صرّح وزير الخارجية بحكومة الانقلاب بدر عبدالعاطي، خلال فعالية جانبية حول قضايا المياه على هامش القمة الإفريقية، بأن مصر تُعد من الدول شديدة الجفاف، وأنها تعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل لتلبية احتياجاتها الأساسية. وأشار إلى أن هذا الاعتماد يتزامن مع تحديات متصاعدة تشمل النمو السكاني السريع، والتوسع العمراني، والآثار المتفاقمة لتغير المناخ. في حين أن بدر عبدالعاطي وزير خارجية السيسي بعد يوم واحد من تصريحات السيسي عن عدم وجود أي تهديد من إثيوبيا قال "كل ما نريده في مصر هو الحق في الحياة!" وفي 20 ديسمبر الماضي قال السيسي: "مصر لا تواجه أي خلاف مع الأشقاء في إثيوبيا ومطلبنا الوحيد هو عدم المساس بحقوقنا في مياه النيل والتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن السد". واكتمل المشهد في ملف سد النهضة، حيث لم تكن الإمارات وسيطًا محايدًا، بل طرف داعم لإثيوبيا سياسيًا وماليًا، وساهمت في رعاية مسار انتهى باتفاق المبادئ الكارثي عام 2015، الذي فرّط في الحقوق التاريخية والقانونية لمصر في مياه النيل، وكان لمحمد دحلان – رجل أبوظبي – دورٌ فيه. وبحسب الناشط يحيى غنيم @YahyaGhoniem أنه بعدما قال ترامب: إن أمريكا هى من مولت سد النهضة، وأن أربعة بنوك مصرية شاركت فى تمويله، وأن دولتين عربيتين شاركت كذلك فى تمويله، وأن دولة الإمارات هى إحدى هاتين الدولتين، فهل تصدقونه أنه يريد حل مشكلة السد؟! يا سادة خنق مصر مائيا هى خطة صليبية منذ رحلة ماجلان، واستطاعت أثيوبيا إنفاذها بعبقرية الزعيم الشيصى الذى رضى بقسم آبى أحمد أنه لن يضر المياه في ماسر! وأضاف أنه "ومن قبلها رقص هو والبشير مع رئيس الوزراء الأثيوبى ديسالين هايلى ميريام! ولا يزال حتى اليوم مصرا على صواب الإتفاقية وعدم مناقشتها فى مجلس الشعب..".
دلالات مرتبطة بالأمن المائي يحمل التصريح دلالة واضحة على هشاشة الوضع المائي المصري، إذ يعيد تأكيد أن مصر تواجه أزمة مائية بنيوية تجعلها من أكثر الدول عرضة للضغط المائي. هذا الخطاب يعكس محاولة رسم صورة لمصر كدولة تعتمد على مصدر واحد يكاد يكون وحيدًا للمياه، ما يجعل أي تغيير في تدفق النيل مسألة وجودية. ورغم أن وزير خارجية السيسي لم يذكر سد النهضة صراحة، فإن الإشارة إلى الجفاف والاعتماد الكامل على النيل تُعد تلميحًا مباشرًا إلى حساسية مصر تجاه أي إجراءات أحادية قد تؤثر على حصتها المائية. التصريح يأتي في سياق دبلوماسي يهدف إلى حشد دعم إفريقي ودولي لموقف مصر في ملف المياه، وإبراز أن أي نقص في تدفق النهر ستكون له تبعات خطيرة على دولة تعتمد عليه بالكامل تقريبًا. وربط الوزير بين أزمة المياه وبين النمو السكاني والتوسع العمراني وتغير المناخ يعكس خطابًا رسميًا متكررًا يحمّل هذه العوامل جزءًا من مسؤولية الأزمة. هذا الربط يهيئ الرأي العام لتقبل سياسات ترشيد المياه، ومشروعات التحلية المكلفة، وتغييرات في أنماط الزراعة والاستهلاك، باعتبارها ضرورة لا خيارًا.
لقاء نيروبي ونيروبي كانت جزءًا من مجموعة دول في حوض النيل تبنّت مواقف مختلفة عن الموقف المصري خلال مفاوضات "اتفاقية عنتيبي" التي طُرحت في 2010. هذه الاتفاقية مثّلت آنذاك محورًا للخلاف بين مصر والسودان من جهة، وعدد من دول المنبع من جهة أخرى، من بينها كينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وإثيوبيا. هذه الدول رأت أن الاتفاقيات التاريخية للمياه تحتاج إلى إعادة توزيع، بينما تمسّكت القاهرة بمبدأ "الحقوق المكتسبة" وحصتها الثابتة. لكن من المهم الإشارة إلى أن كينيا لم تكن في خصومة مباشرة مع مصر، بل كانت جزءًا من موقف جماعي لدول المنبع، بينما ظلّت العلاقات الثنائية بين القاهرةونيروبي مستقرة نسبيًا. حتى عندما لا يكون هناك صدام مباشر، يبقى ملف النيل ملفًا حساسًا للغاية بالنسبة لمصر. أي دولة من دول المنبع — بما فيها كينيا — عندما تتخذ موقفًا داعمًا لإعادة توزيع المياه أو تؤيد اتفاقية عنتيبي، فإن القاهرة تعتبر ذلك موقفًا غير مريح، لأنه يمسّ الإطار القانوني الذي تستند إليه حصتها التاريخية. واطلاق التصريح في القمة الإفريقية يمنحه بعدًا إضافيًا، إذ يهدف إلى وضع أزمة مصر المائية ضمن سياق إقليمي ودولي أوسع، يسمح بالمطالبة بتمويلات ومساندة فنية لمشروعات البنية التحتية المائية، والتحلية، وإعادة الاستخدام، تحت مظلة التكيف مع تغير المناخ. تعثر تشغيل سد النهضة وتكشف صور حديثة للأقمار الصناعية عن تشغيل ضعيف ومتذبذب لسد النهضة، رغم وصول التخزين في بحيرته إلى نحو 54 مليار متر مكعب. وتشير التحليلات إلى أن السحب من البحيرة محدود للغاية، وأن تشغيل التوربينات يتم بقدرة منخفضة لا تتناسب مع حجم السد أو الخطاب الإثيوبي حول إنتاج الكهرباء. ويُظهر ذلك إما وجود مشكلات تشغيلية أو إدارة حذرة للمنسوب، بينما يبقى القلق المصري قائمًا بسبب غياب اتفاق ملزم ينظم الملء والتشغيل، خصوصًا في فترات الجفاف.
استنفار مائي في مصر وفي المقابل، تواجه مصر موسمًا مائيًا صعبًا مع غياب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة بصورة غير معتادة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الطلب على مياه الشرب والري. وأعلنت وزارة الموارد المائية والري حالة الاستنفار لإدارة إيراد النيل، مع عقد اجتماعات مستمرة لوضع سيناريوهات التعامل مع الندرة المائية. وتعمل الوزارة على تشغيل مكثف لمحطات الرفع والقناطر، وضخ تصرفات محسوبة لضمان وصول المياه إلى قطاعات الري والشرب والكهرباء، في وقت تتزامن فيه نهاية السدة الشتوية مع بداية الرية العامة، ما يضاعف الضغط على الموارد.
جمود تفاوضي وخطر استراتيجي مستمر ورغم التعثر الفني في تشغيل السد، لا ترى مصر أن الخطر الاستراتيجي قد تراجع، إذ ما زالت تعتبر النيل قضية وجودية تتطلب اتفاقًا قانونيًا ملزمًا لملء وتشغيل السد. وبعد سنوات من المفاوضات غير المثمرة، أعلنت القاهرة توقف المسار التفاوضي بسبب ما تصفه بالتعنت الإثيوبي. وفي ظل غياب اتفاق، تجد مصر نفسها أمام معادلة صعبة: مخزون ضخم خلف السد، وتشغيل غير شفاف، وندرة مائية داخلية متزايدة، ما يجعل أي موجة جفاف جديدة اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على حماية أمنها المائي.