في نفس المكان كتبت منذ ثلاثة أسابيع مقالاً بعنوان: "مستشارك حصانك". قلت فيه ما معناه ان مستشار الرئيس حصانه إذا أحسن اختياره صانه وزانه وإن أساء اختياره خانه بمعني أساء إليه وجعله أمام شعبه متخبطا. وقراراته غير مدروسة.. وأكدت أن الرئيس مرسي هو رئيس مصر الثورة وبالتالي لابد وأن يختلف عن الريس حنفي رئيس المركب "نورماندي 2" في فيلم ابن حميدو. حيث إنه مقبول ان تنزل كلمته في الأرض النوبة وكل نوبة بينما الرئيس مرسي يجب الا تنزل كلمته أبدا. لأن هذا ما يليق به وبشعبه ومن قبل هذا وذاك بمصر. لكن فيروس التخبط لا يزال متمكناً من جسم مؤسسة الرئاسة. ومؤسسة الحكومة. وكل مكان. لدرجة أننا لو كنا قد أقسمنا علي أن نتخبط وأن تصبح قراراتنا مثل كلام الليل مدهون بالزبد يسيح مع أول خيط للشمس في الصباح. ماكنا قد فعلنا شيئاً غير الذي نفعله. وما كنا قد أصدرنا قرارات في المساء وتخبطنا فيها طوال الليل ثم رحنا في اليوم التالي نقدم لها الآلاف من المذكرات التفسيرية كل واحدة منها عكس الأخري.. كلام الرئيس شئ. وكلام المتحدث باسم الرئاسة شئ آخر. وكلام رئيس الوزراء شئ ثالث. بينما كلام الوزراء أنفسهم المعنيون بموضوع القرار شئ مختلف تماماً. وكأننا بمركب في مهب الريح لها ألف متحدث. وألف مالك. وقرر كل منهم أن يثقب في مكانه قائلاً: هذه منطقتي. ولتغرق السفينة أو تذهب إلي الجحيم.. وتعالوا نغرق سويا في بعض تفاصيل التخبط: * من حق الرئيس مرسي أن يصدر قراره بالإفراج عن مساجين مساندة الثورة. فهذا قرار إنساني يحسب له ونحييه عليه.لكن ألف باء قرار تسبقه دراسة وافية لهذا الملف.. تلك الدراسة ليست من شغل مرسي وإنما من صميم عمل المستشارين الذين من المفترض أنهم قد درسوا حالة كل سجين وهل هذا السجين ساند الثورة أم ساند نفسه وعمل لمصلحته أو لمصلحة فئة أو جماعة سواء كان بلطجياً أو إرهابياً أو مخرباً يسئ إلي الثورة وإلي البلد. وبالتالي لا يستوي الأعمي والبصير ولا الظلمات والنور. فمن ساند الثورة ونذر نفسه وروحه ودمه لنصرتها لا يجب أن نضعه في نفس الكفة مع الذين ارتدوا عباءة الثورة والثوار وراحوا باسمها واسمهم يرتكبون أبشع الجرائم. أيضاً لا يليق أن نضع رئيس الجمهورية في موقف من يصدر قرارا ثم يكون للجهة التنفيذية ملاحظات عليه فيظهر وكأنه اتخذ قراراً غير مدروس. والأصعب أن يضطر الرئيس أحياناً إلي التراجع عن قراره فيبدو وكأنه رئيس بلا مستشارين يصدر ما يعن له من قرارات. إما صابت وإما اصطدمت بحواجز الظروف القانونية والدستورية وهذا غير مقبول. لأن كلام الرؤساء لا يرد والمفترض أن جميع المستشارين حوله يزنون كل كلمة وكل حرف فيه قبل أن ينطق به وينقونه من كل شائبة كما ينقي الثوب الأبيض بحيث يخرج القرار لا لبس فيه. ولا راد لمنطقه أو منطوقه. لذلك قد نفهم أن يضم قرار الرئيس بالعفو عن المتهمين في أحداث مجلس الوزراء وماسبيرو ومحمد محمود والعباسية علي اعتبار أنهم ساندوا الثورة وبالتالي نحيي الدكتور مرسي علي ذلك. لكن لا نوافق إذا كانت هناك ثغرة يخرج بها مع هؤلاء الذين شاركوا في إشعال النيران في المجمع العلمي ومبني الضرائب العامة والذين ارتكبوا جرائم سرقة وإحراز وحيازة مخدرات وإتلاف أملاك الدولة. نفهم كذلك رقة قلب الدكتور مرسي ونتفهم حقه في إصدار العفو الرئاسي عمن يريد. لكننا نقول لمستشاريه وفروا له المعلومات أولاً عن كل حالة. لكي يعرف أن شخصاً ما يستحق عفوا. وأن آخر لا يستحقه.. علي سبيل المثال إذا صح أن الرئيس قد قام بالعفو عن 16 من أخطر مهربي الأسلحة الثقيلة المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة في عيد الفطر الماضي. ثم أصدر قبل أيام قرارا جمهورياً بالعفو عن اثنين من المحكوم عليهم بتهمة تهريب أسلحة نارية وذخيرة. فإن هذا الأمر يستحق وقفة مع المستشارين الذين لم يؤدوا دورهم. بل زاد علي ذلك أنهم وبتقصيرهم هذا يسيئون إليه. * أيضاً قرار إغلاق المحلات في العاشرة مساء هو عنوان كبير لتخبط الحكومة وإظهارها أمام المواطنين في صورة "البندول".. ساعة يمين وساعة شمال.. فيوم أن أعلنت الحكومة ذلك أكدت أن هذا قرار لا رجعة فيه.. بعدها أعلن الوزير المسئول يوم وساعة تنفيذ القرار الحاسم الذي ينحاز لمصلحة مصر والمصريين.. وظهر هناك ألف مفت يخرجون علينا ليحددوا ألف موعد وموعد.. فهناك من يقول في العاشرة وهناك من يقول بعد منتصف الليل وهناك من يقول حسب نوع النشاط. إلي أن جاءت الحكومة مؤخراً وقالت: لن يكون التنفيذ كما قلنا أول نوفمبر ولا نصف الشهر وإنما سيكون بالتدريج اعتباراً من الشهر القادم. وفهم الناس أن كلام الحكومة وقراراتها مثل ألوان الطيف وبالونات العيد. ألوان كثيرة وفرقعات أكثر.. واجتهد البعض وركب حصان خياله وراح يفسر من عنده السبب الحقيقي للتأجيل أو المراوغة بمعني أدق..فالإخوان وحزب الحرية والعدالة لم يسعدهم هذا القرار خصوصاً بعد أن انفجر غضب الناس والتجار. وبالتالي خافوا أن يؤثر هذا علي شعبيتهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة. ولذلك ضغطوا علي الحكومة بنظرية "التطبيق التدريجي" علي أن يكون هذا المصطلح مخرجاً لائقاً. و"بنجاً مخدراً" لحين انتهاء الانتخابات.. يا سادتي الكرام احترمونا واحترموا عقولنا. فما هكذا تورد الإبل! الربيع العربي ومن التخبط المصري إلي التخبط العربي يا قلبي لا تحزن.. نظمت جامعة الدلتا للعلوم والتكنولوجيا بالتعاون مع مجلس الوحدة الاقتصادية العربية مؤتمراً مهماً بعنوان: "دور المشروعات المشتركة في تحقيق التكامل العربي". كان الربيع عاملاً مشتركاً في المؤتمر.. محمد "ربيع" هو رئيس مجلس أمناء الجامعة.. والسفير محمد "الربيع" هو أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية و"الربيع" العربي هو المحور الذي تدور حوله معظم أبحاث المؤتمر فكلام الدكتور محمد ربيع وكلام السفير محمد الربيع. وكذلك معظم المتحدثين من أساتذة الجامعات والوزراء والخبراء الاقتصاديين تركزت حول التكامل والتعاون الاقتصادي بين دول الربيع العربي حيث إن كل الظروف مواتية ومهيأة لإحداث هذا التعاون والتكامل. وطالب الجميع بأن الربيع العربي إذا لم يستثمر لصالح التكامل العربي. فإنه سوف يتحول من ربيع حقيقي المفترض أن تزهر فيه حدائق العرب إلي أيام خماسينية تحجب عنا الرؤية أكثر مما هي محتججة فتعمي الأبصار والقلوب ولا نري ما يدور حولنا ولا ما يحاك ضدنا فتبقي ريما علي عادتها القديمة.. فعار علي العرب أن يكون حجم تجارتهم البينية 9% بمعني أن العرب مع العرب يتعاملون في 9% فقط بينما ال 91% من تجارتهم مع أمريكا وأوروبا. النتيجة أننا من ضعف إلي أضعف ومن سييء إلي أسوأ. فهنيأ لإسرائيل ولا عزاء للعرب إذا لم نستيقظ ونتعظ ولو بورقة واحدة من كلمات المؤتمر وكلمات مليون مؤتمر سابق ومليون خطبة عصماء قيلت علي الورق ومن الورق عن التكامل العربي والسوق العربية المشتركة. أذكركم بما قاله الشاعر القديم: تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسرا.. وإذا افترقن تكسرت أعوادا.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.