لا يختلف أحد في جيلنا.. أو الجيل الذي سبقنا.. أو الجيل القادم.. أن الأستاذ محمد حسنين هيكل.. يمثل النموذج.. والقيمة الأكبر في حياتنا المهنية.. وهو واحد من أهم عشرة صحفيين في القرن العشرين والقرن الواحد العشرين. وهو الأول في تاريخ الصحافة المصرية وبالنظر إلي كتاباته.. وكتبه.. وحواراته لا يستطيع أحد أن ينكر أنه صاحب التراث الصحفي الأكبر.. والأهم في تاريخ البشرية ظن البعض أنه عندما ترك جريدة الأهرام سوف ينتهي تاريخه كصحفي ومفكر.. ومهني متميز جدا.. ولكنه فاجأ الجميع بمجموعة من الكتب أثارت أكثر من حوار.. وأكثر من موقف سواء معه أو ضده. كان دائما يشتبك مع الأحداث الراهنة بذهن متوقد وحاضر.. ويملك القدرة الهائلة علي إثارة دهشة الجميع.. وأحيانا الفزع.. وتصبح كلماته قد شغلت الدنيا كلها أكثر من ثلاثة أرباع القرن.. علي امتداد القرن العشرين.. والقرن الواحد والعشرين. وظل الأستاذ النموذج هو المنتصر الكبير في كل المعارك التي خاضها في حياته. هو الأستاذ ابن ال 93 عاما.. كلها سنوات جادة قام بما يقتنع أن يقوم به.. وكتب كل ما يؤمن به. فقد ولد الأستاذ النموذج في عام 1923م وهو عام له طبيعة خاصة في تاريخ مصر. فكما ولد الأستاذ محمد حسنين هيكل.. حصلت مصر علي ميلاد أول دستور لها دستور 1923م.. الذي نقل مصر نقلة حضارية متميزة فهو دائما الأستاذ الأكبر.. كما اعترف به العالم وهو ظاهرة مهمة جدا في عالم الصحافة والثقافة كما هو ظاهرة أيضا في تاريخ صحافتنا المصرية والعربية والعالمية.. فقد نقل الأهرام نقلة نوعية عندما عين رئيسا لتحريرها ومجلس إدارتها. بدأها ¢بصراحة¢ وكانت كلماته بها حديث المجالس السياسية والثقافية علي مستوي الوطن العربي.. والعالم.. فقد كانت تضم انفرادات صحفية خاصة جدا لم يسبقه إليها أحد.. تنقلها عنه وكالات الأنباء في كل أنحاء الدنيا. كانت مصدر أهم الأسرار السياسية التي كانت تدور في مقر الحكم. عاش الأستاذ النموذج عصر العمالقة العظام.. ففي الأدب نجيب محفوظ أديب نوبل.. ويوسف ادريس مبدع القصة القصيرة.. وقد نجح في أن يضمهما إلي الأهرام ككتاب.. ومبدعين وفي الفن أم كلثوم.. ومحمد عبدالوهاب.. وعبدالحليم حافظ.. وكذلك في كافة المجالات كالطب.. والعلم والصحافة كالتابعي.. ومصطفي أمين وعلي أمين. في عام 1952 قامت ثورة يوليو والتي بدأت بحركة الضباط الأحرار فالتف حولها الشعب المصري.. بكل فئاته وطبقاته.. حتي أصبحت ثورة حقيقية ثورة الشعب.. التي قادها الضباط الأحرار كان هيكل متابعا لكل تطوراتها.. ويعيش في قلب هذه الثورة بعد أن قدمه الأستاذ حسين فهمي رئيس تحرير أخبار اليوم إلي جمال عبدالناصر.. فاستمر مراقبا وفاعلا وصديقا مقربا وناصحا لرجالها بما يملك من ثقافة وعلم ووعي. هذا جيل هيكل الأستاذ النموذج العبقري جيل الاعتزاز بالوطن والإيمان والثقة بالمستقبل. كان بارعا في صياغته لما يكتب.. سواء كان مقالاً أو تحليلاً أو كتاباً.. فلا يمكن أن تستغني عن حرف أو كلمة.. أو جملة.. كل في مكانه الصحيح وكل كلمة في مكانها تنقل إليك ما يريد أن يصلك من معلومات.. وتؤدي إلي معناها بدقة وكل جملة تنقلك إلي الجملة التي بعدها بسهولة ويسر وعبقرية. كان أسلوبه مبهرا.. كعلم.. وكأدب كان يملك قدرة هائلة علي الصياغة الدقيقة وعلي تقديم وترتيب وتحليل المعلومات وعلي طرح أفكاره بسهولة ووضوح. إنه هيكل الأستاذ النموذج.. راعي المهنة الكبير.. له في كل جيل مريدون ودراويش لذلك أسس أخيرا مؤسسة هيكل للصحافة فخلال المحاضرات وورش التدريب التي تلقاها الصحفيون الشبان.. كان موجودا محاضرا ومناقشا وسعيدا بتوهج الأجيال الجديدة من حوله.. ولم يترك مجالاً إلا ومنحه من علمه ومعرفته فقد قدم للأبنودي ديوانه الأخير.. وكأنه شاعر كبير أما عن التوك شو فقد منح للمشاهد المصري والعربي الكبير من المعلومات والأخبار بالمحاورة ¢لميس الحديدي¢ لقد بدأ هيكل النموذج في الصحافة مراسلا حربيا.. في أكثر من حرب.. وأكثر من قارة.. لا يخشي الموت.. بل يواجه الموت في الحروب بشجاعة.. ولم يواجه الموت في الحرب فقط.. فقد انتشر مرض الكوليرا في مصر.. وكانت أكثر القري انتشارا للمرض وحصادا للموتي هي قرية ¢القرين¢ إحدي قري الشرقية فطلب الذهاب إليها في أكتوبر عام 1947 عندما كانت الكوليرا تحصد الأهالي بلا مقدمات.. وبلا استئذان.. وذهب وقدم أفضل تغطية لوباء يأكل الأخضر واليابس. وعندما نقل إلي الأهرام عام 1957 ليعيد تأسيسها.. ومنحها روحا وقدرة علي التفوق علي كل الصحف الموجودة علي الساحة. أعلن علي كل العاملين بالأهرام أن أبناءهم المتفوقون في دراستهم الجامعة سوف يقوم بتعيينهم بالأهرام.. وفعل ذلك بالأهرام العشرات من أبناء العاملين وكان يعيش بين العاملين بالأهرام.. فقد شكا إليه أحد العاملين مرض أمه التي لابد أن تعالج عينيها في أسبانيا فأمر بعلاجها علي نفقة الأهرام ومعها مرافق. أما الجانب الآخر من الحياة.. أو الحياة الخاصة فقد عاش لا يفكر في الزواج.. رغم عشرات العروض.. فقد كان اهتمامه الوحيد هي الصحافة فقد كان نجم الصحافة الصاعد.. واستمر كذلك حتي فوجئ في مكتبه بأخبار اليوم بالآنسة هداية تيمور تطلب منه أن يساعدها في الدعوة للتبرع لجمعية النور والأمل التي ترعي المكفوفين.. وتطلب منه التبرع للجمعية. كان ذلك في عام 1954 فقدم لها دعما كبيرا بعد حوار طويل وعميق.. حتي عرف مع من يتحدث لم يكتف بذلك.. بل اتصل بالكثير من أصدقائه ومعارفه يطلب منهم التبرع للجمعية.. بل اتصل بالرئيس جمال عبدالناصر يطلب منه التبرع وفعلا قدم تبرعا معقولا. ومنذ ذلك اليوم أصبحت هداية جزءاً من تفكيره.. وحياته.. وجزءاً من تكوينه.. حتي تزوجا.. وظلت رفيقة دربه حتي الآن. كان إعجابه بها عظيما.. وحبه لها لا حدود له مما دفعه لأن يكتب عن حبه لهداية في افتتاحية مجلة آخر ساعة في 27 أكتوبر عام 1954 التي نظر فيها للكون والحياة بتفاؤل قائلا ¢أقولها بعد تجربة عشتها بعقلي وقلبي وأعصابي¢. كان هيكل الاستاذ النموذج.. هو كل حياتها التي تركت من أجله كل شيء خاص.. ليكون هو كل حياتها.. فعندما عملت في التدريس بالجامعة.. وأكملت دراستها العليا فحصلت علي الماجستير في العمارة العثمانية وبدأت التحضير لدرجة الدكتوراه من تاريخ وخطط بولاق.. وأعدت جزءا كثيراً منها أخبرها المشرفون علي الرسالة أن ما أعدته كفيل أن يمنحها اثنين دكتوراه.. إلا أنها توقفت واستقالت من الجامعة بعد أن أيقنت أنها بجوار الاستاذ أهم كثيرا من رسالة الدكتوراه ومن العمل بالجامعة لأنها لن تستطيع أن تجمع بين واجباتها الجامعية وواجباتها العائلية وواجباتها الاجتماعية والثقافية.. حتي أصبحت شريكة حياة الاستاذ في مسراته.. وأزماته.. التي مر بها وانتتصاراته التي حققها.. وانكساراته التي أصابته.. علما بأنه كان رجلا صلبا لا يقدر عليه أحد أبدا. كانت السيدة هداية تيمور شريكة له في كل شيء.. كما قلنا أنها شريكة له في أزماته التي مر بها.. وانتصاراته التي حققها.. وانكساراته التي أصابته. كانت أقسي الأزمات التي ألمت بها سجنه في سبتمبر عام 1981م بقرار من السادات ومعه معظم المثقفين المصريين. عاشت السيدة هداية تيمور نفسيا معه في زنزانته.. فهي تعرف نظام زوجها الاستاذ النموذج.. وتتساءل كيف يعيش في زنزانة ولكنها انتصرت علي ذلك وكانت سببا في انتصاره بالوردة الحمراء.. التي كانت ترسلها له يوميا.. دليل الحب الدائم بجوار احتياجاته اليومية التي كانت ترسلها له وهي واثقة أنه لن يستمر طويلا في السجن وكذلك والدته السيدة هانم التي أكدت لابنائه أنه لن يستمر طويلا من خلال رؤية منامية أكدت لها ذلك. كانت السيدة هداية تيمور للاستاذ زوجة حقيقية وشريكة لحياته.. فكان يأخذ رأيها في كثير من الموضوعات فعندما قرر كتابة ¢خريف الغضب¢ عن الرئيس السادات أخذ رأيها كذلك أخذ رأيها قبل إلقاء محاضرته عن قضية التوريث للحكم في مصر.. وكان يعرف مسبقا ماذا سوف سيتم به وبأسرته وخاصة زوجته السيدة هداية تيمور. معارك كثيرة خاضها الاستاذ وضربات كثيرة أصابته.. ولكنه لم ينكسر فعندما خرج من الأهرام عام 1974 كانت زوجته وأمه هما ما قال لهما ما لم يقله لأحد. فقال لأمه ¢لا تنزعجي يا أمي.. مادام القلم معي فأنا لم أفقد شيئا¢. الكل يعلم ويؤمن أن أحدا لن يقدر عليه.. ودائما يتغلب علي خصومه وأوجاعه وآلامه. لم يترك لأحد فرصة لمجرد أن يشعر بلذة النصر عليه. الاستاذ دخل الأهرام ليعيد تأسيسها عام 1957 وخرج منها بعد الصدام مع السادات 1974 وقد منحها روحها وقدرتها علي الاستمرار رغم كل وعكاتها التي مرت بها من بعده وشكر الله علي رحيله من الأهرام فقد منحه فرصة كتابة احد عشر كتابا خلال الرحلات العديدة التي طاف بها العالم كان هذا مقابل تركه للأهرام. ومرض الاستاذ.. وتركنا جميعا.. له الجنة.