لا يكاد يمر يومان إلا وتطالعنا الصحف بأخبار مفجعة على المستويين الإنساني والاستيعابي. فمن الأخبار المفجعة إنسانياً وفاة 15 شخصا في حادث تصادم عنيف بإحدى مدن الصعيد، وثلاثة لقوا حتفهم على طريق المحور المتجه لمدينة 6 أكتوبر، وقيام سائق إحدى الحافلات الخاصة بشركة كبرى بإطلاق النار على زملائه مما أدى لمصرع وإصابة الكثيرين، ومصرع ثلاثة في تصادم سيارتين على كوبري 6 أكتوبر وإصابة اثنين إصابات خطيرة. ودعواتي بالرحمة للمتوفين والصبر لأسرهم خصوصا الأسرة التي رحل منها اثنان وأصيبت الثالثة ولا يعلم أحد إن كان سيمكنها العيش بصورة طبيعية أم أنها ستخرج بعاهات مستديمة. ومن الأخبار المفجعة على المستوى الاستيعابي نسبة النجاح في الثانوية العامة 50%، واستمرار قوات الأمن في التمركز أمام دار القضاء العالي وفي الميادين وتدعيم القوات في حالة تجمع عشرة شباب مسلحين باللافتات الملونة والميكروفونات للتظاهر ضد تعذيب وقتل الأبرياء في أقسام الشرطة. أما آخر ما فاق الاستيعاب فهو ما طالعتنا به الصحف وبعض البرامج عن نجم الجيل كاتبا. وبأي صحيفة.. بالأهرام...!! ذلك الصرح العريق المهيب الذي للآن لا أصدق أنني دخلت مبناه الذي كنت أسير بممراته مبهورة بكم الذكريات والتاريخ المكتوب على جدرانه التي تعتبر متحفا يحتفي برواد الفكر في العالم العربي. الأهرام التي بتصفح أرشيفها نعرف ما دار بالوطن العربي وبمصر من أحداث، واتجاهات سياسية وفكرية وأدبية، ومعارك، وقرارات تحدد بها مصير الشعب منذ أن أنشئت وأصدرت عددها الأول في الخامس من أغسطس عام 1876 في الإسكندرية. الأهرام.. الصحيفة التي قال عنها د.طه حسين إنها ديوان الحياة المعاصرة وهو الوصف الذي ارتأه المؤرخ العظيم د.يونان لبيب رزق واختاره عنوانا لكتابه القيم الدارس والراصد والمؤرخ لتاريخها. الأهرام التي كتب فيها الإمام محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، طه حسين، خليل مطران، أنطوان جميل، علي أمين، محمد حسنين هيكل، يوسف السباعي، أحمد بهاء الدين.. لن يمكنني حصر من كتبوا فيها لكنني أزعم أنها اتسعت لأقلام أغلب رواد الثقافة والفكر والعلم العرب. بعد أن هدأت صدمتي وصدقتُ بالفعل أنه تم إفراد مساحة لا بأس بها لتامر حسني كي يكتب بالأهرام، حاولت أن أعصر على نفسي كل منتج البحر الأبيض المتوسط من الليمون والبرتقال وكل الحمضيات لأقرأ ال(لا أستطيع أن أسميه مقالا)، السطور التي كتبها نجم الجيل كما اتفق على تسميته. وليتني ما قرأت، فقد استهلكتُ كل ما عصرته على نفسي وكنت في حاجة لمزيد من بساتين اللارينج والليمون!! حاولت السيطرة على انفعالاتي بالبحث عن دوافع الجريمة التي دفعت تلك المؤسسة التي أصاب الشطط مدراءها فأقدموا على ذلك الفعل. ولم أجد غير أسباب نفعية ومصالح مادية للطرفين خصوصاً وأن تامر في حاجة للإعلان عن منتجه الجديد "اخترت صح".. هذا هو السبب الوحيد الذي أراه فيما حدث، وهو غير مبرر. ولن أتحدث عن ركاكة الجملة والفكرة والأسلوب فقد قامت بذلك البرامج الحوارية وبعض الكتاب. أما ما هالني وكان حدثا مفجعا على المستويين الإنساني والاستيعابي حقاً فالسطور التالية عينة منه: (1) بقول لك يا اسمك ايه انتى انا واحده من الناس اللى بينطبق عليها كل حرف فى الاغنية يمكن انتى عمرك متحسى بالاغنية الا لما تعيشى فى الموقف وجايز جدا تكونى عيشها بس بتهاجمى وخلاص وانا واحده مكنتش بشترى الاهرام دى نهائى بس لما لاقيت مقال لتامر اشترتها ع خاطر عيونه تامر نجم رغم انف الحاقدين ? (2) مين الكاتبة دي؟؟؟؟؟؟ اااااااااااااه.. دي ولا حاجة وانا اصلا مش هاتعب نفسي واعلق على غباوتك وجهلك. بس عايز اسألك بس ازاي انت صحفية وانت اصلا مش منهم لانهم في العادي اذكياء جدا. بس متهيالي اننا المفروض نشجع الاغبياء اللي زيك عشان نضحك عليهم (3) منك لله يا () اكيد هتدافعي عن محمود ابن بلدك بس رامي بمكان احسن منك وضميره مرتاح. واذا ماكنتي تعرفي رامي فرامي = رجولة امل اخلاق وحب شهامة ادب مو متل غيره عامل البرنامج مغامرات عاطفية. الله كبير وبياخد حق رام منك ومن اليي متلك (4) ان شاء الله يا رب تموتي بالظبط في حادثة سيارة يا كذابة يا بلا ضمير.. هيدا مو اسمو مقال حتى.. هادى اسمها بنت مصرية عمبتدافع عن واحد مصري shame on uuuuuu stupiiiid 5 The Egyptian people are not educated and u have a lot of mental problems guys haram u live in a bad conditions u need a shrink people go fix ur self and admit for once that the responsability is on u SHAME ON U هذه عينة من تعليقات القراء على مقالي رأي: "مين رامي الشمالي؟"، و"ارحمنا يا نجم الجيل"، عن الضجة الإعلامية غير المبررة حول مصرع رامي، وخبر تامر حسني في الأهرام. وبإلقاء نظرة متأنية ومتفحصة على التعليقات ستدرك أيها القارئ لماذا أسميتها فاجعة. فكل التعليقات كُتبت بأسلوب غير لائق، وقد احتوى بعضها على ألفاظ نابية، واتهامات بالحقد والدناءة، وكلها موجهة نحو الكاتب وتهاجم شخصه وتعتدي عليه. ومن القراء من تعدى شخص الكاتب خصوصا في مقال "مين رامي الشمالي" واعتبر الرأي المطروح يمسّ الذات اللبنانية لأن الكاتبة مصرية، مما يثبت أن المصريين هم من دبّروا حادث رامي ومحمود ومن المؤكد أن الكاتبة كانت معهم!! وكلما نزلت بالصفحة لأقرأ مزيدا من التعليقات، أجد الأخلاق تنحدر مع هبوط مؤشر الصفحة. وكلما قرأت المزيد من التعدي والهجوم النابي، زاد خوفي من مستقبل يقوم على هؤلاء القراء باعتبار أغلبهم شبابا. فقد قام القراء بتحويل الموضوع من (مقالة) رأي.. إلى (قضية) رأي.. ثم ندخل في أمن الدول بعد ما نكون مررنا بالفتنة العاطفية والطائفية!! والعجيب أن كل ذلك تمّ دون فهم من القراء ودون استيعاب للرأي المطروح في المقالتين والكل يعوم مع عوم الكل إلا من رحم ربي. فكانوا كجمع غفير من الناس معصوبي الأعين، صرخ فيهم أحد أن النار اندلعت فظلوا يتخبطون ويصرخون بأن النار اندلعت دون أن يروها، ولم يفكر أحد أن حاسة الشم والإحساس بالسخونة ستنبئ إن كان ما قيل صدقاً أم غير ذلك. قال الفيلسوف الفرنسي ديكارت يوماً: "أنا أفكر.. إذن أنا موجود"، وقد راقت هذه الصيغة للعديد من المفكرين وحتى الناس العاديين فربطوا الوجود بأفعال أخرى. وبناءً عليه أقرّ وأقول: أنا أفكر.. إذن أنا موجود. وأضيف: أنا أفهم.. إذن أنا إنسان له رأي. أنا أتبصر.. إذن ستتعدد زوايا الرؤية ولن أحشر نفسي في زاوية واحدة وأفرضها على من حولي.. وإلا عليّ وعلى أعدائي. وأنا أرى من زوايا متعددة فتسع رؤيتي الرأي الآخر -خصوصا في الأشياء الفرعية في الحياة والتي لا تمس البديهيات والحقائق- إذن فأنا إنسان محترم. وأنا إنسان محترم.. إذن سأكون فعالاً. وأنا أفعل.. إذن أنا موجود في سلام ومن حولي يعيشون معي وإن اختلفت آراؤنا في سلام. فما تعدد الرؤى إلا محاولة للخروج من إطار الرؤية الواحدة المحدود مما يجعلنا نسمو بأنفسنا وفكرنا ونرتقي ونختلف اختلافا سلمياً. ولكن.. لا أدري ماذا سيكون رد فعل القراء الآخرين لو كانت مقالة الرأي تقول: رضي الله عن تامر ورامي والأهرام؟؟!! *******************