المتابع جيدا لحركة مناهضة الفساد في أي دولة خاصة بلدان العالم الناشئة اقتصادية يدرك تماما أن هناك قوة خارقة تستطيع زعزعة الاستقرار، تعرف اقتصاديا ب "رأس المال الخامل" أو "الأموال الساخنة" وهي أموالا تدخل إلى الاقتصاد فتخلق ازدهارا كاذبا، وفي طريق خروجها تترك خلفها فوضى لا توصف، لا يمكننا رؤيتها أو لمسها، وبالتأكيد لا يمكننا القضاء عليها تماما، ولكن في أفضل الأحوال نستطيع أن نبعدها عنا "مؤقتا"، وإذا كنا أذكياء ومحظوظين بما يكفي فيمكننا استغلالها في تحقيق مصالحنا الخاصة. هي استثمارات انتهازية قصيرة الأجل وعادة لا تزيد مدتها على عام واحد، تستهدف بشكل رئيسي اقتصادات البلدان النامية، وبالأخص تلك التي لديها أسعار فائدة أعلى من المتوسط، وتخرج من بلد لتدخل آخر بغرض تحقيق أكبر عائد ممكن في أقصر فترة زمنية ممكنة. ربما أفضل تشبيه ل"الأموال الساخنة" هو أنها مثل الصاحب المنافق، الذي يبذل كل شيء من أجل الحصول على ثقتك ويحرص على مرافقتك طالما تمضي الأمور على نحو جيد، ولكن حينما تلوح الشدة في الأفق وتحتاج إليه تلتفت وراءك فلا تجده، والأسوأ من ذلك أنه قد يستغل الأزمة. ولا أحد ينسى هجوم رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد في يناير من العام 1998 الذى شنه على مستثمري "الأموال الساخنة" الذين ساهم سلوكهم الاستثماري في تعميق الأزمة المالية الآسيوية وقتها، حيث صرح قائلًا : "لقد أمضت هذه البلدان 40 عاما تحاول أن تبني اقتصاداتها، ثم يأتي مستثمرون ومعهم الكثير من الأموال للمضاربة وتدمير كل شيء". كل الفساد الذى تفشى في ماليزيا كان وراءه مليارات الدولارات من الأموال الانتهازية ، فقصة "الأموال الساخنة" مع الأسواق الناشئة أصبحت أشبه بالفيلم الذي شاهدناه عشرات المرات، لدرجة جعلت الكثيرين يملون من تكراره، وقد حدث هذا ما حدث في أيسلندا وإسبانيا واليونان ومن قبلهم تايلاند وكوريا الجنوبية وهونج كونج، فباستثناء بعض التفاصيل المختلفة فدائما سيناريو الهروب ثابت. في البداية يتم صب هذه الأموال صبا في تلك الأسواق عندما تعرض أسعار فائدة أعلى من المتوسط على ديونها قصيرة الأجل، ولكن بمجرد أن تنخفض الفائدة لتعود إلى المستويات الطبيعية تخرج هذه الأموال أسرع مما دخلت، وما يحدث بعد ذلك معروف، تنهار العملة الوطنية ويتأزم سوق الأسهم المحلي، ويضحي البنك المركزي بالاقتصاد الحقيقي من أجل إنقاذ سعر الصرف. ومن المفترض أنها مثل أي أموال أخرى، ولكن سبب خطورتها يكمن في طبيعة القطاعات التي تستهدفها هذه الأموال، فلو أنها تدخل إلى الاقتصاد من أجل تطوير أعمال جديدة وخلق فرص عمل ونمو مستدام، لكانت موضع ترحيب من قبل الجميع. وللأسف الكثير من الحكومات تفشل في التفرقة بين تدفقات الأموال الساخنة وبين الاستثمار الأجنبي المباشر الحقيقي، وبحسب روايات موثقة لبنوك استثمار في مصر فالأموال الساخنة ليست شرا مطلقا، لأنها تعتبر في بعض الأوقات وسيلة لجذب العملة الصعبة للبلاد، وتحقيق سيولة نقدية في الأجل القصير، وفي الحالة المصرية فإن هذه الأموال ساهمت في حل مشكلة نقص العملة الصعبة، وكبح السوق السوداء، واستقرار سعر الصرف، بعد تعويم الجنيه، كما أنها ساهمت في رواج الأسهم في البورصة، مع إقبال الأجانب على الشراء للاستفادة من أسعارها المنخفضة بالعملة المحلية. كما أنها تدخل أيضا في صورة استثمارات في أذون الخزانة أو السندات، وهي أدوات تقوم الحكومة بالاقتراض من خلالها، خاصة بعد ان دخلت مصر في أذون الخزانة بعد التعويم، نحو 19 مليار دولار حسب تصريحات نائب ومساعد وزير المالية احمد كوجك اذا علينا جميعا ألا ننشغل بتفاصيل سعرية خدمية أو سلعية محلية وننسى هذه الأموال التي تتأهب للخروج اذا تراجعت أسعار الفائدة أو في حالة رصدها لسوقا أكثر جاذبية على التلاعب أن نكون أكثر وعيا اذا بدأت تلك الأموال على الاستعداد لنقطة الهروب الكبير أو الهجرة العكسية ولنا في الأرجنتين اليوم آية تلك الدولة التي تصارع من اجل البقاء بعد أن عبثت بمقدراتها تلك الأموال الساخنة، وحتى ننجو من مسلسل تساقط أحجار الدومينو الذى ضرب اقتصاديات ناشئة لم تتحوط جيدا ساعدوا مهاتير المصري على تجاوز فترات عصيبة قبل أن تهرب الاستثمارات الانتهازية إلى بلد آخر.