8 يناير 2026.. الدولار يتراجع 10 قروش في بداية التعاملات.. ويسجل 47.25 جنيه    8 يناير 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور للجملة اليوم    جامعة القاهرة: انطلاق معسكر بناة المستقبل    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    محافظ قنا: استكمال أعمال رصف الطريق الصحراوي الغربي لرفع كفاءة الطرق    ترامب: الإشراف الأمريكي على فنزويلا قد يستمر لسنوات    محمد عبدالجليل يكشف مفاتيح فوز مصر على كوت ديفوار    أمطار غزيرة ونشاط رياح قوي.. الأرصاد تحذر من التقلبات الجوية غدا    إخماد حريق نشب داخل شقة سكنية في العمرانية    مصرع سائق في حادث مروع بطريق القاهرة أسيوط الغربي    فيلم كولونيا يبدأ سباق شباك التذاكر من المركز الثامن    منظومة الشكاوى الحكومية تستقبل 179 ألف استغاثة وطلب واستفسار    تفوق مذهل للميرنجي، أرقام مباريات ريال مدريد وأتلتيكو في جميع المسابقات    الهلال يلتقي الحزم للحفاظ على صدارة الدوري السعودي    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    اسعار الاسمنت اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    وزير التعليم العالي يستقبل رئيس جامعة ولفرهامبتون لبحث سبل التعاون الأكاديمي المشترك    بدء تشغيل 4 مجازر في 3 محافظات بتكلفة 129 مليون جنيه    لطلاب نظام البكالوريا.. شكل ورقة امتحانات الثانوية العامة    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    أسباب الشعور ببعض الاضطرابات بعد عمر ال 35    تفاصيل التشغيل التجريبى لمحور صلاح سالم البديل لكوبرى السيدة عائشة.. صور    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    تضامن قنا تعلن شروط وفئات مسابقة الأم المثالية لعام 2026    قبرص تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي وسط تحديات الحرب والهجرة والتوسيع    حكام مباريات يوم الجمعة في الجولة 16 لدوري الكرة النسائية    الفلبين تجلى آلافا خشية ثوران بركانى بعد زلزال عنيف    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    تحذير دولي وسحب احترازي: تفاصيل أزمة حليب الأطفال من «نستله» وتوضيح الجهات الرسمية في مصر    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    ترتيب هدافي الدوري الإنجليزي بعد مباريات الأربعاء    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    الإعلام الأمني.. شريك أساسي في حماية الوطن وبناء الوعي المجتمعي    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    ليندسي جراهام: ترامب يوافق على مشروع قانون العقوبات على روسيا    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مكتبات الأديرة.. سراديب المعرفة والتاريخ في الصحراء
نشر في الوطن يوم 15 - 08 - 2021

تزدان مصر بالحقبة القبطية وسط كل حِقَب التاريخ التى تعاقبت على أرضها، وصارت عبر العصور الكنسية ومكتباتها المنتشرة فى الأديرة صروحاً شامخة بالمعرفة وسط رمال الصحراء.
نجت تلك المكتبات من الغزاة والطامعين والعابثين على مدى قرون من الزمن، لتحفظ ذاكرة التاريخ المصرى والمسيحى بما تحتويه من مخطوطات ووثائق تأسر ألباب المتجولين داخلها والمنقِّبين فى محتوياتها، حتى يتوهم المرءُ أنه داخل سراديب للتاريخ فى الصحراء وحاويات لكنوز التراث، حرسها أصحاب الجلاليب السوداء المسمون «رهبان». وصلنا المحطة الأخيرة فى رحلتنا ب«دار النسك»، المعروفة «بوادى النطرون»، متجولين بين مكتبات الأديرة فى برارى مصر التى ضمت بين جنباتها شتى أنواع المعرفة الإنسانية، فعلى رفوفها رص إنجيل «محرم»، ووثيقة ممهورة بخاتم الرسول محمد.
صروح تضم مخطوطات نادرة وكتباً عتيقة
تواصلت رحلتنا على بساط صحراء وادى النطرون، ميزان القلوب ودار النسك، المعروفة قديماً ب«شيهيت» أو «الإسقيط»، التى تقع على الأطراف الشمالية الشرقية للصحراء الغربية بمصر، كان دليلنا داخل الدير الأثرى الراهب القبطى صاحب الاسم المستعار «الأب كيرلس»، حكَّاء بارع مسكون بحب الحكى الذى يفصح ويجلى الحقائق ويبرز العوالم، حيث أخذ يواصل السرد الذى لم يخلُ من الإفاضة، مشيراً إلى أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية توسعت فى الحفاظ على تراثها بالأديرة، وعملت على إقامة المكتبات الكبيرة لها، عملاً بزيادة حركة البحث والدراسة للرهبان.
دير «السريان» يحتوي على 2000 مخطوطة نادرة
ففى حفل كبير فى مايو 2013م، احتفل دير السريان بوادى النطرون، الذى يرجع تاريخ تأسيسه للنصف الثانى من القرن الخامس الميلادى، بافتتاح مكتبة الدير والتى تضم عدداً من المخطوطات النادرة، ضمن 2000 مخطوطة قبطية وعربية وسريانية ويونانية وإثيوبية وبعض القصاصات باللغة اليونانية، وتشكل المخطوطات العربية الأكثرية فيها، تليها المخطوطات السريانية، بينما تمثل المخطوطات الإثيوبية العدد الأقل.
وتعتبر مجموعة مخطوطات دير السريان من أقدم وأهم المخطوطات التى تمتلكها الكنيسة القبطية على الإطلاق، حيث يرجع تاريخ أقدم مخطوط بها للقرن الخامس الميلادى، وهو مجلد على رق باللغة السريانية، ويعتبر أقدم مخطوط مسيحى فى العالم كله حتى الآن، وهو نصوص للكتاب المقدس من العهد الجديد، ويرجع تاريخه لعام 459م.
مصر تمتلك ثاني أقدم إنجيل على مستوى العالم باللغة القبطية البحيرية ودير «السريان» يستعد لتسجيل مخطوطاته بطريقة «برايل»
كما يعتبر مخطوط إنجيل القديس يوحنا باللغة القبطية البحيرية وهو مجلد على رق، هو أقدم مخطوط كامل باللغة القبطية لهذا الإنجيل بحوزة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويرجع تاريخه لنهاية القرن الحادى عشر الميلادى، كما يعتبر ثانى أقدم إنجيل قبطى على مستوى العالم باللغة القبطية البحيرية، حيث إن أقدم مخطوط للإنجيل القبطى البحيرى محفوظ الآن بمكتبة برهام بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعرف ب«كيرزون كاتينا» وتاريخه 889م.
كذلك تحتفظ المكتبة بأقدم مرجع بالكنيسة القبطية لتكريس الكنائس الجديدة، وهو مجلد على رق من القرن الثانى عشر، وهو باللغة القبطية البحيرية، ويوجد أيضاً مخطوط تفسير الأناجيل باللغة العربية وهو مجلد على ورق، ويرجع تاريخه لبداية القرن الثالث عشر الميلادى.
ويوجد أيضاً بالمكتبة مخطوطات نهرين التى تضم لغتين متقابلتين فى نفس الوجه لنفس النص، مثل القبطى - عربى، ومن أمثلة ذلك مخطوط المزامير المقدسة والتسابيح التى يتلوها الرهبان المتوحدون ويرجع للقرن ال13 الميلادى، وهو من نسخ البابا غبريال الثالث، البطريرك ال77 للكنيسة، وهو مجلد على ورق، وهذه النسخة لها أهمية خاصة فهى التى اعتمد عليها معهد الدراسات القبطية فى توثيق الصلوات والتسابيح، ونشر كتاب «صلوات السواعى» المعروف ب«الأجبية»، وذلك فى الستينات من القرن الماضى. أيضاً المخطوطات التى تضم مواضيع ليتورجية، أى صلوات أو قراءات كنسية وتوجد نماذج كثيرة لذلك، أو مخطوطات بها شروحات بأكثر من لغة بهامش الصفحات مثل السريانية واليونانية والقبطية على كتابات باللغة العربية أو القبطية أو السريانية، وأيضاً مخطوطات كرشونية والمقصود بها أنها كتابة سريانية وتقرأ بالعربية وكل هذه التنوعات التى بالمخطوطات تسهم بشكل أو بآخر فى كثير من الأبحاث والدراسات اللغوية والأدبية.
وتمتلك المكتبة مجموعة رائعة من المخطوطات المزينة بالألوان والبعض منها مذهب، وذلك بفنون الزخارف النباتية والحيوانية وتزيين الحروف. كذلك فن الزخارف القبطية منها الدكة التى بأول الكتابة خاصة فى الكتب الكنسية، وفنون حرف اليوطا القبطى المضفور والمنقط والهندسى، مثال ذلك مخطوط العهد الجديد باللغة القبطية البحيرية، يرجع لبداية القرن ال13 الميلادى، وهو مجلد على ورق، وقد قام بدراسة بعضها العالم الفرنسى الأب جوليس لوروا (1903 - 1979م).
صندوق حماية الثقافة البريطاني يسهم في ترميم وفهرسة 1000 مخطوطة بالمكتبة
وقد خضعت نحو ألف مخطوطة لعملية ترميم وفهرسة عبر مؤسسه «ليفانتين» بدعم من صندوق حماية الثقافة التابع للمجلس الثقافى البريطانى.
وتبلغ المجموعة القبطية من المخطوطات أكثر من 300 مخطوطة يعود تاريخها إلى نهاية القرن ال11 حتى القرن ال19، الأهم فيهم هو أقدم إنجيل كامل باللغة القبطية للقديس يوحنا، ويتألف من 134 صفحة.
وللحفاظ على أثرية تلك المخطوطات وخاصة اللاهوتية والطقسية وإن كانت تحتوى على معلومات خاطئة من وجهة نظر الكنيسة ورهبانها فإنه يتم إرفاق ورقة بتلك المخطوطة تشير إلى الخطأ وتصحيحه.
كما تحوى المكتبة أيضاً مجموعة من المطبوعات النادرة التى ترجع لأكثر من ثلاثمائة عام مضت وحتى بداية القرن العشرين، ويزيد عددها على الألف مجلد فى شتى العلوم والمعارف، ويوجد بها أيضاً مجموعة أرشيف الدير لأكثر من 250 سنة مضت بها مكاتبات لمشاهير الكنيسة فى القرنين الماضيين.
وأشرف على هذا المشروع الراهب القمص بيجول السريانى، مسئول مكتبة الدير السابق، الذى أشار إلى أن مشروع المكتبة يعود إلى نحو 17 سنة قبل افتتاحها فى 2013م، إذ أسند إلى الأنبا متاؤس، رئيس دير السريان، مسئولية هذه المكتبة فكانت أولى الخطوات التى تمت أن استدعى بعض الخبراء فى الترميم على فترات حتى تسنى لهم تأسيس مؤسسة خيرية لترميم التراث فى الشرق الأوسط كان الهدف منها عمل مشروع لترميم مخطوطات الدير.
وقال «بيجول»: «تم وضع خطط متوالية حتى وضعنا مشروعاً متكاملاً لترميم 500 مجلد هى أهم ما بالمكتبة وكذلك أهم مخطوطات فى الكنيسة القبطية ككل، ثم فكرنا أن نوفر بيئة ملائمة للمخطوطات تمنع التدهور فى حالتها لذلك تم البدء فى إنشاء المبنى الجديد فى مارس 2009م، وبمشاركة مؤسسة لفانتين المسئولة عن الترميم بالمكتبة وبمساعدة عدد من رجال الأعمال بمصر وإنجلترا، والمبنى يتكون من ثلاثة طوابق، فضلاً عن البدروم وبه مخزن الكتب والمجلدات وكذلك المركز الرقمى، والدور الأرضى وبه حجرة المطالعة الرقمية والميكروفيلم وقاعة محاضرات تتسع لعدد 60 فرداً مجهزة بأحدث الوسائل الإيضاحية ثم الطابق العلوى وهو عبارة عن مركز للترميم مجهز طبقاً للمواصفات القياسية العالمية من حيث الأجهزة والأثاث».
وبعد افتتاح مبنى المكتبة الجديد فى 2013م، بدأ الدير بعد ذلك مشروع التسجيل الرقمى للمخطوطات بالصورة ثم بالصوت لتسهيل المهام البحثية لذوى الاحتياجات الخاصة بمتابعة الصوت مع الصورة أو الصوت فقط، ومن المقرر أن يقوم الدير بتسجيل المخطوطات بطريقة «برايل» حتى يستطيع ذوو الإعاقة البصرية قراءة المخطوطات والبحث إذا لزم الأمر، كما تم عمل كتالوج رقمى لكل المجموعة لرفعه على الإنترنت لتسهيل مهمة الدارسين فى العالم من البحث فى كتالوجات المكتبة ثم المطالعة عن بُعد لبعض المخطوطات.
مكتبة دير «السريان» بها أقدم مخطوط مسيحي في العالم و«سانت كاترين» ثاني أهم مكتبة عالمية بعد «الفاتيكان»
والتراث القبطى ليس مقصوراً على الأقباط الأرثوذكس فقط، بل هناك العديد من المخطوطات النادرة التى تحتويها مكتبات الكنائس الكاثوليكية والإنجيلية فى مصر، إلى جانب دير سانت كاترين للروم الأرثوذكس، التى تعد مكتبته الثانية على مستوى العالم بعد مكتبة الفاتيكان من حيث أهمية مخطوطاتها؛ حيث تضم 4500 مخطوط من أهم المخطوطات فى العالم، بينها 600 مخطوط عربى، إلى جانب اللفائف المخطوطة باللغة العربية وعددها ألف لفافة، وكذلك 2319 مخطوطاً يونانياً، و284 مخطوطاً لاتينياً، بالإضافة إلى المخطوطات «السريانية، القبطية، الحبشية، السلافية الأمهرية، الأرمينية، الإنجليزية، الفرنسية والبولندية»، أقدمها يعود للقرن الرابع الميلادى، ومن أهم المخطوطات: التوراة اليونانية، المعروفة باسم (كودكس سيناتيكوس)، وهى نسخة خطية غير تامة من التوراة اليونانية كتبها أسبيوس، أسقف قيصرية عام 331م، والإنجيل السريانى، المعروف باسم (بالمبسست)، وهى نسخة خطية غير تامة من الإنجيل باللغة السريانية مكتوبة على رق غزال، قيل هى أقدم نسخة معروفة للإنجيل باللغة السريانية، ويوجد بالدير عدد من الفرمانات من الخلفاء المسلمين لتأمين أهل الكتاب، ونسخة من العهدة النبوية المختومة بختم الرسول محمد.
وإلى جانب ذلك أنشأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لجنة فرعية بالمجمع المقدس الذى يعد أعلى هيئة كنسية باسم «لجنة التراث القبطى» التى كان يتولى مسئوليتها الأنبا أبيفانيوس، أسقف ورئيس دير أبومقار الراحل، (1954 - 2018م)، الذى كان يتولى مهمة رئاسة مكتبة المخطوطات بدير أبومقار قبل اختياره رئيساً للدير فى 2013م، وقُتل على يد اثنين من رهبان الدير فى 2018م.
«تواضروس» يتحدى ميراث الكنيسة في منع وتحريم الكتب ويعلن: «مفيش حظر والثقافة والمعرفة للجميع وعلينا الاختيار»
خرجنا من الدير الأثرى، إلا أن رحلتنا استمرت فى صحراء وادى النطرون، تلك الأرض التى مرت منها العائلة المقدسة وشهدت أول تجمع رهبانى فى القرن الرابع الميلادى، حيث تمسك أصحاب الجلاليب والعمائم السوداء بتلابيب الماضى، وأطلق البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، صرخته الأخيرة لإنقاذ التراث القبطى، عبر إنشاء ما سميت ب«المكتبة المركزية البابوية»، هذا الصرح المقام على مساحة 4200 متر مربع، وقام بتصميمها مهندسون مصريون معماريون شباب، على الطراز المعمارى اليونانى الرومانى، مع بعض اللمسات القبطية.
المبنى الثقافى الضخم القابع فى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون حُفرت على لوحته الرخامية آية سفر الرؤيا بالكتاب المقدس «طُوبَى لِلَّذِى يَقْرَأُ»، قبل أن يأخذنا بهوه الفسيح إلى أجنحته الخمسة وهى: «الكتاب المقدس، التاريخ، اللاهوت، الثقافة العامة، الدوريات»، والتى تشكل أكبر مكتبة قبطية فى العالم، حيث سعت لجمع التراث القبطى المتناثر فى المكتبات الصغيرة بالأديرة والكنائس لأول مرة ليجمع فى مكان واحد.
والمكتبة التى وضعت تحت الإشراف المباشر للبابا، تسعى الكنيسة لتكون بمثابة مركز للبحث والدراسة والتفكير، وهى أنشئت بتبرعات الكنائس والأديرة بالداخل والخارج، وساهم كثير من المتبرعين فى تقديم كتب كثيرة قديمة وجديدة وموسوعات بلغات متعددة كإهداء للمكتبة، منهم الكاتب الكبير الراحل محمد حسين هيكل، وعالمة الآثار اللبنانية الراحلة مى طراد، وقدم بعض رجال الكنيسة أجهزة تساعد فى أعمال المكتبة، وتمت الاستعانة بخبرات الأديرة فى إدارة المكتبات مثل «البراموس، أبومقار، ومارمينا العجايبى»، وقرر البابا تكوين مجلس أمناء وإدارة للمكتبة تحت رئاسته.
البابا: الكنيسة صارت عبر العصور خزانة أسرار الحضارة المصرية
وقال البابا عن المكتبة: «الكنيسة صارت عبر العصور خزانة أسرار الحضارة المصرية من آداب وعمارة ولغة وفنون وغيرها، ومن هنا كان تأسيس المكتبة البابوية المركزية لخدمة الأنشطة المعرفية والأكاديمية والدراسية، خاصة بالحقبة القبطية التى تزدان بها مصر وسط كل حقب التاريخ، وقد أنشئت المكتبة فى مهد الرهبنة الذى يعود إلى القرن الرابع الميلادى، وفى جو جاف وهو الصحراء لتحفظ ما يوجد داخل المكتبة من كتب تراثية وحديثة وأوراق بحثية متنوعة، وبذلك توفر المكتبة مساحة أكاديمية تهيئ البيئة القبطية التراثية للدراسة والقراءة والبحث لكل المهتمين فى القبطيات، وستكون مركزاً للتعاون مع جامعات مصرية وغير مصرية وهيئات أكاديمية فى دعم الباحثين محلياً وعالمياً اتباعاً لنموذج مكتبة معهد الآباء الدومينيكان للدراسات الشرقية بالقاهرة».
واستمر تنفيذ المرحلة الأولى من تلك المكتبة لمدة ثلاث سنوات، وأحد أهدافها، بحسب البابا تواضروس، جمع التراث القبطى بكل نوعياته وترميمه وتوثيقه وتصنيفه لتسهيل عرضه وإتاحته لجمهور الباحثين والدارسين فى مكان واحد، بالتنسيق مع الأديرة القبطية والقطاعات الجغرافية بالكنيسة والأفراد من أصحاب المقتنيات الخاصة.
وألغى البابا تواضروس شعار «الكتب الممنوعة» الذى كانت الكنيسة تطبقه خلال القرون الماضية، فضمت المكتبة، التى افتتحت فى 2019م، كل كتابات الراهب «متى المسكين»، و«مذكرات الأنبا غريغوريوس»، وحتى الكتب المحرّمة التى احتوتها مخطوطات نجع حمادى، وقال البابا عن ذلك: «مفيش حظر على كتب، مفيش حاجة اسمها الكتاب ده مايدخلش، الثقافة والمعرفة هى للجميع.. فى الكتاب المقدس موجود كل التفاسير، سواء شرقية أو غربية، قديمة أو حديثة.. الشخص اللى بيبحث عليه أن يختار المناسب له».
وأضاف البابا تواضروس، ل«الوطن»: «أى كتب ستصل المكتبة سوف نحتفظ بها من أجل التحقيق العلمى والتاريخى».
والمكتبة تحتوى على أجهزة لتحويل الكتب والمخطوطات للديجتال من أجل الحفاظ عليها، وتحتوى على أسانسير خاص لنقل الكتب، وطاولات القراءة والاطلاع بها مزودة بالكهرباء والإنترنت، وحرصت الكنيسة على أن تحتوى المكتبة على لمسات جمالية لإعطاء الهدوء وراحة الفكر، ويعمل بالمكتبة رهبان من عدة أديرة، وتعمل المكتبة بنظام علمى، حيث تسجل الكتب على نظام إلكترونى لسهولة عملية البحث والدراسة، وتعد قاعة «التاريخ» هى الأكبر مساحة، حيث إنها مقامة على 400 متر مربع، دون عمود واحد يتوسطها، وتحتوى تلك القاعة على جزء مما يعتقد أنه «خشبة الصليب التى وضع عليها المسيح»، وفى تلك القاعة جميع الكتب التى تحكى تاريخ العالم والوطن والكنيسة والمسيحية.
ويقول البابا تواضروس: «المكتبة مهمتها حفظ التراث والاهتمام بالعمل البحثى والمعرفى، وتحقيق الكتب القديمة والمخطوطات علمياً وبحثياً والاستفادة بها لأن هناك كثيراً جداً منها غير منشور، كما نسعى للتواصل مع المكتبات العالمية مثل المكتبة الأهلية فى باريس ومكتبة الكونجرس لإبرام بروتوكولات تعاون معها، كما سنطلق موقعاً إلكترونياً خاصاً بالمكتبة، وحرصنا على توفير مكان للباحثين مجهز لاستضافتهم معيشياً داخل المكتبة التى تحتوى على ممر خلفى موضوع فيه جميع الوثائق الخاصة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية».
وناشد البابا تواضروس الجميع بمد المكتبة بكل ما لديهم من كتب ومخطوطات للكنيسة لوضعها فى المكتبة من أجل استفادة الجميع وإتاحتها لكل من يريد البحث والدراسة.
ما قاله البابا تواضروس ليس غريباً عليه، فالرجل يحاول النهوض بالكنيسة وإزالة آثار الميراث الكبير من معاداة الكنيسة للكتب، منذ أن أمر الإمبراطور قسطنطين (306 - 337م) بحرق كتب من لا يؤمنون بالثالوث المقدس، وحرق الإمبراطور جوفيان عام 364م مكتبة أنطاكية لأنها ظلت لفترة طويلة فى قبضة الإمبراطور جوليان، وهو ليس مسيحياً، ونهب مكتبة الإسكندرية عام 392م وحرقها بواسطة حشود من الغوغاء المسيحيين وقتل الفيلسوفة «هيباتيا»، ويشير القمص أثناسيوس فهمى جورج، راعى كنيسة مارمينا فلمنج - الإسكندرية، إلى أنه توجد لوحة تصور البابا ثاؤفيلس الإسكندرى، بطريرك الإسكندرية الثالث والعشرين (385-412م)، وهو يحمل الإنجيل فى يده واقفاً منتصراً فوق معبد السيرابيوم (تم بناؤه فى عهد بطليموس الثالث الذى حكم من 246-222 ق.م) بعد أن تم تسليم مبنى المعبد إلى مسيحيى الإسكندرية عام 391م، كذلك تم أيضاً هدم معبد ديونيسوس (تم بناؤه فى عهد الملك بطليموس فيلادلفوس ثانى ملوك الدولة البطلمية الذى حكم مصر من 283- 246 ق.م، وكان المعبد مزيناً بالنقوش وبأسماء مشاهير الفن الديونيسى).
موضحاً الكاهن أنه فى زمن هذا البطريرك انتهت الوثنية فى مصر، ووقتها تم هدم معابد وثنية كثيرة بسبب انتهاء الحاجة إليها حسب أوامر الإمبراطور ثيودودوسيوس الكبير (347-395م) الذى اعترف بالمسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية، موضحاً أن البابا ثاؤفيلس شيد الكثير من الكنائس بمدينة الإسكندرية بدلاً من تلك المعابد، وذلك طبقاً لمرجع يحمل اسم «وقائع العالم الإسكندرى»، وهو عبارة عن سجل مصور لمؤلف مجهول حول العالم الإغريقى القديم لمدينة الإسكندرية كتب فى القرن الخامس أو السادس الميلادى، ووصلت منه بعض من شظايا البردى المحفوظة حتى اليوم فى متحف بوشكين بالعاصمة الروسية موسكو.
وتحرص الأديرة فى العصر الحديث على التنمية الثقافية والروحية واللاهوتية والكنسية والعلمية للرهبان، حيث يتم تنشيط الدور البحثى والعلمى من خلال مجموعات رهبانية بحثية فى مجال اللغات والمخطوطات والأثريات والكنسيات، وتعمل الكنيسة على توافر آليات للبحث العلمى داخل الأديرة، وتكوين لجنة خاصة بالبحث العلمى والتنمية الفكرية داخل كل دير، مع متابعة اللجنة المجمعية للأديرة لأنشطتها، حتى إن البابا تواضروس عمد إلى إحداث نهضة دراسية وعلمية فى الأديرة، فأرسل الرهبان فى بعثات تعليمية دراسية بالخارج.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.