شهدت غينيا بيساو واحدة من أعنف وأسرع التحولات السياسية في تاريخها المضطرب، حين نفذت مجموعة من كبار الضباط انقلابًا عسكريًا في 26 نوفمبر 2025، بعد ثلاثة أيام فقط من انتخابات رئاسية وتشريعية اتسمت بالتوتر والاتهامات المتبادلة بالتزوير. الانقلاب أعاد البلاد إلى دائرة الانقلابات التي عانت منها منذ الاستقلال، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم وسط إدانات إقليمية ودولية واسعة. تفاصيل الانقلاب العسكري شهدت العاصمة بيساو، فجر الأربعاء، إطلاق نار كثيف بالقرب من القصر الرئاسي، بالتوازي مع انتشار عسكري واسع وإغلاق الطرق الرئيسية ومنشآت الدولة. وأعلن الضباط أنفسهم «القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام»، في بيان متلفز، سيطرتهم الكاملة على السلطة وعزل الرئيس عمر سيسوكو إمبالو. إجراءات فورية اتخذها الانقلابيون تعليق العملية الانتخابية وإلغاء مؤسسات الدولة المنتخبة. اعتقال عدد من كبار المسؤولين، بينهم رئيس أركان الجيش ورئيس اللجنة الوطنية للانتخابات. فرض طوق أمني شامل حول العاصمة، وتعزيز الانتشار العسكري في المرافق الحيوية. إعلان تشكيل حكومة انتقالية لمدة عام واحد. وأدى الجنرال هورتا نتام اليمين الدستورية رئيسًا للمرحلة الانتقالية خلال مراسم تمّت في مقر هيئة الأركان، وسط إجراءات أمنية مشددة. مبررات العسكريين برّر قادة الانقلاب تحركهم ب "اكتشاف مؤامرة واسعة للتلاعب في نتائج الانتخابات"، متهمين شخصيات سياسية بارزة إضافة إلى تاجر مخدرات نافذ بالتورط في المخطط. ويُذكر أن البلاد تُعدّ مركزًا رئيسيًا لتهريب المخدرات القادمة من أمريكا الجنوبية نحو أوروبا، ما يزيد تعقيد المشهد السياسي والأمني فيها. وفي خطوة لتهدئة الداخل والخارج، أعلن المفتش العام للقوات المسلحة، الجنرال لاسانا مانسالي، إعادة فتح جميع الحدود بعد ساعات من الإغلاق. ردود الفعل الداخلية والدولية المعارضة المحلية حزب PAIGC المعارض دعا أنصاره للخروج في مظاهرات احتجاجية رفضًا للانقلاب، وسط مخاوف من استخدام القوة المفرطة ضد المحتجين، خاصة في ظل انتشار واسع للقوات المسلحة داخل بيساو. الاتحاد الإفريقي عقد مجلس السلم والأمن جلسة طارئة في 28 نوفمبر، أدان خلالها الانقلاب بشدة، ورفض تعليق العملية الانتخابية، وطالب بالعودة الفورية للنظام الدستوري وإطلاق سراح المعتقلين. الأممالمتحدة الأمين العام عبّر عن "قلق بالغ" إزاء الوضع، وطالب العسكريين بحماية الحريات العامة، محذرًا من مخاطر انزلاق البلاد إلى موجة عنف جديدة. المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) وصف بيان إيكواس ما حدث بأنه "انتهاك خطير للنظام الدستوري وتهديد مباشر لاستقرار المنطقة"، مؤكدًا أن غينيا بيساو لا تتحمل مزيدًا من الاضطرابات التي قد تقوض أمن غرب إفريقيا بأكمله. سجل طويل من الانقلابات بتنفيذ هذا الانقلاب، تُسجّل غينيا بيساو الانقلاب التاسع منذ استقلالها عام 1974، في بلد يعاني تاريخيًا من: صراعات سياسية مزمنة ضعف مؤسسات الدولة اختراقات واسعة من شبكات تهريب المخدرات هشاشة اقتصادية يعيش خلالها أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر التجارب السابقة تشير إلى أن نتائج الانتخابات كانت دائمًا سببًا لصدامات سياسية حادة، كما حدث في 2019 عندما أعلن كل من إمبالو وغريمه بيريرا الفوز، ما أدخل البلاد في أزمة امتدت أشهرًا. في النهاية يقف المشهد السياسي في غينيا بيساو اليوم عند مفترق طرق. فبين سلطة عسكرية تحاول فرض مرحلة انتقالية جديدة، ومعارضة تستعد للتصعيد، وضغوط إقليمية ودولية متزايدة، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة متوترة قد تحدد مستقبلها لسنوات. ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح القيادة العسكرية في تثبيت سلطتها وإدارة المرحلة الانتقالية، أم أن البلاد ستنحدر إلى دورة جديدة من الفوضى؟