تعد الشكوى الآن هى «سوء الخدمة الطبية» بقدر ما صارت الشكوى من «غيابها تماماً» «المحن تخلق الرجال» كما يقول المثل القديم، إلا إننا فى مصر اليوم وعلى ما يبدو «نسير عكس المألوف».. فلم تخلق المحنة الاجتماعية للثورة رجالاً، بقدر ما خلقت جماعات عنف، وانتهازية سياسية، ونخباً جدلية بغيضة، وقيادات تتصارع على «طوبة» من البلد الذى ينهار. ولك أن تعرف أن مصانع الغزل والنسيج توقفت تماما، و«سيراميكا كليوباترا» تصفى أعمالها وهى أمور تحتاج إلى محاسبة أكثر منها إلى «المحايلة».. وآلاف العمال فى كل البقاع «يضربون عن العمل».. ومواطنون يقطعون الطرقات لمطالب فئوية تحملوها ل«30 عاماً»، وحالة غريبة من التوحش والاستقواء السمج، والنخبة تتصارع على خلافات فرضية عقيمة، وقضايا جدلية مثيرة للشفقة، والأمن يتدلل ويشمت فى الشارع المطحون التعامل ب«غلظة انتقام» رجال أعمال النظام القديم وعجزالرئيس. وقد كان ممكناً الاحتمال؛ لكن الأزمة ضربت بقسوة الملف الصحى وهو الأخطر، باعتبار أن العبث بالأمن الصحى اندفاع نحو مجهول، أو يمكن القول إنه المسمار الأخير فى نعش مصر؛ لكن لا أحد يهتم. خلال الأيام القليلة الماضية أغلق مستشفى أحمد ماهر التعليمى أقسام الاستقبال والطوارئ تماماً، وقبله أغلق طوارئ واستقبال مستشفى الهلال وهو أكبر مستشفى متخصص فى علاج العظام والحوادث أبوابه، وامتنع عن استقبال المرضى، وبقى استقبال قصر العينى أكبر صرح طبى فى البلاد مغلقاً لأكثر من 45 يوماً، وأعيد افتتاحه بعد أن وافق «المشير» على تأمينه بضابط و50 عسكرياً. واقعياً لا نلوم إدارات المستشفيات والأطباء والممرضات على ذلك، فالعمل تحت تهديد السلاح مستحيل، والأسبوع الماضى، تعرض أشرف المهدى طبيب امتياز بمستشفى أحمد ماهر للاعتداء البدنى المبرح من «بلطجى معروف فى الدرب الأحمر» وحين قدم الطبيب الشاب شكوى للأمن اكتفى الضابط المسئول بعمل محضر وترك «البلطجى» لحال سبيله، وحين اعترض الطبيب قيل له باستهانة: «الإجراءات كده.. هات لى أمر ضبط وإحضار وأنا أقبض عليه».. وقد سمحت الإجراءات الأمنية المتراخية بتكرار حالات الاعتداء ضد آخرين فى المستشفى الذى أغلق أبوابه مضطرا حسب تعبير مسئوليه.. فقد صارت القضية الآن خيارا بين حياة الطبيب وحياة المريض. ما جرى فى «أحمد ماهر» لم يكن حالة «عنف فردية» وتمر، لكنها كانت امتداداً لظاهرة تجاهلها الجميع، فقبل ذلك تعرضت ممرضة فى مستشفى كبير للإجهاض بعد «علقة ساخنة» من «بلطجية». وفى مستشفى إمبابة العام، قطع «بلطجى» شرايين وأوردة ممرضة أخرى بمطواة رغم وجود قوات من الشرطة فى المستشفى. وفى المنيا العام، قتل مريض ب«السنج والمطاوى»، كما ذبح مريض آخر فى «عز الظهر» فى المطرية التعليمى، وأصر البلطجية فى واقعة فريدة على دخول غرفة العمليات ب«السنج» وأجريت جراحة جبرية لمصاب منهم تحت «تهديد السلاح». الخيار المعروض بين حياة الطبيب والمريض أمر خطير، وغير مقبول، وطلب «نقابة الأطباء» للمشير طنطاوى بضرورة تأمين المستشفيات تمت الموافقة عليه «جزئيا»، حيث وافق «العسكرى» على تأمين 80 مستشفى فقط، ولم يدخل القرار مرحلة التنفيذ بعد، فعلى نقابة الأطباء ووزارة الصحة اختيار المستشفيات المراد تأمينها وترك المستشفيات الأخرى، وهو ما يعنى ضمنياً «إغلاقها». لم تعد الشكوى الآن هى «سوء الخدمة الطبية» بقدر ما صارت الشكوى من «غيابها تماما» ويعنى توقف طوارئ واستقبال المستشفيات أن «مريضاً يموت».. ودولة تحتضر.