المفكر الصحفي البريطاني مارك كورتيز في كتابه اللافت "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" كشف لنا من خلال عدة وثائق هامة عن فلسفة الغرب في التعامل مع تنظيمات التطرف منذ النشأة الأولي علي يد جماعة الإخوان باعتبار أن تنظيم الإخوان كان الرحم الذي احتضن الفكرة من بدايتها الأولي. فيكشف مارك كورتيز أن التنظيمات المسلحة لم تكن شيئاً مستغرباً في مقاومة الاحتلال البريطاني في شتي البلاد التي قام بغزوها. لكن الجديد الذي اكتشفته بريطانيا وأحسنت توظيفه بشدة هو الأجنحة المسلحة التي ظهرت في مصر وشرق آسيا ولكنها تعتمد المرجعية الإسلامية لها بخلاف المنظمات المسلحة المقاومة للاحتلال التي كانت تعتمد المرجعية القومية والدفاع عن الأرض. بينما لا تمثل الأرض والأوطان شيئاً لتلك التنظيمات. وعلي عكس المتوقع فقد ظهرت عبقرية البريطانيين لتحويل العدو المحتمل لحليف موثوق. وهذا عن طريق ملحوظة كارثية في الواقع من عدة جوانب. الأول: رأي البريطانيون في التنظيمات التكفيرية محتملاً أكثر من كونه عدواً. وهذا بسبب عمق دراستهم لتاريخ الجماعات المنشقة عن أهل السنة وأدركوا أن عداءهم لمجتمعاتهم المخالفة لأفكارهم يفوق كثيراً عداءهم للغرب الصليبي قديماً والذي ورثه البريطانيون في العصر الحديث. وهذه ملحوظة صحيحة تماماً لأن المتتبع لتنظيمات الخوارج والشيعة عبر التاريخ سيجدهم دائماً أداة في يد المستعمر ضد الدول العربية والإسلامية علي امتداد تاريخها ولم يتوجه سلاحهم قط إلي عدو بل إلي المسلمين. الثاني: أدرك البريطانيون أن تنظيم جماعة الإخوان له قدرة هائلة علي الحشد واستمالة الناس بالوازع الدني لكنهم أيضاً وضعوا ملحوظة هامة في هذا الإطار أصبحت هي الاستراتيجية التي يتعاملون بها مع الإخوان وسائر التنظيمات حتي اليوم. هذه الملحوظة هي تكمن في أن تلك التنظيمات تتمتع بقيادة ضعيفة دائماً لا تتناسب مع قوة الأتباع. وضربوا المثل بحسن البنا نفسه المؤسس الأول من كونه يلين بالمفاوضات لأي طلبات يتم طلبها منه مقابل الدعم البريطاني مهما كانت تلك الطلبات مخالفة للثوابت المعلنة لجماعته وأتباعه. وأنه دوماً يجد التخريج المناسب لهذه التنازلات اعتماداً علي مبدأ السمع والطاعة كارثية هذه الملحوظة ظهرت في تاريخ الإخوان وحاضرهم حيث فشلوا تماماً في مواجهة أنظمة الحكم المتتابعة منذ عهد الملك فاروق وحتي اليوم. فلا هم أجادوا استغلال المفاوضات السياسية لتحسين مركزهم. ولا حتي أجادوا استخدام العنف في توظيف ذلك. فحسن البنا مثلاً تبرأ علناً من أتباعه ببيان صريح ممن قاموا بأعمال الإرهاب رداً علي قرار حكومة الملك بحل الجماعة. واستجاب لضغط الحكومة ليخرج علي الناس بقوله "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين". وبالمثل عقب اغتيال البنا نفسه علي يد تنظيم الحرس الحديدي والإتيان بالهضيبي مرشداً استدعاه الملك فاروق مجدداً ليعيد استغلال الجماعة سياسياً ضد الوفد للمرة الثانية. وقبل الهضيبي ذلك وخرج قائلاً لمندوبي الصحف تعليقاً علي الزيارة "إنها زيارة كريمة لملك كريم". وتكرر الأمر بعد ذلك في عبدالناصر والسادات حيث دأبت الجماعة علي سياسة النفعية المحضة والتنازل بلا حدود ولا أي مقابل طمعاً في رضا من يفاوضوهم ورغم هذا فهم في النهاية يصبحون خارج المعادلة دوماً.