً في نهاية الشهر فإنه يطعم أولاده من حرام وعليه أن يتحمل الوزر في ذلك والله أعلم. الحجاب.. وقراءة القرآن تسأل القارئة ر.ف.م من الإسكندرية قائلة: هل يجب ارتداء الحجاب أثناء قراءة القرآن الكريم من المصحف واستقبال القبلة؟ يجيب عن هذا السؤال فضيلة الشيخ محمد حمودة من علماء الأزهر يقول: القرآن الكريم هو الكتاب الكريم والدستور العظيم أنزله تعالي علي رسوله محمد صلي الله عليه وسلم بواسطة الروح الأمين هدي ونوراً تبياناً لكل شيء. وشفاء لما في الصدور وهو روح الحياة وريحانها. وينبغي علي من يريد قراءة القرآن أن يفرغ نفسه من شواغل الدنيا ويقبل علي القراءة بقلبه وعقله. خاشعاً لله تعالي خاضعاً لعظمته متدبراً في كل آية يقرؤها فالتدبر روح القراءة قال تعالي: "كتاب أنزلناه إليك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب "فلقراءة القرآن آداب يجب مراعاتها لتحصيل أكبر قدر من الثواب ومنها ستر العورة والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر واستقبال القبلة واتباع أحكام التلاوة. وبالنسبة لما ورد في السؤال فمن الأفضل ارتداء المرأة للحجاب واستقبال القبلة أثناء القراءة للقرآن الكريم. ولكن لا مانع شرعاً من قراءة القرآن بدن حجاب إذا كانت المرأة في بيتها ويجوز قراءته دون الاتجاه للقبلة فتلاوة القرآن من أفضل العبادات قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن". التصدُّق بالأجهزة الطبية يسأل القاريء ح.م.ف من بورسعيد قائلاً: هل التصدق بأجهزة معاونة لذوي الاحتياجات الخاصة يعتبر من الصدقات الجارية؟ يجيب عن هذا السؤال فضيلة الدكتور محمد عبدالستار الجبالي أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر يقول: لقد حث الإسلام الأغنياء علي بذل المال في شتي وجوه الخير كما حث علي الصدقة قال الله تعالي: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية" ويقول في آية أخري: "فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وانفقوا خيراً لأنفسكم". وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "علي كل مسلم صدقة فقالوا يا نبي الله: فمن لم يجد فقال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا: إن لم يجد قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يجد قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنه له به صدقة". وللصدقة فضائل منها تطفيء غضب الرب قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "إن صدقة السر تطفيء غضب الرب" كما أنها تمحو الخطيئة وتزيد المال ووقاية من النار ودواء من الأمراض البدنية والقلبية والصدقة متنوعة منها صدقة جارية كسقي الماء وحفر الآبار وبناء المساجد. وبالنسبة لما ورد في السؤال التصدُّق بشراء أجهزة معاونة لذوي الاحتياجات الخاصة كشراء الكراسي المتحركة أو توفير الأطراف الصناعية لبعض المرضي الفقراء أو غير ذلك تعد من أنواع الصدقات الجارية وثوابها ممتد. لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له". والله أعلم ابتسم فأنت في نعمة قال الدكتور مصطفي محمود: ابتسم عندما تجلس مع عائلتك فهناك من يتمني عائلة.. ابتسم عندما تذهب إلي عملك فالكثير مازال يبحث عن وظيفة.. ابتسم لأنك بصحة وعافية فهناك من المرضي من يتمني أن يشتريها بأغلي الأثمان.. ابتسم لأنك حي ترزق فالأموات يتمنون الحياة.. ليعملوا صالحًا.. ابتسم لأن لك ربًا تدعوه وتعبده فغيرك يسجد للبقر لأنك أنت هو أنت وغيرك يتمني أن يكون أنت.. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.