الحال أعوج.. حدثت ثورة قبل ما يقرب من عامين. لكن بنية النظام القديم ما تزال حية. وهذا سبب يجعل حالنا أعوج. فمع أن الرئيس جديد وواحد من أبناء الثورة ويحاول أن يحقق أهدافها، فإن جماعته القديمة ما زال فيها من يعيش بعقلية التنظيم لا بعقلية الدولة الجديدة. وهذا يجهده.. كما أن الإدارة ورجال الأعمال والصحفيين ورجال الأمن ورجال القضاء والسياسيين فيهم عديدون ما زالوا يعيشون على قديمه. وهذا سبب آخر يجعل حالنا معوجاً. لكن هناك سبباً أهم للعوج يتحمله الثوار والقوى السياسية الجديدة التى تشكلت بعد الثورة؛ فقد أطاحوا بمبارك لكنهم تعجّلوا فبدأوا يطيحون ببعضهم قبل أن يهدموا بنية نظامه. أسقطوا الفرعون ثم بدأوا يتفرعنون على بعضهم. والأمر مؤلم للمصريين فى الخارج والداخل. وإذا كنت أعيش خارج مصر، فإننى دائم التردد عليها؛ فهى الوطن والعشق وموضوع المتابعة اليومى ومكان الدفن الذى أوصيت به إن لم أعد لأعمل فيها وأموت على أرضها. وفى كل مرة أعود إليها أجد نفسى أمام ملاحظات وآهات جديدة. وكم أحزننى قبل بضعة أيام أن أرى من كانوا يتلقفون بعضهم بالأحضان خلال أيام التحرير الثمانية عشر وهم يكنّون مشاعر مختلفة تجاه بعضهم أقل ما يقال عنها إنها بغيضة، تحولنا للأسف من الاصطفاف مع بعضنا إلى الاصطفاف ضد بعضنا، مع أن المهمة التى خرج لها الجميع لم تنجز إلى الآن. بات البعض يقسو بشدة على الرئيس مرسى لمجرد أنه إخوانى. وبدلاً من أن يقفوا معه حتى تكتمل المهمة رأينا قوى ثورية، وطنية بلا شك ومخلصة بلا جدال، تسارع لتقف ضده مع أن الرجل فى أمس الحاجة إليها لكى يواصل عملية التطهير وإزالة الأنقاض. أضف إلى ذلك أن القوى السياسية راحت تقسم نفسها إلى تيار مدنى وآخر دينى. وتلك فى حد ذاتها مصيبة ودليل على تفاقم الاعوجاج. وبعد أن كانت ثنائية الدينى والمدنى حبيسة مقالات رأى حادة ومناوشات بين أعضاء اللجنة التأسيسية للدستور ومجادلات بين ضيوف البرامج الحوارية جاءت أحداث الجمعة الماضى لتنقلها إلى الشارع. وقعت أحداث مؤسفة تعبر عن اعوجاج بشع. وكم هو صعب أن نرى دماء سبق وامتزجت ببعضها ضد فساد حكم مبارك وهى تنزف متفرقة لأن أصحابها يواجهون بعضهم بحجة أن هذا مدنى وذاك إسلامى. بلغ الاعوجاج حداً مقلقاً حتى داخل التيار السياسى الواحد. لم أسمع فى زيارتى الأخيرة إدانة من إسلامى لليبرالى أو من يسارى لدينى أو من سلفى لمدنى أو بين كل تلك التقسيمات الرديئة والسقيمة، وإنما سمعت انتقادات كانت جارحة أحياناً حتى من الليبرالى لليبرالى ومن الإسلامى للإسلامى ومن اليسارى لليسارى. ويا للهول.. اشتباكات بين التيارات واشتباكات داخل كل تيار وكأننا نعيش صراع الجميع ضد الجميع. والحال بهذا الشكل خطير يدعو الكل لأن يستقيم. مطلوب من رئيس الجمهورية أن ينتقد الإخوان علناً لأن لهم أخطاء واضحة حتى يثبت أنه يتعامل بمنهج مستقيم مع كل المصريين. ومطلوب من القوى السياسية وأبواق الإعلام المنفرة التى تعارضه «فى الطالعة والنازلة» أن تتقى الله وتستقيم ليستقيم الحال معها. ومطلوب من النخب أن تتصرف بالفعل كنخب وليس كغوغاء. فلا أعرف سر ذلك الانتفاخ الذى أصاب كثيراً ممن يكتبون ويطلون على الشاشات أو يديرون الأحزاب واللجان والجماعات. فلا يمكن أن يكون ما لديهم من انتفاخ علامة على الاستقامة وإنما هو دليل قاطع على الاعوجاج. وكم عجيب أن نسمع من يؤكد أنه يحب الوطن ثم يأتى بتصرفات تظهر أنه لا يحب مواطنيه. حب الوطن يظل ناقصاً ما لم يحب مواطنوه بعضهم. الوطن فى خطر فاتقوا الله واستقيموا يرحكم الله.