ماليزيا.. سنغافورة.. هونج كونج.. ثلاث تجارب ملهمة.. أثارت إعجابي حينما زرتها..كما أثارت تساؤلي: ماذا يمنع مصر أن تكون مثلها خصوصًا أنها دول تشبهنا إلي حد كبير.. إذ كانت مثلنا يومًا وربما أقل منا. ثم حققت طفرات هائلة وقفزات مشهودة علي طريق العلم والتقدم.. كيف حققت هذه النمور الاقتصادية نهضتها.. كيف كانت البدايات والمسارات.. وإلام انتهت وكيف حافظت علي مكانتها الجديدة في عالم شديد الحراك والتفاعل والتنافس والصراع.. وكيف يمكن لمصر محاكاة مثل هذه النماذج كي تستعيد مكانتها وتصبح بوابة العالم لأفريقيا والعرب؟! الرئيس السيسي حين اتجه شرقًا من موسكو إلي بكين مرورًا بسنغافورة وإندونيسيا كان يدرك حتمية هذا التوجه وضرورته.. وكان يعطي رسالة للداخل والخارج مفادها أن مصلحة مصر هي بوصلتها فيما تدع وفيما تأخذ.. وأن التجارب الناجحة يمكن محاكاتها متي توفرت الإرادة والعزيمة وهي بالفعل متوافرة علي الأقل عند رأس الدولة. لا شك أن التجارب الآسيوية الناجحة اتخذت من العلم منهاجًا ومن التخطيط المدروس وسيادة القانون علي الجميع والاستثمار الأمثل لطاقات المجتمع كافة وسيلة لهذا الحراك الهائل نحو التقدم والتطور .والسؤال الذي لا بد من طرحه والإصرار علي تحقيق إجابته عندنا.. كيف انطلقت تلك البلاد من الصفر إلي قمة النجاح حتي صارت نموراً اقتصادية وكيانات كبري تتصدر العالم في العلم والتكنولوجيا والتحول الديمقراطي والرفاه الاقتصادي والاجتماعي؟ ماليزيا مثلاً رغم تعدد أعراقها حافظت علي نسيجها الاجتماعي متماسكًا متفاعلاً مثمرًا.. ولم يكن ذلك عائقًا في طريق الاصطفاف الوطني خلف قيادة مبهرة كانت كلمة السر في نجاح ماليزيا وتحولها من هوة التخلف والفقر إلي ذروة الرخاء والرقي والوئام.. كان مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا ملهمًا لشعبه بكل ما تعنيه الكلمة من معني. إذ أنقذها من كوارث محققة وصدامات عرقية إيديولوجية كادت تعصف بوحدتها كما حدث لبلاد كثيرة حولنا دينها واحد .لكنها متعددة المذاهب والجماعات والأهواء يحارب بعضها بعضا ويكفر بعضها بعضا. اتجه مهاتير صوب اليابان العملاق الآسيوي الذي بدأ رحلة الصعود من الصفر مستوحيًا تجربتها في التعليم والبحث العلمي والتقدم التكنولوجي مدركًا بفطرته وحسه السياسي أن التعليم هو مفتاح أي نهضة فأحدث تغييرًا جذرياً في منظومته ثم عمد إلي تغيير ثقافة المجتمع إلي نشر قيم التسامح والمواطنة الحقة والسلام الاجتماعي بين مكونات المجتمع كافة حتي صار اختلاف الأعراق والديانات ثراءً وتكاملاً حضاريًا لا تعارض فيه ولا تنافر ولا تمييز ولا احتقان.. هكذا بني مهاتير محمد نهضة بلاده حتي استحوذت علي إعجاب العالم واحترامه. 1⁄4 أما سنغافورة فهي بلد عجيب.. صغير المساحة. كبير المكانة خصوصًا في مجال النقل البحري والخدمات اللوجيستية والتعليم.. وقد زرتها منذ سنوات وأبهرني تقدمها.. وأشاد بتجربتها العظيمة الرئيس السيسي الذي زارها منذ أيام.. وأحسب أنها كانت حاضرة بقوة في ذهن مهاتير محمد صانع نهضة ماليزيا . وربما تأثر الرجل بأفكار رئيس وزرائها القوي واستوحي تجربته الناجحة في العلم والتكنولوجيا والتي نقلت سنغافورة من جزيرة صغيرة يعتمد اقتصادها علي الصيد إلي عملاق اقتصادي يعد الدخل السنوي لأفراده من أعلي المعدلات العالمية "80 ألف دولار سنويًا" حتي صارت سنغافورة بين العشرة الكبار اقتصاديًا علي مستوي العالم. اعتماداً علي تنمية البشر بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا الفائقة.. فكيف لمصر الكبيرة مساحة.. الهائلة بشرًا وموارد أن تحذو حذو هذه الجزيرة الصغيرة أحد النمور الكبري في عالم الاقتصاد والعلم؟! 1⁄4 هونج كونج نموذج آخر للنجاح وتكاد لا تشعر بفارق بينها وبين ماليزياوسنغافورة إلا في تبعيتها للصين وطبيعتها الجغرافية رغم أنها تحظي بحكم ذاتي.. لكن هذا لم يمنعها من إحراز تقدم تكنولوجي هائل يدفعنا للتساؤل : كيف حققت تلك الكيانات العملاقة نهضتها.. كيف كانت أولوياتها عند البدايات.. هل تعاركت نخبتها علي أولويات التنمية فطالب البعض بالإصلاح السياسي والديمقراطي وحقوق الإنسان كمدخل للتنمية الشاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية.. أم كانت البداية بالاقتصاد أم بالتعليم والبحث العلمي الحقيقي؟! وهل صادف التغيير عقبات ومعارضة قوية كالتي نراها عندنا كلما حاولت الحكومة الشروع في أي إصلاح أو تجديد . وتعالت نعرات المصالح والأجندات الخارجية..؟! البداية في الدول الثلاث كانت حتمًا بإصلاح التعليم وتغيير ثقافة المواطن وسلوكياته ثم جاءت التنمية الاقتصادية ثمرة لهذا الإصلاح في التصور والمفاهيم والأفكار والسلوكيات.. ثم تحققت العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي الذي انطوي علي تحول ملموس وناضج نحو الديمقراطية والحكم الرشيد.. فلا عدالة في الفقر ولا إبداع في بيئة متخلفة ولا ديمقراطية في ظل استبداد الفكر وجموده فالإصلاح يسير في مسارات متوازية تبدأ بتنمية الفرد تعليمياً وصحيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وليس بحديث أجوف عن مجرد أماني في تغيير نخبوي فوقي يكاد لا يصل إلي قاع المجتمع حتي يتبخر وتتلاشي آثاره. السؤال هنا :هل استفدنا في مصر من تجارب الدول الثلاث.. هل وضعنا أيدينا علي مواضع الخلل.. هل أدركنا أن التعليم هو كلمة السر والبداية الحقيقية لأي إصلاح.. أم مازلنا نجعل التعليم الأولي في قاع اهتماماتنا.. ولا تزال ثقافة المجتمع تنحدر للأسوأ.. حتي أن أفكار التطرف والإرهاب تجد فيها بيئة خصبة.. ماذا تغير في ثقافتنا منذ ثورة 30 يونيو.. أين مبادرات التغيير الحقيقي.. هل شاركت الأحزاب والمجتمع المدني ومؤسسات الفكر وقادته بأدوارهم في التغيير والتوعية بمخاطر حروب الجيل الرابع التي حذرنا منها الرئيس السيسي؟! 1⁄4 تعددت الجهات المنوط بها التغيير. كوزارات التعليم والثقافة والشباب والأوقاف والأزهر و الإعلام.. وبقيت الأوضاع علي حالها انفصالاً بين الشباب والأحزاب..والأنكي أن ثمة وزارات تعمل ضد الدولة دون قصد..والدليل ما يجري في الشارع وما يتداوله الناس في وسائل التواصل الاجتماعي من حديث عن صفر الثانوية العامة والتعليم إلي عواصف قانون الخدمة المدنية إلي استثناءات أبناء الكبار إلي وقائع الفساد والتغيير الوزاري ..وكلها أحاديث لا تدل علي أن ثمة إدراكاً لدي البعض بخطورة ما يجري للدولة في تلك المرحلة. 1⁄4 لقد حققت الدول الثلاث في رأيي معجزات اقتصادية قابلها صعوبات جمة لم تمنع هذه الكيانات العملاقة من مواصلة التحدي ولم تكن الأزمة المالية العالمية مثلاً رغم قسوتها عليها مانعًا في سبيل التقدم بل وجدنا سنغافورة تخصص ما يقرب من نصف ميزانيتها للتعليم المبدع وتدريب الكوادر الشابة كما سارعت إلي ضخ المليارات لتحسين سوق العمل والأوضاع الاجتماعية ورفع معدلات الإنتاج ودعم برنامج التأمين الطبقي وشرائح المجتمع فوق الخمسين..هكذا تعاملت هذه الدول مع أزماتها بأفكار من خارج الصندوق ونجحت لا لشئ إلا لأنها جعلت تنمية البشر أولوية وليست عبئًا كما يتصور بعض المسئولين عندنا. 1⁄4 المراقب لتطور الدول الثلاث يجدها تحولت نوعيًا في سنوات معدودات فحققت إنجازات مشهودة رفعت مؤشرات التنمية الشاملة درجات عالية فصارت بلادًا منتجة زراعياً وصناعيًا وعلميًا رغم فقرها الواضح في الموارد الطبيعية ورغم أنها تقل عنا كثيرًا في الموارد البشرية التي تصل لنحو 60% من مجموع سكاننا من الشباب. زيارات الرئيس ومعه مسئولون ووزراء لتلك الدول البازغة اقتصاديًا مطلوبة بصورة مستمرة لنقل الخبرات والتجارب وجذب الاستثمار والتعريف بالفرص الواعدة لدينا.. لكن ذلك لا يمنع أن هناك ملاحظات علي أداء سفاراتنا وقنصلياتنا ومكاتب تمثيلنا التجاري في مثل تلك البلدان رغم أنها الأكثر عددًا علي مستوي العالم بصورة تفوق سفارات أمريكا ذاتها.. لكنها للأسف تشاغلت بمراسم الاستقبال والتشريفات والعمل الدبلوماسي التقليدي وأغفلت الجانب الاقتصادي والترويج لمصر والدليل علي ذلك ما نراه من عجز صارخ في ميزاننا التجاري لصالح تلك الدول وغيرها رغم ما نملكه من فرص وإمكانيات واعدة.. الأمر الذي يضع أداء تلك السفارات وملحقاتها علي المحك ويفرض ضرورة مراجعة أدائها وتصويب عاجل لمسارها وإيجاد آليات عمل منتجة وفعالة.. فلابد أن يقابل هذا الإنفاق الكبير علي سفاراتنا التي تفوق المائة حول العالم عائدا ومردودا اقتصاديا ملائما .. وإلا فما جدوي الكثرة وكفة الميزان التجاري تميل لغير صالح مصر فنستورد أكثر مما نصدر ونستهلك أكثر مما ننتج. 1⁄4 افتتاح قناة السويس الجديدة ومؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي كان ينبغي أن يصبح نقطة تحول لصالحنا في التنمية والاستثمار وضبط الميزان التجاري وليس عيبًا أن نتعلم من تجارب الغير في سنغافورةوماليزيا أو حتي تايوان حتي نحقق مثل ما حققته تلك البلدان فما فائدة القول إننا حققنا أرقاماً عالية في النمو وأن الاستثمارات في ازدياد. بينما الإنتاج متواضع والبطالة والأسعار والتضخم في الطالع ودخل الفرد يتضاءل..ثم كيف نتحدث عن التنمية بينما المخططات المرصودة للتعليم والصحة والخدمات الأساسية لا تزال دون الطموح. زيارة المسئولين للخارج مهمة شريطة أن تجلب مزيدًا من فرص الاستثمار والتصدير وأن تفتح أسواق الدول أمام منتجاتنا.. وعلي الحكومة أن تجتهد في توفير بيئة جاذبة للاستثمار وإصدار تشريعات ملائمة وتدريب جيد للعمالة حتي يكن لمصر أن تنافس وأن تجتذب رءوس الأموال التي تجلب معها بالطبع التكنولوجيا والخبرات العالمية في مجالها حتي نصير بلدنا منتجًا وصانعًا وليس مستوردًا أو عالة علي الآخرين.. وأتساءل أخيراً.. متي تصبح مصر من النمور أو حتي الفهود الاقتصادية؟!