نتميز، نحن المصريين، بعبقرية غير مسبوقة فى الثورة على النظم الفاسدة والمستبدة، فقد ثُرنا على ديكتاتورية وفساد نظامَى مبارك ومرسى، وتم إخراجهما من الحكم فى أقل من ثلاث سنوات. وكما يبدع المصريون فى التعبير عن الغضب الثورى وينفعلون لمطالب التغيير والتمرد على الحكام الفاسدين، يبرع المصريون فى الخروج من ميادين الثورة بسرعة ويتركون ثوراتهم نهباً للمنافقين الذين يلحقون بها متأخرين لينفردوا بالحكم من دون أصحاب الثورة وأبطالها الحقيقيين. وكما حدث بالنسبة لثورة 25 يناير التى ترك الثوار ميادينها بعد تخلى الرئيس الأسبق مبارك عن منصبه وأخلوا الساحة لجماعة الإخوان وأتباعهم من تيارات الإسلام السياسى ليحققوا أغلبية غير مستحقة بمجلسى الشعب والشورى ثم القفز على منصب الرئاسة ليعيثوا فساداً فى البلاد ويجرموا فى حق العباد ويخونوا الوطن، يكاد المشهد الحزين المهدد بضياع ثورة 30 يونيو يتكرر الآن! وباستثناء وقفة القوات المسلحة الرجولية فى الدفاع عن الوطن وحربها البطولية ضد إرهاب الجماعات التكفيرية فى سيناء والجماعة الإرهابية فى داخل مصر، ولولا بطولة رجال الشرطة وأجهزة الأمن فى التصدى للعنف والإرهاب فى مختلف محافظات مصر، يكاد المتابع للمشهد الحالى فى مصر يشعر بأن ثورتها الجديدة قد خبت وانطفأت جذوتها ولما يمض عليها سوى شهرين وبضعة أيام. إن أصحاب الثورة الذين خرجوا بالملايين قبل 30 يونيو وما بعدها حتى تحقق مطلبهم برحيل مرسى، لا يكاد صوتهم يسمع مصر الثورة، وقد اكتفوا بما قدموه معتبرين أن مسئوليتهم قد انتهت بتفويض الفريق أول السيسى يوم 26 يوليو! وما يزال الشباب منهم موزعين بين العديد من الائتلافات والاتحادات والحركات من دون أن يجمعهم رباط الثورة على الديكتاتورية وتوحدهم الأهداف المشتركة التى يتغنى بها الجميع: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية! وحتى الآن، ومنذ 25 يناير 2011، لم ينجح «شباب الثورة» فى أن يجمع شملهم كيان سياسى يعبر عن فكر الثورة وأهدافها ويعمل على تنظيم صفوفهم لضمان حماية ثورتهم وثورة الشعب وتأكيد استمرارها على طريق الديمقراطية والتنمية الوطنية الشاملة، وأن ينافسوا على الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان القادم بعد أن فاتهم قطار الانتخابات التشريعية لأول مجلسى شعب وشورى بعد الثورة. وليست أحوال الأحزاب والقوى الوطنية والمدنية وما يطلق عليه «النخب السياسية» بأفضل من حال القوى الشعبية والشبابية! إذ لا تزال تلك القوى السياسية مختلفة فيما بينها ومتصارعة فى حوارات وفلسفات بعيدة عن اهتمام جماهير الشعب، وفاقدة للقدرة على التواصل الحقيقى مع الشارع السياسى وغير قادرة على تحريك الجماهير وخوض معارك حول برامج سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تثير اهتمام الناس. ومما يزيد فى خطورة المشهد المصرى الحالى ذلك الإصرار من جماعة الإرهاب وحلفائها من الجماعات التكفيرية فى سيناء وداعميها فى الداخل والخارج على تحدى الإرادة الشعبية بالتخلص من حكم الإخوان وعزل مرسى، والاستمرار فى خرق القانون وتسيير التظاهرات غير السلمية وخرق تعليمات حظر التجوال وابتداع طرق شيطانية لإحداث شلل مرورى فى أهم طرق وميادين القاهرة والجيزة وغيرهما، ودعوات للعصيان المدنى، كل ذلك فى محاولة للعودة إلى ما قبل 3 يوليو وفرض واقع جديد يحقق أحلامهم بالعودة إلى الحكم مرة أخرى بالاستقواء بأمريكا والغرب وبتمويل دويلة قطر وتخطيط التنظيم الدولى للجماعة الإرهابية. ومن غرائب الواقع السياسى الحالى فى مصر ذلك الدور الذى تلعبه مجموعة الأحزاب الدينية والقوى الرجعية المتسترة بالدين التى تحاول احتلال مكان الجماعة الإرهابية الأم وإعادة إنتاج حكم مرسى وأنصاره. ورغم اتفاق كل القوى الوطنية على ضرورة النص فى الدستور الجديد على «مدنية الدولة» وحظر أن تكون المرجعيات الدينية أساساً فى تأسيس الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية، إلا أن جماعات الإسلام السياسى ما تزال تناور ويهدد ممثلوها فى «لجنة الخمسين» بتعطيل أى توافق على أن يتضمن الدستور مثل ذلك الحظر. ويتساءل الناس، ولهم كل الحق: أين الحكومة من كل تلك الأخطار والتحديات التى تهدد بضياع ثورتهم؟ أين برنامج عمل الحكومة وخطتها فى تأكيد الأمن الوطنى والتفعيل الجاد والحاسم فى تطبيق قواعد حالة الطوارئ التى تم تمديدها لشهرين آخرين، بينما يعيش الناس فى كابوس مستمر نتيجة اعتداءات الجماعة الإرهابية عليهم وعدوانهم على مؤسسات الدولة وعلى رجال الأمن، وخلقهم بؤراً إرهابية جديدة فى كرداسة بالجيزة ودلجا بالمنيا، وتتعدد حالات ونماذج إرهابهم للإخوة المسيحيين فى أسيوط وإخراجهم من ديارهم وفرض الإتاوات عليهم والدولة غائبة وتبدو عاجزة عن حمايتهم! أين الحكومة؟ ذلك سؤال أصبح على لسان الجميع بعد أن كانوا ينتظرون من جهابذتها حلولاً عاجلة غير تقليدية لمشاكلهم وأوجاع الوطن وفى مقدمتها «استعادة الأمن» و«تنشيط الاقتصاد» وهما الهدفان اللذان فشلت فى تحقيقهما فشلاً ذريعاً! والمطلوب أن تنهض الحكومة بمهامها الوطنية و«الأخلاقية» وتنفذ اليمين الدستورية التى أقسم بها رئيسها وأعضاؤها أن يحافظوا مخلصين على النظام الجمهورى، وأن يحترموا الدستور والقانون، وأن يرعوا مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن يحافظوا على استقلال الوطن وسلامة أراضيه! ويأتى فى المقام الأول، تفعيل حالة الطوارئ وتطبيق ما يقضى به قانون الطوارئ من منع التظاهرات والمسيرات والاجتماعات والتشديد فى حماية الأمن الوطنى من خرق القانون من الجماعات الإرهابية خطوة أساسية لإنقاذ مصر وثورتها. ويرتبط بهذا المطلب، ضرورة حسم موضوع حل جماعة الإخوان المسلمين وجمعية الإخوان المسلمين التى تم تأسيسها على عجل فى شهر مارس الماضى تحسباً لحل الجماعة بحكم من القضاء الإدارى، وأن تُصدر الحكومة قراراً باعتبار «جماعة الإخوان» كياناً غير قانونى. وأنها «منظمة إرهابية» يحق للدولة مصادرة مقارّها وأموالها. وبنفس المنطق يجب أن يكون التعامل مع حركة حماس وكتائبها باعتبارها «حركة إرهابية». حمى الله مصر.