أثار مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي في 19 إبريل مخاوف سلطات الانقلاب بشأن التحديات الأمنية والسياسية الجديدة التي قد تواجهها مصر في منطقة الساحل الإفريقي، حيث إن القاهرة ونجامينا تتمتعان بعلاقات أمنية وثيقة، حسب ما أفاد موقع "المونيتور". ولم تدل حكومة الانقلاب بأي تعليق رسمي على آخر التطورات في تشاد، باستثناء برقية تعزية من عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب. ومع ذلك أعربت وسائل الإعلام المقربة من النظام والمحللون المقربون من الحكومة عن خوفهم من الاضطرابات في تشاد. ووصف السيسي في برقيته ديبي بأنه "القائد الوطني والحكيم الذي قدم الكثير لشعبه وبلده، وبذل جهودا لخدمة القضايا الإفريقية في مواجهة مختلف التحديات". وفى 19 ابريل لقى ديبى مصرعه بعد إصابته على خط الجبهة ضد المتمردين فى شمال البلاد، وفي اليوم التالي أعلن الجيش التشادي عن تشكيل مجلس انتقالي يضم مجموعة من كبار ضباط الجيش، واختير الجنرال محمد إدريس ديبي، نجل ديبي، رئيسا مؤقتا، ويبلغ من العمر 37 عاما. وفي 20 إبريل غرد أحمد المسلماني، رئيس مركز القاهرة للدراسات الإستراتيجية، قائلا: "إن اغتيال الرئيس التشادي يشكل تهديدا جديدا للأمن القومي المصري. وفي حين أن قد يرى البعض أن هذه الأنباء ليست من شأن مصر، أود أن أقول إن هذا غير صحيح، لأن المسافة بين الحدود المصرية والحدود التشادية أقل من المسافة بين القاهرة وسوهاج". وتابع المسلماني على تويتر قائلا: "تشاد تعاني من منظمات إرهابية خطيرة تمتد أنشطتها عبر منطقة واسعة في دول الساحل والصحراء، من غرب السودان إلى المحيط الأطلسي"، مضيفا أن "غياب رئيس قوي مثل إدريس ديبي يدعو للقلق، وإذا كان للأطراف الدولية أي علاقة بالاغتيال، فإن هذا يضاعف المخاوف"، في إشارة إلى احتمال تحالف الحركات المتطرفة الليبية مع المتمردين التشاديين تحت توجيه أجنبي. ، من أجل إحداث تغيير كبير في المنطقة. ولا توجد حدود مشتركة بين مصر وتشاد، لكن لها حدودا مع الجارتين الأخريين السودان وليبيا، مما يجعلها دولة مهمة للأمن القومي المصري. السيسي منزعج وقال محمد سعيد محفوظ، مستشار رئيس تحرير صحيفة الأهرام التابعة للحكومة، ل"المونيتور" إن نظام السيسي منزعج للغاية بسبب الاضطرابات في تشاد، حيث تأتي في وقت حساس للغاية مع تصاعد التوترات مع إثيوبيا بسبب أزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير. وأضاف محفوظ أن "أي فوضى تحدث داخل تشاد ستؤثر على السودان وليبيا، وبالتالي على أمننا القومي". وأشاد السيسي خلال اللقاء الأخير مع إدريس ديبي في ديسمبر 2019 بالعلاقات الوثيقة بين مصر وتشاد، خاصة في ظل الأهمية الكبيرة التي تحتلها تشاد في منطقة الساحل الإفريقي المرتبطة مباشرة بالأمن القومي المصري. وفي ذلك الوقت، أعرب ديبي عن رغبة بلاده في تطوير العلاقات الثنائية مع مصر على مختلف المستويات، خاصة في مجالات التبادل التجاري والدعم الفني والتنسيق الأمني والعسكري المشترك. وأضاف محفوظ أن "السيسي وديبي كانا على علاقة أمنية قوية في السنوات الأخيرة". ومنذ انقلاب السيسي على الرئيس الشهيد محمد مرسي، تغيرت السياسة المصرية تجاه إفريقيا، ولم تهتم القاهرة كثيرا بالقارة منذ التسعينات، وسعى السيسي إلى تحسين صورة مصر في القارة وحماية مصالح القاهرة في القرن الإفريقي لتعزيز موقفها من قضية السد ومع ذلك، ركزت مصر في بلدان الساحل والصحراء على تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي وتقديم نفسها كنموذج لمكافحة الإرهاب. مناكفة تركيا وفي يونيو 2018، أنشأت سلطات الانقلاب مركزا إقليميا لمكافحة الإرهاب لمجموعة دول الساحل والصحراء الكبرى واستضافت مناورات مشتركة في فبراير 2020، تبنت حكومة السيسي اقتراحا بإنشاء قوة مكافحة الإرهاب القارية في دول الساحل الخمس. وقال رولاند لومباردي، المؤرخ المتخصص في الشرق الأوسط: "بالتأكيد، كانت الروابط بين ديبي الأب والسيسي قوية جدا على المستوى الشخصي لكنها إستراتيجية بشكل خاص في الملفات الإفريقية وخصوصا في ليبيا". ولكن إذا سقط نظام تشاد، فقد يكون ذلك نهاية "القفل التشادي" مع كل العواقب الإقليمية التي ستترتب على ذلك، وخاصة بالنسبة لليبيا، وأوضح لومباردي أن " ديبي تشاد هو "الجدار" الذي يمنع تطور الإسلاموية والنفوذ التركي في أفريقيا". السيسي دعم ديبي ضد المعارضة وقال محفوظ "على الرغم من أن نظام ديبي قمعي ويشتبه في فساده، إلا أنه ظل إيجابيا وشن حربا مكثفة ونزيهة ضد الإرهاب وتؤيد مصر ذلك بقوة حتى ترى المعارضة التشادية أن القاهرة عملت سرا لفترة طويلة لدعم الرئيس ديبي في حربه ضد المعارضة". وأضاف أن "مصلحة مصر هي بقاء نظام ديبي المناهض للتطرف، من خلال دعم ابنه ومجلسه العسكري، ثم تسليم السلطة إلى قيادة معتدلة". ولهذا السبب لم يستبعد محفوظ إمكانية قيام مصر بخطوة وراء الكواليس من خلال عقد اجتماعات أو إجراء اتصالات سريعة مع المسؤولين هناك أو إرسال وفود رسمية غير معلنة لتقديم الدعم والمشورة للمجلس العسكري التشادي، كما ستعزز مصر الأمن على حدودها الجنوبية الغربية. وقال محفوظ: "إذا نجح مقاتلو جبهة التغيير والوفاق في تشاد في الوصول إلى السلطة أو إذا استمر القتال السياسي هناك، فإن مصر ستعاني مرة أخرى من الجبهة الليبية الجنوبية الجامحة، وستواجه تشاد عقبة في أي تحالف إفريقي يدعم مصر في قضية [السد]". وقال لومباردي إن " جبهة التغيير والوفاق " مدعومة إلى حد كبير من تركيا وتمولها قطر بهدف طرد فرنسا من وسط الساحل. "بعد وفاة والده، منح ابن ديبي نفسه كامل الصلاحيات. للوهلة الأولى، سيواصل سياسة والده، وبالتالي فإن حلفاءه في القاهرة سيواصلون على الأرجح التعاون مع نجامينا". وتابع لومباردي قائلا: "من الواضح أنه سيتم تعزيز التعاون التشادي المصري، لا سيما في مجال الاستخبارات وربما على المستوى التكتيكي، ربما مع هجمات على القواعد اللوجستية للمتمردين التشاديين في الأراضي الليبية من قبل القوات العسكرية [القائد العسكري الشرقي الليبي خليفة] حفتر [المتحالف] مع القاهرة والقوات الخاصة المصرية". تعزيز التعاون الاقتصادي وقال محمد سليمان، وهو أحد كبار المساهمين في شركة "مكلارتي أسوشيتس"، الاستشارية التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، ل"المونيتور": "إن قرب تشاد من كل من مصر وليبيا يجعل القاهرة قلقة للغاية إزاء عدم الاستقرار في تشاد الذي من شأنه أن يتسبب في تدفق الأسلحة والإرهابيين إلى ليبيا والسودان". وفقا لتصريحه. وأضاف أن "تشاد جزء لا يتجزأ من رؤية مصر الإقليمية لمكافحة الإرهاب العابر للحدود الوطنية في منطقة الساحل وبالإضافة إلى الأمن، ترغب القاهرة في زيادة التعاون الاقتصادي مع تشاد من خلال إنشاء طريق بري يربط مصر مع ليبيا بالسودان لفتح الباب أمام تدفق التجارة والخدمات". وتابع قائلا: "في الواقع، يمكن أن يعزى الوجود المتزايد لمصر في تشاد جزئيا إلى جهود القاهرة لمواجهة نفوذ تركيا في القرن الإفريقي والساحل وغرب إفريقيا". وقال إنه من المحتمل أن تواصل القاهرة مراقبة الوضع فى تشاد وتعديل سياستها حسب الحاجة .