المشاهد والمتابع الان للمشهد السياسي في مصر ، منذ قيام الثورة ، وحتى انتخاب الرئيس المدني الأول في تاريخ مصر والمصريين . يصاب بالدهشة ، إن لم يصب بالاحباط . المشهد العام يشي بحالة من الارتباك والتخبط التي تصل الى درجة الفوضى العارمة ، التي اختلط فيها الحابل بالنابل .. والزاعق بالصامت .. واختلط فيها الماء بالزيت في محرك عربة الثورة التي أخشى أن تكون قد ضلت طريقها الى خط النهاية . يبدو الامر وأن المصريين قد تعود البعض منهم على حياة الازدواجية ، التي جعلت من المدرس سائقا على تاكسي بعد الظهر ، وجعلت استاذ الجامعة ، مدرسا خصوصيا في اوقات الفراغ ، والمحاسب في شركة ، كاشيير في طابونة عيش والطبيب يلجأ للعمل في مغسلة للملابس والسجاجيد ..!! هذه الحياة المزدوجة التي صبغت حياة الكثير من المصريين ، وقد أغرى البعض منهم ما تكسبه هؤلاء من هذه الازدواجية ، فهو يحب زوجته ، ومن ثم يذهب ليتزوج عليها ، يختلس أموال الشركة ، ثم يذهب لأداء مناسك العمرة .. ويستولي على أموال الجمعية الخيرية ليذهب إلى جبل عرفات يطلب الرحمة والمغفرة .. هكذا بدا لي بعض المصرين هداهم الله وقد تعاملوا مع المشهد السياسي على النحو التالي .. ومصر تمر بأدق مراحل حياتها المعاصرة .. المجلس العسكري .. وجد نفسه على المسرح السياسي .. فعمل بالسياسة ،وهو لا يجيدها وهو ليس مؤهلا للعب هذا الدور ، رجال القانون ايضا لعبوا سياسة ، ولاعبو الكرة عملوا بالسياسة ، بياع البطاطا في ميدان التحرير .. " بيشوي السياسة على نار البطاطا " رجال الجامعات ايضا عملوا بالسياسة .. وهلم جرا من اللاعبين الجدد على مسرح السياسة ، لدرجة ان الساسة حين بحثوا عن مقاعدهم وجدوها وقد امتلأت بالمشاهدين على مسرح السياسة ..فاضطر البعض منهم للجلوس في مقاعد المتفرجين يتلقون الضرب بالكراسي واكسسوار المسرح . وياريت من صعد على المسرح السياسي اتقن أداء دوره .. بل كانوا جميعا يرتجلون أدوارهم . ومن ثم خرج الجميع عن النص .. لانه ببساطه شديدة ، كان النص المكتوب رديئا .. وضعيفا .. وشريرا في كثير من الاحيان . والأدهى من ذلك أن من خرج في ميادين التحرير .. وقد وجدوا أن اتحادهم كان قوة .. بدأوا يرددون .. ايد واحدة .. هذا الشعار الذي كان شمعة الخلاص من كل الخلافات والاختلافات .. ولذا نجحت الثورة في اطلاق عربة الثورة من محطة قيام واحدة ، وركب فيها الجميع .. وحين لاحت في الافق بوادر النجاح .. افلتت الكثير من الايادي مما قابلها من أياد أخرى .. وظهرت دعوات الاصطفاف .. التي تعني وقوف الاشكال والاشياء المتماثلة في صف واحد ، وعلى الاخرين ممن يخالفونهم الاصطفاف في صفوف اخرى .. فظهرت الصفوف الاسلامية ، والصفوف الليبرالية واليسارية والانكارية ، والانكشارية ، والماسونية والشيعية والسنية والمباركية , والفلول ، وانصار اسفين ياريس .. وتشتت المصريون الى قبائل وجماعات .. وأدى الاصطفاف الى استقطاب ، والاستقطاب أدى الى اقصاء بعضنا البعض .. وتحصن البعض وراء مقولاته ، وشعاراته ، وخلافاته .. ونسوا أن بلدا كمصر .. يحترق .. وتقطع اوصال اقتصاده ، وبات الوطن كله في خطر .. ولعلي أرى حالة الاصطفاف التي نتجت عن الاختلاف وهذا امر طبيعي ، لكن ما أنكره وأعتقد ينكره كل مصري حر يحب بلده ، هو الاختلاف الناشئ عن كراهية ، وعن بغض ، وعن عنف وازدراء .. وهو الامر الذي سوف ينتج فتنة سوف تقضي على الاخضر واليابس في مصرنا الحبيبة . وهي ذات الفتنة التي حدثت في موقعة كربلاء .. حيث الفتنة الكبرى التي خلفت وراءها اثارا مانزال نعاني منها نحن المسلمين حتى اليوم . ولعلي استطيع أن أناشد الجميع .. أن عودوا إلى مقاعدكم .. عودوا إلى أماكنكم .. وليعمل كل منا عمله ، وليتقنه .. وليدع الاخرون يعملون عملهم .. العسكري .. في الميدان وعلى الحدود ، ولا يصدر لنا تشريعا أو قانونا والمدني مدني ، ورجل القانون في مكانه أو بقاعات المحاكم ، ولا يتعاطى احكاما سياسية في باطنها ، قانونية ودستورية في ظاهرها والطبيب في عيادته ..ولا يعمل بتجارة الاعضاء .. وغير ذلك كثير .. فالجميع يتكلم في نفس واحدة .. ولا فرصة لان يسمع البعض بعضه ، ولا يفهم البعض مايقوله الاخر .. فالوطن في محنة ... والسبب " احنا " ولا أحد غيرنا .. وبدلا من أن يكون " حب الوطن فرض علي " جعلنا حب الوطن أغان وأناشيد من نوعية " اخترناك " وسبوبة جعلت مخرجا مبدعا احترمه واحترم فنه .. راح يجادل واحدا من اساطين القضاء المصري في دستورية افعال الرئيس .. وقرارات المجلس العسكري .. وأحكام المحكمة الدستورية العليا .. لدرجة خشيت معها أن يكفر الفنان .. المستشار القانوني والعياذ بالله .. ذكرتني بحكاية القرد الذي أراد أن يفعل أفعال الاسود ، فراح يجالس الاسد في محبسه .. فما كان من الأسود إلا أن جعلوه جلدا دون عضم أو احشاء .. وينطبق عليه المثل المصري " اللي يخرج من داره يتقل مقداره " .. ومن ثم أدعو كل المصريين واحذرهم من فتنة الاستقواء والاستقطاب والاقصاء .. والاصطفاف وراء اي شعار او نداء .. او أي فصيل سياسي .. فالاصطفاف الوحيد المسموح به في هذه المرحلة الدقيقة من حياة مصر .. هو أن نصطف جميعا وراء العلم المصري .. دون غيره من الاعلام والرايات .. والدعوات والعقائد والايديولوجيات .. والله من وراء القصد . [email protected]