أعادت واشنطنفنزويلا 100 عام إلى الوراء باستعمار معلن يحكم قبضتها على القطاع النفطي منذ اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وفرض وصاية مباشرة على صادرات البلاد. وفي مفارقة لافتة، جاءت أولى الشحنات المصدّرة بعد هذا الانقطاع متجهة إلى الكيان الصهيوني، رغم أن الولاياتالمتحدة نفسها كانت تصف النفط الفنزويلي بأنه "غير قابل للاستثمار" و"عالي التكلفة" و"ثقيل وغير مربح".
هذا التناقض الصارخ يكشف أن المسألة لم تكن يومًا اقتصادية بحتة، بل سياسية بامتياز. وبينما كان رئيس شركة "إكسون موبيل" ووسائل إعلام أميركية كبرى مثل ABC وNPR وCNN يؤكدون أن النفط الفنزويلي ثقيل، عالي الكبريت، منخفض الهيدروجين، ويحتاج إلى مصافٍ متطورة وتكلفة تتجاوز 100 مليار دولار لإعادة تأهيل القطاع، كانت إدارة ترامب تتحرك في الاتجاه المعاكس تمامًا. فسارع وزير الطاقة الأميركي إلى زيارة الحقول الفنزويلية "لاستكشاف سبل تعزيز الإنتاج وإطلاق الإمكانات الاقتصادية الهائلة للبلاد"، وتحدث عن خطط لرفع الإنتاج بنسبة تتراوح بين 30 و40% خلال عام واحد فقط، في تناقض مباشر مع الرواية التي روّجت لها الشركات الأميركية نفسها.
وبينما كانت واشنطن تزعم أن النفط الفنزويلي غير مجدٍ اقتصاديًا، كانت في الوقت نفسه تستولي عليه وتعيد تصديره، وتفتح الباب أمام استثمارات أميركية جديدة، وتستخدمه كورقة ضغط جيوسياسية. الشحنة الأولى التي خرجت بعد سنوات من التجميد لم تتجه إلى دولة محايدة، بل إلى كيان الاحتلال، حيث أشارت وسائل إعلام غربية إلى أنها نُقلت إلى شركة "بازان غروب"، أكبر شركة تكرير في الكيان. هذا التحرك لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل رسالة سياسية واضحة: النفط الفنزويلي أصبح جزءًا من شبكة النفوذ الأميركي في المنطقة، يُستخدم حيث تشاء واشنطن، ويُمنع حيث تشاء. وتعيش فنزويلا واحدة من أكثر اللحظات التباسًا في تاريخها الحديث، بعد الإعلان عن تصدير أول شحنة من النفط الخام إلى الكيان الإسرائيلي، في خطوة بدت صادمة بالنظر إلى الخطاب السياسي التقليدي لكاراكاس، لكنها جاءت في سياق معقد يتداخل فيه النفوذ الأميركي، والانهيار الاقتصادي، والصراع على السلطة، والاختراقات الأمنية، وتحوّل النفط إلى ورقة ابتزاز دولية. فمع إطاحة واشنطن بالرئيس نيكولاس مادورو واختطافه، أصبحت الولاياتالمتحدة المتحكم الأول في ثروة البلاد، وبدأت في إعادة توجيه النفط إلى وجهات لم تكن فنزويلا لتتعامل معها طوعًا.
وفي خضم هذا المشهد، أعلنت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريجيس دخول 300 مليون دولار من أول دفعة بيع للنفط بقيمة 500 مليون دولار، وهو تصريح فتح الباب أمام أسئلة أكبر مما أجاب عنه. الصحفية ديما الخطيب ربطت هذا الإعلان بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام، مؤكدة أن ما قالته رودريجيس يثبت صحة ما أعلنه ترامب عن الصفقة، بل ويكشف أن الأخير حصل على 200 مليون دولار من قيمتها، أي أكثر من نسبة 30% التي تحدث عنها سابقًا. هذا يعني أن الولاياتالمتحدة لا تسيطر فقط على النفط الفنزويلي، بل تعيد بيعه بطريقة تجعل شركة النفط الوطنية الفنزويلية، المؤممة منذ عام 1976، خارج اللعبة تمامًا، وهو ما يهدد بفقدانها دورها التاريخي كمؤسسة سيادية.
المفاجأة الأكبر، كما تشير الخطيب، @Dima Khatib أن الدفعة التي بيعت لم تكن من نصيب شركة أميركية حكومية، بل ذهبت إلى شركة "فيتول"، وهي شركة مرتبطة بأحد ممولي حملة ترامب الانتخابية. أما المفارقة الأشد غرابة فهي أن "فيتول" باعت النفط نفسه إلى الصين، رغم أن واشنطن كانت تمنع بكين من شراء النفط الفنزويلي طوال سنوات الحصار. وتحصلت الصين على النفط الفنزويلي عبر السوق السوداء بسعر أقل ب15 دولارًا من السعر العالمي، لكنها الآن تشتريه من شركة أميركية بسعر أقل ب5 دولارات فقط، أي أنها تدفع 10 دولارات إضافية للبرميل الواحد مقارنة بما كانت تدفعه سابقًا. وهكذا، وبعد كل الضغوط والتهديدات والعقوبات، انتهى الأمر بأن تبيع الولاياتالمتحدة النفط المنهوب للصين نفسها، ولكن بشروط أميركية وربح أميركي. اختراقات أمنية عميقة وداخل النظام الفنزويلي يبدو الاختراق الأمريكي، فالباحث محمود جمال @mahmoud14gamal يشير إلى أن اختطاف مادورو لم يكن ممكنًا دون اختراقات خطيرة داخل الحرس الرئاسي، امتدت إلى مستويات حساسة في الجيش. وتدعم الصحفية أنيا الأفندي @Ania27El هذا الطرح بنقلها عن نيويورك تايمز أن الاستخبارات الأميركية جنّدت مصدرًا داخل الدائرة المقربة من مادورو، راقب تحركاته لأشهر وحدد موقعه الأخير مقابل مكافأة وصلت إلى 50 مليون دولار. هذا يعني أن سقوط مادورو لم يكن مجرد نتيجة صراع سياسي داخلي، بل عملية استخباراتية معقدة شاركت فيها أجهزة أميركية، واستفادت منها شركات نفطية، وأدت في النهاية إلى وضع ثروة فنزويلا تحت إدارة واشنطن المباشرة.
وفي سياق متصل، أثار تصريح للكاتب السعودي خالد الرويشان موجة من الجدل، حين نقل عن ترامب قوله إنه ينقل يوميًا 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي إلى الولاياتالمتحدة. الرقم بدا صادمًا، ليس فقط لأنه يتجاوز قدرة فنزويلا الإنتاجية الحالية، بل لأنه بحسب @k alrowaishan يفوق إنتاج منظمة أوبك بأكملها تقريبًا، التي تضم 14 دولة وتنتج مجتمعة 38 مليون برميل يوميًا. الرويشان وصف ما يجري بأنه "أكبر سرقة في التاريخ، بل في مجرة درب التبانة"، في إشارة إلى حجم الاستحواذ الأميركي على النفط الفنزويلي، سواء عبر السيطرة المباشرة أو عبر إعادة البيع لشركات مرتبطة بالبيت الأبيض.
هذا المشهد المركب يكشف أن ما يحدث في فنزويلا ليس مجرد أزمة اقتصادية أو صراع على السلطة، بل إعادة تشكيل كاملة لخريطة النفوذ في واحدة من أغنى دول العالم بالنفط. الولاياتالمتحدة لم تكتفِ بفرض العقوبات، بل انتقلت إلى مرحلة التحكم الكامل في الإنتاج والتوزيع، وحرمان الصين من الوصول المباشر إلى النفط الفنزويلي، ثم إعادة بيعه لها بشروط أميركية. وفي الوقت نفسه، جرى تحييد شركة النفط الوطنية الفنزويلية، وإقصاء الدولة عن إدارة ثروتها، وتحويل النفط إلى أداة سياسية واقتصادية في يد واشنطن.