** أعتقد بشكل كامل في قدرة نظرية الأواني المستطرقة والتعامل مع مشاكلنا المزمنة.. وانه يصح بالنسبة لها القول المأثور.. "اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد".. فإذا نظرنا إلي أزمة المرور الخانقة معظم أنحاء اليوم إذا ما تمكنا من حلها وإعادة سلوكيات القيادة فن وأخلاق.. فنحن ندعم الاتجاه العام لترشيد استهلاك الوقود الذي يهدر أثناء الوقوف الخاطئ والاجباري للمركبات في الشارع والذي يقدر ب 30% علي الأقل من سعة خزان السيارة.. ولنا أن نتصور ضخامة المبلغ الممكن توفيره من الدعم.. بدلاً من بالونات الاختبار "الفاشلة" عن رفع الدعم عن سيارات الأغنياء واستخدام البطاقات الذكية عند تجديد الرخصة.. أو كيف تدعم الدولة سيارات الدبلوماسيين والخبراء الأجانب عندما يملأون سياراتهم بالبنزين الفاخر من محطات الخدمة المختلفة.. ونسوا في هذا الإطار امكانية تخصيص محطات بأسعار خاصة تكون لهذه الفئات القادرة.. ويمتد تأثير نظرية الأواني المستطرقة من المرور والوقود إلي النظافة لأن الشوارع التي تعاني تحويلها إلي جراجات صف أول.. وثان.. وثالث أضيف إلي العبء الذي تنوء به "خاصة بعد الثورة" القاء القمامة ومخلفات البناء في مواقع استراتيجية.. بجوار المدارس والمعاهد ودور العبادة ونهر الشارع وفوق كباري المترو والسكة الحديد.. ولم تسلم من ذلك الترع والمصارف.. والغريب هنا عدة أشياء.. أولها سلبية المواطن العادي الذي يري أمام عينيه عربات الكارو ونصف النقل تلقي بالمخلفات ليل نهار دون أن يدافع عن حرمة المكان الذي يعمل أو يسكن فيه.. والثاني ذلك السباق الدراماتيكي بين هؤلاء "مضافاً إليهم فرازي القمامة" وعربات هيئة النظافة والتجميل.. التي يبادر بعضها والحق يقال بمصادرة الذي يحدث.. ورفع تلال المخلفات.. وأحيانا يزرع الأشجار علي الرصيف.. ولكن في غضون لحظات تعود القمامة بتحد سفيه وسخيف.. ولا يكتفي هؤلاء البلطجية.. بسد نهر الشارع بل يختارون أماكن استراتيجية.. ليضموها إلي حدائق القذارة.. والثالث تلك الشبكة العنكبوتية التي غزت القاهرة ومدن المحافظات.. بانفلات أمني شجع علي هدم منازل قديمة وأثرية جميلة ليبدأ في المساء اقامة أبراج تسلم شققها علي الطوب الأحمر.. فيأتي أصحابها لتشطيبها.. وما أدراك من حجم المخلفات "الذي يتكون" في المرتين.. ولذلك فإن نجاح المواجهة والتجاوب بين مرافق المحليات "المعطلة عن العمل تقريبا منذ إلغاء المجالس المحلية" وشباب المجتمع المدني.. من لجان شعبية حتي جمعيات خدمة المجتمع.. يضمن لنا تحجيم هذه الأبنية غير الشرعية والعشوائية.. ويزيل الأذي عن الشارع كما أمرنا الرسول صلي الله عليه وسلم.. ويفتح الباب أيضا لمنع ما نراه جميعا من اقتطاع للشوارع والأرصفة بحجة اقامة أكشاك ومقاه وفرشات وأسواق تبيع البضائع المهربة أو المصنوعة تحت السلم.. مثلما نلاحظ في ميادين باب الحديد والجيزة والشوارع التجارية أعتقد انها وراء تأجيل أو الغاء قرار اغلاق المحال في العاشرة مساء. ** هذه الخواطر دارت بذهني.. وأثارت بداخلي مشاعر التوتر الشديد.. عندما فجعت في خيار أحرص عليه منذ فترة.. ويتلخص في الذهاب للعمل أو العودة منه.. بعيدا عن مراكز الزحام التقليدية التي تصيب المرء بالاختناق.. وقد نجحت هذه الخطة التي تعتمد تماما الشوارع البديلة.. بمعيار زمن الوصول الذي يتراوح بين نصف ساعة.. وساعة وربع.. وتمكنت من تنظيم الساعة البيولوجية علي واجبات الإنسان ولكن ما حدث الخميس الماضي.. جعلني أعيد التفكير.. واسأل مشاركة الأصدقاء القراء.. ** مضت الأمور علي مايرام من شارع رمسيس ثم الالتفاف يساراً إلي كوبري أبو حشيش والسير بالتوازي مع مسار مترو الأنفاق.. متحملاً مع السائق الاختناقات المتزايدة بفعل إشغالات الباعة "علي كل شكل ولون" واصرار الباعة علي نصب بضائعهم وسط نهر الشارع رغم وجود الرصيف.. ونمر بحكم العادة علي التكدس المتنوع عند محطة كوبري القبة.. مضافاً إليها التاكسي بالنفر والميكروباص وعربات النقل التي تنتفض في شارع القصر الجمهوري.. لندخل إلي السير المستحيل في ترعة الجبل.. بعد أن اكتشف الجميع شارع سور المترو البديل المليء بالحفر والمطبات.. وانتهكوا الاتجاه الواحد.. لتتزايد حوادث الصدام.. رغم ستر الله سبحانه وتعالي.. نصل إلي سينما الزيتون المغلقة.. بقرار من الورثة وفي انتظار هدمها لتتحول إلي أبراج تتحالف مع أبراج أخري تكشف بسهولة انها مبنية داخل الحواري.. ومخالفاتها ظاهرة للعيان.. "وننتظر عبقرية البيروقراطية المصرية في التصالح مع هؤلاء.. ناهيك عن الأكشاك والفرشات المضيئة كعز الظهر والفضل لأعمدة الاضاءة.. ندخل شارع المسيري بأمل الوصول إلي شارع محطة مترو الحلمية الذي يستضيف مجمع مصعب بن عمير.. لنجد سيارتنا وعشرات بل مئات السيارات الأخري.. وقد اضطرت إلي خيار الخطوة خطوة.. ** يتحول المكان إلي بيت جحا.. والسيارات الغاضبة تحاول البحث عن مخرج في شارع المسيري.. الذي أصبح كالطاولة المقفولة.. تتحرك ببطء وسط طفح المجاري.. والهاربون من ترعة الجبل وشارع المحطة وابن الحكم.. يخرج إلي الصف الذي تقف فيه.. أحد شباب اللجان الشعبية يرشدنا للدخول وراء ميكروباص لتخرج إلي النور عبر عزبة المبيض.. السائق المسكين يدور.. ويدور.. لنجد سيارتنا قد عادت لترعة الجبل.. بجوار مركز المكفوفين .. نحاول خطف المسافة إلي الكوبري العلوي.. يستوقفنا هؤلاء الشباب الذين احتلوا المكان بعدد من الكراسي.. رفضوا بالطبع كل الرجاوات.. وطلبوا منا العودة إلي اتجاه الزيتون وتحولت مسافة الأمتار القليلة إلي حضن الكوبري.. أمنية غالية تساوي الدنيا كلها.. أفهمتهم الظرف الطارئ لي.. والأقارب المنتظرين أمام المنزل.. للمشاركة في ختم القرآن علي روح سحابتي الممطرة.. قرأت لها الفاتحة معتذراً.. لأفاجأ بقائد الشباب يسمح لسيارتنا دخول المعترك قبل الأخير.