الصورة الذهنية لا ترتبط فقط بالهيئة التى تلتقطها عدسات الكاميرات، لكن معناها أعمق وصناعتها أعقد. هى نتاج الانطباعات الذاتية التى تتكون عند الأفراد أو الجماعات تجاه شخص أو جماعة أو نظام أو أى شىء آخر، بفعل التجربة المباشرة أو غير المباشرة، وترتبط بعواطف الأشخاص واتجاهاتهم واعتقاداتهم بغض النظر عن صحة المعلومات من عدمه، وهى العدسة التى يرى الأفراد من خلالها الواقع. رجب الطيب أردوغان (نموذجا) يقول الصحفى سعد عبد المجيد: لم يتخلف أردوغان يوما عن واجب العزاء لأى تركى يفقد عزيزا ويدعوه للجنازة. اقترب الطيب من الجماهير خاصة البسطاء منهم. طويل القامة فارع الطول جهورى الصوت حاد الطباع.. نتيجة نشأته. متدين لا يجيد سوى التركية، متحدث بارع، ومصغ جيد، تاجر ماهر، مارس كرة القدم فى ثلاثة أندية. يقول رجل الأعمال غزوان مصرى: كل من يعيش فى إستانبول يدين لأردوغان بالماء والهواء النظيفين والخضرة التى تملأ المكان، كانت وسائل الإعلام سابقا تنصح كبار السن والأطفال ألا يخرجوا للشارع؛ لأن الهواء ملوث، كما كانت الكمامات توزع فى الشارع. خلال ثمانى سنوات حول إستانبول إلى عاصمة اجتماعية وثقافية وسياحية تليق بتركيا. عبد الله جول (نموذجا) لا تفارق الابتسامة وجهه فى أشد المواقف صعوبة ومشقة! ولد فى قيصرية لعائلة متواضعة، التحق بمدرسة الأئمة والخطباء مثل أردوغان، وتخرج فى كلية الاقتصاد. حصل على الماجستير فى الاقتصاد من بريطانيا، ونال الدكتوراه فى تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامى.. عمل فى بنك التنمية الإسلامى فى جدة لمدة ثمانى سنوات، يجيد الإنجليزية إجادة تامة على عكس أردوغان (اعتقل فى عهد الجنرال كنعان إيفرن 1980). استطاع بناء شبكة علاقات واسعة فى أثناء توليه حقيبة الخارجية، ومد خطوط اتصال مع كل الأطراف. يتميز بالواقعية والرؤية الثاقبة. كان يُلقب بالأمير لقربه الشديد من أربكان. مهندس مجموعة الثمانى الإسلامية، ومهندس حزب العدالة والتنمية. تنازل عن رئاسة الوزراء لأردوغان فى مشهد قلما يتكرر، وأعطاه أردوغان الرئاسة لاحقا على الرغم من أنه كان يحلم بها. كيف استطاع الثنائى "أردوغان جول" تجسيد القيم والمعانى فى غيبة المصطلحات المحظورة؟ لم تمنع أردوغان نشأته المتواضعة أن يعتز بنفسه، ففى مناظرة تليفزيونية مع زعيم الحزب الجمهورى دينز بايكال قال بثقة: "لم يكن أمامى غير السميد والبطيخ فى مرحلة الابتدائية والإعدادية كى أستطيع معاونة والدى وتوفير قسم من مصروفات تعليمى، لأن والدى كان فقيرا". لم يغير الطيب مسكنه رغم تواضعه حتى بعد وصوله لمنصب عمدة إستانبول ووجود فرص للحصول على عملات بملايين الدولارات بشكل شرعى، لكنه كان يخصم تلك العملات ويوفرها لخزينة المدينة. فى رمضان يقوم جول باصطحاب زوجته يوميا إلى منزل إحدى العائلات الفقيرة بالعاصمة أنقرة لتناول طعام الإفطار، ليؤكد أنه خرج من بين هؤلاء، وانتماؤه الحقيقى لهم. روى بستانى أن عبد الله جول زار صاحب المنزل الذى يعمل به، وأنه بعد أن ساعد فى إعداد طعام الإفطار، ذهب ليستكمل عمله فناداه جول، وطلب منه أن يتناول معهم الإفطار على المائدة نفسها، ولم يقبل اعتذاره أبدا، يقول البستانى: تعودنا من كبار القوم ألا يلتفت أحدهم لأمثالنا من طبقات الشعب، ولكنه أثبت بحق أنه ابن محافظة قيصرية، كما أثبت أنه رجل مسلم بحق. كانت أشهر الصور فى تركيا ل"جول"، وهو يمر على إحدى المدارس الابتدائية فى أثناء نهاية اليوم الدراسى والتلاميذ يلتفون حوله فى حميمية وود.