سمع صوت أنينها المكتوم رغم توحش المرض، الوجع يدب في عروقه هو الآخر و يتغمد روحه متسللا لجسده الواهن، لكن حسها المتوجع منحه قوة بدنية مضاعفة لينهض من مكانه متحملا آلامه ليستطلع أحوالها، يهرع إليها فيمد يده و يسندها، تتكئ عليه بدلال مثلما اعتادت كل مرة، وفي قلبهما دعاء "يارب اشفينا بقدر الحب اللي جوانا". عم "خميس محمد" حالته الصحية تجلب له نظرات الشفقة، إلا أنه يعد نفسه من المحظوظين، فلديه زوجة تمده بالطاقة تجعله يتغلب على عثرات المرض دون أن يشعر، "حميدة زوجتي من 30 سنة، عايشة معايا على الحلوة والمرة، لدرجة إنها بتكتم وجعها علشان ما اتألمش معاها"، الزوجة ارتضت ب"عم خميس" شريكا لحياة تساندا سويا للعيش بيومية 25 قرشا وقتئذ، "كنا عايشين وراضيين لحد ما زارنا المرض اللي ما بيرحمش"، عش الزوجية لم يتغير، نفس الغرفة المتواضعة التي شهدت حياتهما معا، العشرة التي أفضت لمودة وذكريات مؤلمة، وابنه وحيده وميراث طويل من الأوجاع. داخل محل بيع الكيماويات بمنطقة الفلكي بالإسكندرية، استأجره أهل الخير لعم "خميس" ليعينه على نفقات العلاج، تقتحم الزوجة وحدته، حاملة أواني الطعام على كفيها رغم ثقلها، تربت على كتفيه، تحثه على مراعاة صحته، "محدش باقي لي في الدنيا غيرها بعد ما اطلقت بنتي وسابت البيت من زمان"، أمراض متباينة لم تكتب النهاية لقصة حياة زوجية جمعتهما، "عندي القلب وفيروس سي، وحميدة عندها حصوة في الكبد ومرارة وسكر، ربنا الشافي". 300 جنيه معاش التضامن الاجتماعي، مبلغ لم يكن ليعين الزوج على تحمل نفقات العلاج الباهظة، لولا وجود الزوجة "حميدة" بجواره، "كانت بتشتغل خياطة علشان تساعدني، لغاية ما هاجمها المرض وتوقفت عن العمل"، يثابر هو على العمل باعتباره رب الأسرة، " بنتعالج مع بعض في مستشفى الإسكندرية العام، وأهل الخير يساعدوني علشان أعرف أكمل حياتي".