«نعم مساعدة الشعب الفلسطينى فى مواجهة ما يتعرض له من اعتداء واجب علينا جميعاً، ولكن مصالح مصر وشعبها وحفظ أمنها القومى أولى وأوجب». - أصبح معلوماً للجميع أن ما يحدث فى المنطقة منذ بداية ما يسمى بالربيع العربى ما هو إلا تنفيذ لخطة سايكس بيكو الجديدة، وعلى الرغم من أن ملحمة 30 يونيو قد عطلت تنفيذ هذا المخطط فى مصر إلا أنها لم تسقطه، ومعروف أن الغرب يضع الخطط التى تحمى مصالحه ويضع معها سيناريوهات متعددة للتنفيذ، بحيث إذا فشل أحدها يستخدم الآخر وهو يتحكم فى تحريك الأحداث على مستوى المنطقة من دولة إلى دولة بتحريك عملائه المنتشرين سواء كانوا دولاً أو جماعات أو أشخاصاً، ولذلك يجب علينا عند تأمل الأحداث التى تقع فى منطقتنا وتحديد أولويات التعامل معها، ألا نعزلها عن هذا الإطار العام. - فإذا نظرنا إلى ما يحدث فى غزة الآن يتضح لنا وبصورة جلية أنه مفتعل من أطراف متعددة فى مقدمتها حركة حماس، التى قد ترى قيمة إستراتيجية فى تصعيد صراعها مع إسرائيل، فالحركة تعرضت لأضرارٍ جسيمة جرّاء تغيرات الربيع العربى وتحولاته، التى تركتها وقد فقدت كل أشكال وصور التعاطف الشعبى، وخاصة فى مصر بعد ثبوت تورطها فى أحداث العنف التى وقعت فى ثورة 25 يناير من فتح السجون واقتحام مراكز الشرطة وقتل المواطنين الأبرياء وتلطخ أيديهم بدماء جنود الجيش المصرى فى مجزرة رفح الأولى ودعمها للجماعات الإرهابية فى سيناء، وقد أدى إلى ترك حركة حماس يائسة مع عدد قليل من الحلفاء وأموال شحيحة جداً، فقبل أحداث ما يسمى بالربيع العربى، كانت الحركة تتلقى دعماً من إيرانوسوريا، ولكن عندما اتخذت حماس موقفاً مؤيداً للمتمردين السنة المعارضين لنظام بشار الأسد العلوى وداعميه فى طهران، ردت إيران على ذلك بإيقاف المساعدات المالية وكانت إيران تتبرع بنحو 20 مليون دولار شهرياً، وهو ما يكفى لتمويل حركة حماس والهيكل الإدارى التابع لها فى قطاع غزة، بالإضافة إلى المساعدات السياسية والعسكرية الأخرى، ولم يؤثر ذلك على الحركة فى بداية الأمر، حيث إن محمد مرسى الذى ينتمى للإخوان المسلمين هو من كان يمسك بمقاليد السلطة فى مصر، فهو متضامن بقوة مع حماس التى هى جزء من الإخوان، فكان يدعمها سياسياً بمنتهى القوة، بالإضافة إلى الأنفاق على الحدود مع القطاع، والتى ظل مرسى يدافع عنها ويحميها ويمنع الجيش من إغلاقها، وكانت تستخدم فى تهريب الأسلحة والأموال والبضائع الاستهلاكية وتعزز موقف الحركة عسكرياً واقتصادياً، لكن مع سقوط مرسى واعتبار الإخوان جماعة إرهابية، وإغلاق الأنفاق، أوقف هذا المصدر، ودفع ذلك حماس إلى عقد نوع من المصالحة مع خصمها اللدود حركة فتح والسلطة الفلسطينية لكن هذه المصالحة لم تجلب لها إلى الآن أى فوائد ملموسة، مما جعل قادة الحركة السياسيين والعسكريين يخططون إلى الرجوع إلى أحضان محور إيران بتنسيق من قطر، وكيل إسرائيل فى المنطقة فقد وردت أنباء أن هناك اجتماعات تمت فى شهر مايو بين مسئولين من الخارجية الإيرانية وقيادات من حركة حماس فى الدوحة، لعودة حماس لمحور إيران، وذلك مقابل دعم مالى وعسكرى، وتكون مهمة حماس إشعال الأوضاع فى غزة لتحقيق عدة أهداف: ■ الضغط على الرئيس المصرى الجديد بإحداث توتر على الحدود الشرقية، وتحريك الرأى العام للضغط عليه تحت عنوان مساعدة فلسطين، وهذا كله فى إطار خطة لإفشال الرئيس. ■ محاولة توريط الجيش المصرى فى الأحداث، وتصريحات خالد مشعل وإسماعيل هنية الأخيرة بخصوص انتظارهم لنخوة الجيش المصرى، ما هى إلا محاولة لاستدراج الجيش فى غزة، أولاً: لإشغاله عن القيام بدوره الأساسى وهو حفظ الأمن القومى المصرى والمساهمة فى تنمية واستقرار المجتمع، وثانياً: لإعطاء الغرب ذريعة لضرب هذا الجيش ومعلوم أن تفكيك الجيوش العربية من أهم أهداف سايكس بيكو الجديدة. ■ تخفيف الضغوط السياسية التى كانت تمارس على إسرائيل لاتخاذ خطوات جادة نحو حل الدولتين. ■ محاولة ضرب التحالف العربى الجديد الذى تقوده مصر والسعودية وتشتيت تركيز الدولتين؛ السعودية بأحداث داعش، ومصر بأحداث غزة. ■ إعطاء فرصة للإخوان وحماس لكسب تعاطف شعبى مرة أخرى، ولعل المبالغة الإعلامية فيما يخص ما يسمى الكوماندوز وصواريخ القسام والتى لم نسمع أنها حققت أى خسائر بشرية أو مادية ملموسة للإسرائيليين خير دليل على ذلك، فصواريخ القسام حقيقة هى ضرب فى الفارغ فهى مجرد دعاية. ■ شغل العالم بما يعطى إيران فرصة الانفراد بالتحرك فى سوريا والعراق، بالإضافة إلى تخفيف التركيز الإعلامى على فتور مفاوضات الملف النووى الإيرانى. - هذا الواقع يحتم علينا أن نتحرك بمنتهى الحذر، فلا مجال للخطأ أو سوء التقدير، نعم مساعدة الشعب الفلسطينى فى مواجهة ما يتعرض له من اعتداء واجب علينا جميعاً، ولكن مصالح مصر وشعبها وحفظ أمنها القومى أولى وأوجب، ولا مجال فى ذلك للمزايدات والشعارات التى ما زال يمارسها البعض، فمصر فى فترة نقاهة صعبة ومفروضٌ عليها حالة حرب، وإن الأمر لا يحتمل الضغط عليها أو المخاطرة بمصالحها.