تشهد العلاقات الأمريكية‐الإيرانية في مطلع 2026 تطورًا كبيرًا يجمع بين تصعيد عسكري أمريكي تقوده إدارة ترامب وسياسة "الضغط الأقصى"، وبين حراك دبلوماسي إقليمي مكثف تسعى من خلاله مصر ودول الخليج وتركيا لاحتواء احتمالات المواجهة وفتح نافذة تفاوض جديدة على الملف النووي والأمن الإقليمي. في هذا السياق برزت مصر كوسيط مقبول إقليميًا ودوليًا، مستندة إلى رصيد معتبر في إدارة أزمات المنطقة ووساطاتها، في وقت تحاول فيه دول الخليج إعادة صياغة علاقتها بسياسة ترامب تجاه إيران بما يخفف المخاطر الأمنية عليها دون التفريط في شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن. مقاربة ترامب تجاه إيران تقوم مقاربة ترامب الراهنة على الجمع بين حشد عسكري ضاغط وانفتاح تفاوضي مشروط، بهدف دفع إيران إلى "خضوع استراتيجي" يعيد صياغة برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي. بعد الضربات التي استهدفت منشآت نووية ومنظومات صاروخية إيرانية في يونيو 2025، حيث واصلت الإدارة الأمريكية تعزيز وجودها العسكري في الخليج، متحدثة عن "أسطول ضخم" و"خيارات جاهزة" لضربات إضافية إذا لم تستجب طهران. ترافق التصعيد العسكري مع إعلان ترامب تفضيله "صفقة عادلة تضمن عدم امتلاك إيران لسلاح نووي"، ويؤكد عبر مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف استعداد واشنطن للاجتماع والتفاوض على اتفاق جديد، ما يعكس توظيف التهديد العسكري كأداة تفاوض وليس كخيار حتمي للحرب. في المقابل، يصر الخطاب الأمريكي على توسيع جدول أعمال أي مفاوضات لتشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، وهي شروط ما زالت إيران ترفضها علنًا، وإن كانت تقبل ببحث ترتيبات نووية مشددة في إطار تفاوضي أوسع. استجابات إيران وحساباتها الداخلية تتعامل إيران مع هذه المقاربة من موقع "جرح لم يلتئم" بعد الضربات السابقة، وحساسية داخلية تجاه أي تنازلات قد تقرأ كاستسلام. ففي حين أبدت طهران استعدادها ل"محادثات عادلة" حول الملف النووي، لكنها ترفض التفاوض "تحت ظل التهديد"، وتبقي على خطاب الرد القاسي على أي ضربة أمريكية، بما في ذلك استهداف مصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة. في ذات السياق، تنخرط القيادة الإيرانية في قنوات اتصال عبر وسطاء إقليميين، وتقر – وفق تسريبات رسمية – بأن "إطارًا منظمًا للتفاوض" بدأ يتشكل، في إشارة إلى إدراكها لمحدودية قدرتها على تحمل مواجهة عسكرية واسعة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية واحتجاجات كثيفة. بهذا، يحاول نظام الملالي الموازنة بين الحفاظ على "تماسك" الداخل ومقاومة الضغوط الأمريكية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. المواقف الخليجية بين الشراكة مع واشنطن والخشية من الحرب تشترك دول الخليج في إدراك أن أي ضربة أمريكية واسعة لإيران ستجعلها الهدف الأول للرد، بالنظر إلى قربها الجغرافي، ووجود قواعد أمريكية على أراضيها، واعتماد الاقتصاد العالمي على صادراتها من الطاقة. لهذا تتحرك العواصم الخليجية على خط دبلوماسي كثيف مع واشنطنوطهران. السعودية على سبيل المثال أرسلت رسالة واضحة برفض استخدامها كمنصة لعمل عسكري ضد إيران، مؤكدة في اتصالات رفيعة المستوى أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لشن ضربات، في محاولة لفصل شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن عن خيار الحرب المباشرة. في المقابل تنشط قطر وعُمان في دور "القنوات الهادئة"، إذ تكثفان الاتصالات مع القيادة الإيرانية ومع المسؤولين الأمريكيين، ما يضع الخليج في موقع "الضامن الأمني" الذي يحاول ضبط سياسة ترامب ودفعه للتفاوض. وساطة مصرية وازنة برزت مصر خلال الأسابيع الأخيرة كفاعل محوري في جهود الوساطة، مستندة إلى ثلاثة عناصر: موقعها الجغرافي‐السياسي، ورصيدها في إدارة أزمات الإقليم (من غزة إلى المصالحة الفلسطينية‐الفلسطينية)، وصورتها كشريك يمكن أن يتعامل معه كل من واشنطنوطهران دون حساسية مفرطة. عبر الرئيس عبد الفتاح السيسي في اتصالاته مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن "قلق عميق" من تدهور الأوضاع، ورفض صريح للحلول العسكرية، مؤكدًا أن الدبلوماسية هي "الطريق الوحيد والأمثل" لمعالجة الأزمة النووية. كما أوضح أن القاهرة تبذل "جهودًا مكثفة" لدفع الولاياتالمتحدةوإيران إلى استئناف التفاوض، وأنها معنية بتسوية شاملة تحافظ على استقرار الإقليم وتحمي المصالح المصرية، بما في ذلك أمن قناة السويس وحركة التجارة والطاقة. سبق أن لعبت مصر دورًا في تسهيل تفاهم بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لاستئناف التفتيش في سبتمبر الماضي، ما يؤسس دورها كوسيط مهني قادر على تحويل المبادرات السياسية إلى ترتيبات فنية عملية. واليوم تنخرط القاهرة في تنسيق ثلاثي مع تركياوقطر لتنظيم لقاء بين المبعوث الأمريكي ويتكوف ومسؤولين إيرانيين في أنقرة، في تطور يعكس ثقة الأطراف في قدرة مصر على إدارة ملفات معقدة بسرية وانضباط. هذه العناصر مجتمعة تجعل من مصر طرفًا مقبولًا إقليميًا ودوليًا، بفضل مزيج من الوزن الديمغرافي والعسكري، وشبكة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، وخبرة متراكمة في الوساطة في أزمات المنطقة، ما يمنح وساطتها الحالية قدرًا معتبرًا من المصداقية والفاعلية. آفاق المسار التفاوضي ومآلاته المحتملة يشير المشهد الراهن إلى تبلور محور وساطة ثلاثي (مصر–قطر–تركيا) مدعوم بغطاء خليجي يسعى لتحويل حافة الهاوية العسكرية إلى منصة تفاوضية مضبوطة الإيقاع. وفق التسريبات، أبلغت إدارة ترامب طهران عبر هذه القنوات بأنها مستعدة للقاء سريع للتفاوض على اتفاق، بينما يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن "إطارًا منظمًا" للتفاوض قيد التشكل، حتى لو لم تحسم بعد تفاصيل المكان والصيغة والجدول الزمني. ارتباطًا بما سبق، يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية محتملة للأزمة: أولها مسار تهدئة تفاوضية تدريجية، يقوم على تجميد الضربات الأمريكية مقابل التزامات إيرانية فنية تتصل بتعميق التعاون مع الوكالة الدولية وتحديد سقوف واضحة للتخصيب، مع ترحيل ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي إلى مراحل لاحقة، وهو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القصير حال نجاح الوساطة المصرية‐الخليجية‐التركية في ضبط التصعيد. وثانيها مسار "صفقة كبرى" مشروطة يدفع فيها ترامب نحو اتفاق شامل يُسوق داخليًا كإنجاز استراتيجي، يدمج قيودًا مشددة على البرنامج النووي والصواريخ مع تفاهمات على أدوار إيران الإقليمية، غير أن هذا المسار يواجه عقبات داخلية في طهران وخلافات حادة حول حجم التنازلات المقبولة. أما المسار الثالث فهو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية محدودة إذا تعثرت جهود الوساطة وفشلت في إنتاج حد أدنى من التفاهم، بما قد يغري واشنطن بخيار ضربات "محسوبة" جديدة تستهدف مراكز قوة إيرانية إضافية مع محاولة احتواء الرد، وهو سيناريو تحذر منه دول الخليج ومصر بقوة نظرًا لاحتمالات تمدد الصراع إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم في مساراتها. من ثم، يتوقف ترجيح أحد هذه المسارات على قدرة الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، لتعظيم كلفة الحرب وتقليل كلفة التسوية لدى صانع القرار الأمريكي والإيراني في آن واحد، وعلى استعداد واشنطنوطهران للاعتراف المتبادل بحد أدنى من المصالح الأمنية للطرف الآخر. * باحثة في الشؤون السياسية والإعلامية