هنا تختفى المساحيق وتسيطر العباءة السوداء لتصبح الزى الرسمى للحضور، تنسدل الطرحة «الغامقة» من مفرق الشعر تُظهر لونه المصبوغ بالحناء معلنة أن هذا الركن «للحريم» فقط، بلا لافتة أو علامة. الدخول هنا «ممنوع على الرجال»، فبعد أن أغلقت السيدة زينب أبواب المسجد لم تجد مريداتها من السيدات سوى ذلك الركن المفروش بالحصير والملاصق لمسجدها فجلسن، كل منهن تشكى إليها ضيق الحال وقهر الرجال وغلبة الزمن. جمعتهن الشكوى من «خدامها» الذين منعوهن من مجاورتها فى الليلة المباركة.. «بعد صلاة العشاء امبارح قفلوا البيبان وجريوا ورانا بالعصا وطلعونا بره الجامع، طب ده يرضى الست؟ هو احنا هنلاقيها منين ولا منين؟»، تحكى الست «سحر»، فى أوائل الأربعينات، أنها ظلت طيلة شهر تدخر مؤونة يومين تأتيهما كل عام فى رحاب أم العواجز.. «كل سنة كنا بنعمل خدمة لكن السنة دى مش لاقيين العيش الحاف»، دموعها لا تجف وهى تنظر لحال طفليها حين يهرولان وراء النفحات.. «كنا كل سنة بنيجى واحنا اللى نقدم النفحات آه مش من جيوبنا بس كنا بنقف عليها وأصحابها بيآمنونا لكن السنة دى كل الناس وفّرت لبيوتها وللشهر الكريم اللى داخل بيجرى». الحصير الأخضر يفرش بهو مدخل المسجد، تتكالب السيدات على حجز أماكنهن حتى نهاية اليوم، فهنا المأكل والملبس والمصلى و«قضاء الحاجة للعيال»، ورغم الرائحة الفجة فإن بخور الست استطاع أن يبعد أنوفهن عنها خيراً من لهيب الحر فى الخارج.. «لو خرجنا من هنا مش هنعرف نرجع تانى.. امبارح نمنا فى الجنينة بره فى الميدان، وكنا مرعوبين من البلطجية، وصلينا كلنا قاعدين عشان ما نسجدش ونركع قدام الشباب»، قالتها الست «رضا»، أم ل8 عيال، أكبرهم بلغ 28 عاماً، لكنه لا يختلف عن ذلك الرضيع فوق يديها صاحب الثلاثة أشهر، تحكى رضا محتفظة بابتسامة «الرضا» فوق شفتيها حتى ولو جابت عينيها دموع الاعتراض: «إحنا جايين من ضواحى الجيزة، عادة ومابنحبش نقطعها بس المرة دى جيّتنا مكسورة مش زى كل سنة»، زوج خرج معاش مبكر وعمره 44 سنة، وابن متزوج وينتظر طفله الأول ولم يجد عملاً حتى الآن وشاب آخر كان أملها أن ينتهى من الجيش كى يساعدها ولكنه هرب بعد عام واحد قضاه فى مركز تدريب سجن طرة.. «ده ما كنش جيش ده كان تعذيب والظابط هناك كان بيخليهم يزحفوا على بطنهم على الرملة السخنة والولاد صايمين وبعدين يرجعوا يقولوا جيش بلدنا ده لو إسرائيل مش هتعمل فى عيالنا كده»، ويتبقى هؤلاء الصغار لا حول لهم ولا قوة.. «بنتى عندها تقوس فى رجليها من قلة الكالسيوم، المستشفى اللى كنت باروحه بتلاتة جنيه بقى بعشرة، والعلاج اللى كان مجانى بقيت بجيبه من بره، وحتى اللبن والبيض مش قادرة أجيبهم لها على طول»، رضا التى فاضت دموعها فى رحاب «أم العواجز» لا تنتظر شيئاً سوى عمل لأولادها، وإعفاء من الجيش لصغيرها الهارب فى فراش المرض.. «يودونا سينا ولاّ العريش ولا الصحرا بس يشغلوهم ويلموا لحم الغلابة اللى ضايع». ساعات طويلة تجلسها فى «ركن السيدات» لا تسمع فيها «طرقعة» ملعقة فى طبق أرز مغطى بقطع اللحم أو يدخل أحدهم «بشوال» ممتلئ بأرغفة العيش المحشو بالفول النابت ولا تشتم رائحة الملوخية على أعتاب المقام، فقط «العيش الحاف» هو سيد الموقف، يتكالب الجميع على قفص تلو الآخر، كل رغيف يقتسمه أربعة مع قرص طعمية و«البركة فى اللى نشفوها»، بحسب رضا.. «أيام مبارك كانت سرقة بس المولد كان بخيره ومش المولد بس لكن كل عيشتنا كانت بخيرها، لكن دلوقتى مش طايلين حاجة.. أنا عيالى نسيوا شكل الفرخة على بعضها، بقيت أجيب هياكل الفراخ عشان أعرف أعمل عليهم شوية رز وصلصة فاضية يغمسوا بيها». «الحنة الحمراء» لم تزل على أياديهن حتى تجف، فهذه عادة سنوية تواظب عليها نسوة المكان، صينية كبيرة مملوءة بعجين الحناء لصبغ أياديهن فى انتظار الليلة الختامية، الصينية المتلألئة بشموعها لا تنتهى ولا يجف فيها أبداً «عجين الحنا» فهذه «بركات ستنا.. إزاى نبقى فى ريحها والبركة تنقص والخير ينشف» سيدة ستينية ترتدى «الأخضر» جلباباً وطرحة وخفاً وخاتماً يزين يدها وعقداً يضوى بفصوصه الخضراء حول رقبتها مع تمتمات صوفية من وقت لآخر تكتفى بها عن ضجيج النسوة والأطفال حولها.. «النهارده عيد أمنا، وكان نفسى هديتى تبقى أكبر من صينية حنا بس هى تقبلها».