تعالوا نشوف الاحتمالات، إما نصل إلى حل وسط أو يصر كل طرف على موقفه.. فى الحالة الأولى، بالتأكيد سوف يكسب الجميع، ولكنها لن تتحقق إلا إذا انطلق الجميع من نفس الأرضية، وهى مصلحة مصر وليس العناد. فلنفرض أن الرئيس قام بتعديل جزئى فى موقفه وامتثل إلى شروط المشروعية فى إعداد وإصدار قراراته، بحيث تخلى تماماً عن فكرة التحصين والإجراءات الاستثنائية ودفع عن نفسه شبهة السعى إلى الاستحواذ ومن ثم الاستبداد واقترب من حكمة العدالة التى عبّرت عنها مواقف القضاة، فبالتأكيد سوف تزداد أرضيته السياسية بما يتعدى حدود مؤيديه من التنظيم والأحزاب والتيارات الموالية للإخوان. ولا يعنى ذلك رضوخاً بل هو عودة للصواب، لأن موقف القضاة لا يحتمل حلاً وسطاً، فإما يسحب الرئيس هذا القرار ويعود إلى المشروعية وسيادة القانون أو يصر على مخاطبة القضاة والمجتمع من منصة الاستفراد بالسلطة. ومن الناحية الأخرى فإن القوى «المدنية» قد تقبل وفقاً لهذا السيناريو تخفيض المطالب، والعودة إلى الحوار، ونقل هذا الحوار من الشارع إلى الموائد المستديرة، فلا تكون قد نكثت بوعدها وإنما عادت إلى صوابها. يبقى الطرف الصعب فى تحقيق هذا السيناريو الأول، وهو تنظيم الإخوان، فماذا ستقرر قياداته؟ وكيف تحتوى الموقف الراهن ليصبح خلافاً سياسياً ولا يترسخ كأزمة ثقة، يصعب حلها لحقب كثيرة قادمة، وانظروا إلى العراق، أو لا قدر الله إلى السودان! أما السيناريو الثانى فهو إصرار الأطراف على مواقفهم، وتعالوا نرى من الخاسر ومن الفائز. القضاة لن يخسروا شيئاً، لأن موقفهم مشروع، ونزيه، ولأنهم -مهما شتمهم البعض- محل احترام فى الداخل والخارج وحتى التعويل على تذمر الغلابة من توقف المحاكم سيمكن احتواؤه، بل وحتى إذا عاد بعض القضاة، أو حتى أغلبهم إلى المحاكم فلن يغير هذا فى الخصومة بينهم وبين رئاسة الدولة ما لم تعدل الرئاسة عن تغولها على استقلال القضاء، أكثر من هذا لو قام بعض القضاة بالإشراف على استفتاء أو انتخابات ستظل الخصومة قائمة، وسيزيد الشك المتبادل بين القضاء والرئيس، بما لن يرضى عنه أحد، ولن يتغاضى عنه أحد. أما القوى السياسية، فماذا قد تخسر إذا أصرت على موقفها؟ هل ينقلب عليها الشارع؟ أو يتململ منها الرأى العام؟ أو تنقسم فيما بينها فيذهب بعضها للمساومة خلسة؟ أو يتمرد عليها أعضاؤها وأنصارها؟ أو يتخلى عنها الإعلام؟.. لا أظن ذلك، وبالتالى فالأرجح أن تستمر خصومة كل هؤلاء مع الرئيس إذا لم يصلوا إلى حل وسط.. ونحن نتحدث عن أغلب أو أهم رموز وشخصيات سياسية وعامة، ووراء كل منها مؤيدون وأنصار، وهم لم يجتمعوا مطلقاً من قبل، لا قبل الثورة، ولا أثناءها ولا بعدها، إلا فى مواجهة هذا الإعدام الدستورى الأخير.. فلأول مرة يجتمعون ويتفقون ويصدرون موقفاً مشتركاً، فهل سيخاف هؤلاء من مظاهرة إخوانية أو تهديدات سلفية أو حملة ضدهم فى التليفزيون المصرى وفضائيات أخرى؟ بل، لو نجح الرئيس فى كسر هؤلاء جميعاً، فهل هذا أمر جيد لمصر، وللسياسة وللديمقراطية فى مصر؟ إذن، فى السيناريو الثانى عناد من كل الأطراف، لكن الرئيس هو الذى سيعانى أكثر، لأنه الذى أوجد المأزق، فهل يستطيع الرئيس إدارة دولة بلا قضاء، وبلا أحزاب، وبلا نقابات، وبلا معارضة، وبلا قبول إعلامى.. وفقط استناداً إلى حشود الإخوان من الريف إلى المدينة؟ هل يستطيع القادمون فى أتوبيسات من الأقاليم للعاصمة أن يقودوا الاقتصاد والبحث العلمى والسياسة والثقافة والإدارة والحكومة والقضاء؟.. ممكن فى حالة واحدة فقط: إذا أراد الرئيس أن يترك القاهرة تتحول إلى قرية أو كفر!!