يوم بكى فيه كل شرفاء الوطن، وبكت فيه الثورة التي تحلم بها مصر.. لحظة استشهاد الشيخ عماد عفت بعد اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن والجيش وبين المعتصمين في محيط مجلس الوزراء.. تحل اليوم الذكرى السنوية على العالم والفقيه الفاضل الذى كان دائما يسعى للصلح بين الناس، وقلبه الذي كان يحمل الحب لكل من حوله كان كفيلا بأن يتلقى رصاصة توقف دقاته، التى طالما كرسها لدينه وأسرته، ولكل من سعى للتعمق في بحر الإيمان والعلم. التقته في الحلم.. واستيقظت وهى تنادي باسمه، كالتي جاءها هاتف بالمنام، بعد أن تمنت أن تتعمق في علوم القرآن والسنة، قررت الذهاب إلى الأزهر لتتعلم على يد شيخ الأزهر على جمعة، ولكن لم تكن الظروف حليفتها لم تجد في تلامذة الشيخ جمعة المراد، ولكن ذلك الحلم هداها للشيخ عماد عفت الذي تاه وسط الزحام بسبب بعده عن الأضواء والشهرة، وافق الشيخ الجليل على أن تتلمذ "نشوى عبد التواب" على يده بعد أن عللت أسبابها التى تتعلق بمدى حبها لتصل للحكمة، وأن تكون كلماتها موزونة، جاء الموعد وذهبت لرؤية عالم رسمت صورته في خيالها بشرط أن يكون متزوجا حتى لا تفتن به، وأن يكون كبير السن والمقام، لكن المنظر كان عكس ما توقعته، شيخ هزيل البنية ملامحه تحمل الصفاء لباسه الأزهرى يضفي عليه لمسة وقار، بهرها بأسلوبه السلس في الحوار فأصبحت تجلس بين زملائها مرددة "أنا عرفت أنا هتجوز مين في الآخرة.. هتجوز الشيخ عماد"، أحاديث مطولة حتى أصبحت التلميذه النجيبة قرة عين أستاذها، الذي راسلها عبر البريد الإلكترونى بأبيات من الشعر أنهاها بطلب يدها للزواج، رغم علمه برفضها لفكرة التعددية، لأنه كان وقد سبق له الزواج مرتين.. الأولى مازالت على ذمته والثانية انفصل عنها. ما يميز الشيخ أنه كان صريحا منذ البداية نحو مبدأ التعدد، رفضته الفتاة.. وبعد صراع مع الحب طال عامين قررت السفر لإحدى الدول الأجنبية لتغيير المكان الذي امتلأت أركانه بصورة الشيخ والمثل الأعلى، الذي اخترق قلبها منذ الوهلة الأولى، لم تستطع الفتاه الثلاثينية تخيل حياتها بعيدا عنه، اتصلت به ولم تنطق سوى ب "أنا موافقة".. انتظرها الشيخ عماد على بوابة المطار وابتسامتة تملأ ملامح وجهه قائلاً "كان لازم تسافرى عشان توافقي على الجواز".. زواج دام ثلاثة سنوات لم تشعر خلالها نشوى، الصحفية بجريدة الأهرام، بفكرة الزوجة الثانية، فتتذكر أحد مواقف الشيخ عماد وموقفه كزوج يحنو على آل بيته "كانت هدية جوازنا عمرة، عشان يريح قلبى من فكرة إني زوجة تانية". "الشيخ عماد عمره ما اتحب يتحط بين قوسين، أو ينحصر في مفهوم الشيخ"، كان مهندسا في بداية حياته، وكان محبا لكرة القدم، لكن لم يكن على يقين أنها مستقبله، فتركها لعل الله يعوضه خيرا منها، وفي فترة الجامعه بدأ ملامح التيار السلفي الشديد تظهر عليه، فأصبح يقسو على نفسه "كان ممكن يفضل يصلي كل فرض في ساعتين"، روايات تحكيها الزوجة عن ذكريات زوجها التى طالما أحب أن يقصها عليها، لكن هذا التشدد لم يجد أنه الإيمان الحق، فقرر أن يترك الهندسة بعد أن استمر ثلاثة سنوات في دراستها، ويترك المذهب السلفى ويهتدي لدراسة اللغة العربية بداخل الأزهر الشريف حبا منه في لغة القرآن الكريم، سعى ليحصل على الماجستير، ولكن الله لم يكن يعينه على تلك الفكرة ففشل فى الحصول عليه، وكأن القدر يمهد له أن يكون عالما وباحثا بعيدا عن الشهرة والفخر برتبته العلمية، لم يكن لباس الأزهر يستهويه كباقي العلماء بل كان بمجرد أن ينهي درسه في الأزهر يخلع الثوب ويسير فى الشارع متجها لبيته دون صفة تفرضها عليه هيئته الأزهرية، وعندما كانت تستنكر الزوجة مثل هذا التصرف يجيبها فى رقة وهدوء "لباس الأزهر.. ملبس الشهرة" لم يكن يريد أن يشعر بالفخر فتصيبه نزعة الجنون بمنصبه الجليل.. كان متواضعا في تحركاته.. يحب أن يرتدي ملابس عادية، تستكمل الزوجة ذكريات زوجها الإنسان الذي كان يعشق الاستمتاع بأوقاته "كان لما يلعب كورة كان ميخرجش برا الملعب، كان يقضي الساعتين مستمتع بفعل اللعب، كان بيدي كل حاجه وقتها". وقته كان مقسم بين الدرس والعمل، لم يكن يهدأ ولكن مع ذلك لم يكن ينسى أسرته وأطفاله الأربعة، كان دائم الحرص على تخصيص ساعات ولو بسيطة للاستمتاع مع أطفاله "كان دايما بيخدهم الجناين ويلعب معاهم .. كان يحضنهم ويضمهم لقلبه .. كان أب مختلف عاقل وحكيم"، الزوجة تبتسم عندما تتذكر لحظة إخباره بحملها في صبي، لم يتمالك نفسه من الفرحة فسجد شكراً لمدة دقيقتين حتى أن أثار القلق في قلب زوجته من أن يكون أصابه مكروه، فرحة عارمة لحقت بالزوجة التى فاجأها طبيبها أن طفلها يستطيع أن يميز كل الأصوات من حوله، فذهبت مداعبة زوجها "أنا عاوزاك تقرأ له حاجه يسمع صوتك فيها"، طمأنها الزوج وختم له القرآن بصوته طوال الأربعة أشهر الأخيرة قبل ولادته، إضافة إلى كتاب "سر أعلام النبلاء"، الذي يختص بالسيرة والصحابة والتابعين، رسالة من الأب لابنه "إبراهيم"، الذي كان حريصا أن يكمل منهج الرسول، لحظة رحيله تركت في نفس طفله الأول محمود حالة اكتئاب سيطرت عليه إلى الآن .. يستيقظ من نومه.. يصرخ ألما على فراق والده. سجدة شكر.. وداع الزوجة لزوجها كما اعتاد دائم أن يفعل، من داخل المشرحة لحظة تلقيه رصاصا، لم تصل الدولة حتى الآن إلى مصوبه، "عماد فضل في الصفوف الأولى واقف مش بيتحرك وكأنه كان عارف مين اللى بيضربه".. شرائط البث المباشر التى تحصلت عليها الزوجة بعد وفاته مباشرة، شاهدت زوجها من أمام مجلس الوزراء واقفاً بشموخ إلى أن أصابته الطلقة الثانية.. الرصاصة التى اخترقت قلبه لم تخترق إيمانه الشديد الذي تميز به وسط تلاميذه في الأزهر الشريف، تنهى الزوجة المكلومة حديثها قائلة "سنة مرت وكأنها عادية .. رصاصة قتلت شيخ وقضت على تاريخ .. ورصاصة قتلت شاب وقضت على مستقبل"، لم يأت القصاص العادل حتى الآن لأسرة مكونة من 4 أطفال وزوجتين يسعون لمعرفة قاتل الأمل الذي كان ينير حياتهم.. توجه الزوجة رسالة نهائية "حسبي الله ونعم في اللى حرمني من زوجي .. بس أن هاعيش علشان أجيب حقه". أخبار متعلقة: عام على أحداث "مجلس الوزراء".. في ذكرى شيخ وطبيب ومناضلات ضحوا في سبيل رحيل "العسكر" علاء عبد الهادي الذي قال مازحا "عمر المختار وجيفارا وأنا من أبطال التاريخ" فحقق له "العسكر" أمنيته والدة الشهيد علاء عبدالهادي: ولا أي فلوس ممكن تعوض أي أم عن ضناها.. علاء كان سندي بعد عام على استشهاد نجلها.. والدة محمد مصطفى للرئيس: فين وعدك ليا يا دكتور مرسي غادة كمال إحدى ضحايا "السحل" في "مجلس الوزراء": رغم الألم والإهانة ماعرفوش يكسروني