في الجلسة الأولي لأول مجلس نيابي بعد الثورة.. تدافع النواب في الحديث الحماسي الممزوج بالدموع عن شهداء الثورة وضرورة القصاص لهم فورا.. وتوهم الكثيرون ان أول قرار للمجلس سيكون انشاء محكمة للثورة تحاكم "المخلوع" وعصابته سياسيا بعد أن أفسدوا البلاد وزورا الانتخابات وإرادة الأمة ونهبوا أموالها.. وأورثوا الشعب الفقر والمرض.. وذلك بدلا من المحاكمات الجنائية العبثية التي لا دليل كاف معها يساعد القاضي علي إدانة القتلة واللصوص. ومرت الشهور ونسي النواب مسرحية الدموع ومنح حل المجلس للرئيس د.محمد مرسي حق التشريع والتي انتقلت بعد ذلك إلي مجلس الشوري دون أن يستجيب أحد لمطالب الثوار وأسر الشهداء علي الأقل لوقف مسخرة البراءة للجميع التي لا ذنب للقضاة فيها .. وبدلا من يصحح "الإخوان" الخطأ بحكم انهم حزب الأغلبية الذي ينتمي إليه الرئيس ويصدرون قانون العدالة الانتقالية لمحاكمة العصابة سياسيا قرروا فجأة أن تكون معركتهم العاجلة والمصيرية مع مؤسسة القضاء وكأن كل معاركنا انتهت مع الأمن الغائب والاقتصاد المهدد بالانهيار وطوابير الغلابة والعاطلين والأعداء المتربصين في الداخل والخارج! قلت من قبل ان أغلب القوي السياسية وفي مقدمتهم "الإخوان" بدلا من الحرص علي التوافق ومد الجسور مع الآخرين حتي تعبر مصر أزماتها تبحث عن معركة أو تصنع عدوا جديدا ننشغل به عن الأهم ويشوه صورة مصر ويطفش أي مستثمر أو سائح متهور يفكر في زيارتها! وجاءت جمعة تطهير القضاء لتؤكد اننا نعيش في عالم الجنون واللامعقول. فالجماعة التي يجب أن تساند الرئيس الذي ينتمي إليها علي الأقل وهو خارج البلاد يحاول ان يقنع الروس بتجديد التعاون والمساعدات لمصر تقرر الخروج في مظاهرة تتوهم انها ستكون سلمية وتفتح الباب لمصادمات ومصابين من الشباب والشرطة وتتورط - كما تورط الشباب المتطرف في معارضته لها. في مشاهد مخجلة تستحق محاكمة كل المتورطين فيها كما حدث للشاب المريض نجل عقيد الشرطة محمد القاضي من ضرب وسحل من شباب يضعون شارة "الإخوان" علي جبهتهم! اللامعقول يأتي كذلك من أن حزب الأغلبية في الشوري لديه قوة التشريع وسلطات الرئيس فكيف يتظاهر ويزيد الانقسامات مع الآخرين ويعمق عداوتهم له بلا مبرر يقبله أي عاقل؟! أيضا.. كيف يجرؤ حزب الأغلبية ان يدخل في معركة تزيد من هز ثقة الناس في واحدة من أهم مؤسسات الدولة والتي وصفها الرئيس مرسي أثناء حملته الانتخابية بأنها "ميزان الوطن وبالتالي لا يمكن ان أوافق علي الاساءة إليها".. ورغم ذلك لم يتوقف هؤلاء عن اللعب بالنار التي ستحرق الجميع وتهدم بنيان الدولة ولا يمكن لمستثمر ان يعطيك ماله إذا لم يكن واثقا ان لديك قضاء عادلا بينما أنت تترك كل من هب ودب يتحدث عن حالات فردية من فساد القضاة ولا تخلو منها أي مؤسسة بطريقة التعميم الظالمة وتحاول أيضا أن تداري الفشل التشريعي والتخاذل عن محاكمة عصابة "المخلوع" سياسيا من أول يوم. بتوجيه اتهامات التقصير للقضاة الذين لا يحكمون إلا بأدلة متكاملة تقدمها لهم أجهزة الشرطة والنيابة وليس بالنوايا والقناعات الشخصية . والعجيب أيضا..ان قانونا للسلطة القضائية والذي أعدته لجنة برئاسة المستشار حسام الغرياني كان جاهزا أيام مجلس الشعب المنحل بأغلبيته الإخوانية ولم يتحمس له أحد بينما يسرع مجلس الشوري الآن إلي مناقشة مشروع آخر من أربع مواد ويخلو من أهم بند للإصلاح القضائي وهو النص علي تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلي وليس لوزارة العدل ..والأغرب من ذلك.. إذا كان "الإخوان" يرون ان كل معاركنا الأهم قد انتهت وان شعار "تطهير القضاء" هو الحل لكل أزماتنا فهل اختصار كل المعركة الوهمية والعبثية في تخفيض سن إحالة القاضي للمعاش إلي الستين بدلا من السبعين هو الدواء الشافي. وهل إخراج حوالي 3500 قاض دفعة واحدة من الخدمة رغم ما تعاني منه المحاكم من تكدس القضايا يمكن أن يحقق أي تطهير أو إصلاح؟!