لم يكن يعلم بأن "مفيش فايدة" سيتم تداولها على ألسنتنا بهذه السهولة، تعبيرًا عما يدور ضمن أيامنا من أشياء تأتي لتخذلك فقط، حين قالها ضمن تعاملاته مع المندوب السامي البريطاني، وأدرك أن الكلام معهم لن يأتي بجديد، وكأنه يُحدث نفسه، وكان ومازال من أكثر الشخصيات التي أثرت في تاريخ مصر على الإطلاق، فأسمه لم يُمحى من التاريخ منذ أن كان على قيد الحياة، شخصية تناولت الجدل بشكل كبير، إنه الزعيم الخالد سعد زغلول، الذي كان نصيبه أن يُخلد اسمه ويُذكر عبر الزمان، وعاش بعد موته بينما كثيرون ماتوا وهم أحياء. كان "سعد زغلول" الزعيم الذي يحتاجه المصريون لينفضوا عن كواهلهم عبء الصبر الطويل على ما لا يرضونه من ظلم، فإنه ليس زعيمًا تقليديًا يمكن توقعه وانتظاره، ولكنه الرمز المنتظر لتحقيق أحلام الحرية والحياة، وكان رمزًا للنضال ضد الاستبداد، عاشق لتراب وطنه، مصريًا في كل قطرة من قطرات دمه، وفي كل طية من طيات نفسه، وفي كل حبة من حبات قلبه، فهو رمز مصر الخالد، والمثل الأعلى للمصريين، فيه تمثلت مصر في لحظة من أدق لحظات تاريخها، فكان روح حركتها التي رقت بالشعب إلى الخلاص والحرية، رحل عنا ولكن ذكراه ستظل خالدة إلى الأبد. "قوم يامصري مصر دايمًا بتناديك"، إندلعت المظاهرات فكان نفي الزعيم "سعد زغلول" إلى "جزيرة مالطة" الشرارة التي اشعلت الثورة، وأغضبت الشعب كله، فكان كقطار خرج عن قضبانه متمردًا ما بين إضراب طلبة الكليات، وتجمعات في الطرق والميادين، ومسيرات سلمية، وهتافات "سعد سعد .. يحيا سعد.. تسقط الحماية.. يسقط الاحتلال"، وصدام بين المتظاهرين ورجال الاحتلال، تتعالى الهتافات "الاستقلال التام .. أو الموت الزؤام"، وإغلاق المحلات، وإضراب طلبة المدارس، وغليان الشعب المصري، ورصاص ينهال عليهم من كل حدب وصوب، ووقوع أول شهيد، وغضب شديد وحماس يزيد، وانفجارات، وثورة على الظلم والاستبداد، وحرائق ونيران تقضي على الأخضر واليابس، وتحطيم محال الأجانب، وحماس يشتعل وهتافات تتعالى "يحيا الهلال مع الصليب". فما لبث أن أصبح الميدان يعج بالطلبة، بحر يموج بالطرابيش الحمراء فوق وجوه غارقة بعرق الحماس، يرفعون أعلامًا حمراء عليها هلال يحتضن نجمة، ولافتات تنادي بالاستقلال وحرية سعد، فكانت النتيجة أن خضع الإنجليز، ورضخوا لمطالب الشعب، وأفرجوا عن "سعد زغلول ورفاقه"، فقام "سعد زغلول، وعلي شعراوي، وعبدالعزيز فهمي" بمقابلة المندوب السامي البريطاني مطالبين بالاستقلال، والذي أكد: "أنا لا أستخدم نفوذ أي اسم كان للحصول على أية غاية كانت"، فكانت قضيته استقلال مصر أو الموت الزؤام"، والتي صاحبت ثورة 1919. زعيم بيت الأمة، الذي رحل عن عالمنا في 23 أغسطس 1927، ليمر 87 عاما على رحيله.. وسطر كلمات ك"الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة"، رحيله، ليدفن في ضريح سعد المعروف ب"بيت الأمة" الذي شيد عام 1931 ليدفن فيه زعيم أمة وقائد ثورة ضد الاحتلال الإنجليزي "ثورة1919"، والذي صمم على الطراز الفرعوني.